نحن بحاجة إلى “فكرة ماكرة” لجعل السفر عبر الزمان واقعا علميا

مناقشة بين الأستاذين << ريتشارد بور>> و <<سيمون جون جيمس>> في حوار تم بتاريخ 24 مايو .2017

وكان أستاذ الأدب <<سيمون جون جيمس>> والفيزيائي << ريتشارد بور>> قد تشاركا في تنظيم معرض بعنوان آلات الزمن- الماضي، والمستقبل، وكيف يمكن للقصة أن تأخذنا إلى عالمها. ولقد كشفت محادثاتهما الاختلاف الكبير بينهما، حول معنى “السفر عبر الزمان”.

وهنا يناقشان كيف يمكن أن يتكامل المفهومان الأدبي والعلمي للسفر عبر الزمان يوم ما.

  • سيمون جون جيمس: ريتشارد، ماذا يعني مصطلح “السفر عبر الزمن” لعالم فيزياء؟
  • ريتشارد بور: إنَّ السفر عبر الزمان هو أحد أسس الفيزياء الحديثة، و كل من ينظر إلى السماء ليلًا يعاين هذه التجربة يوميًا. عندما ننظر إلى النجوم والكواكب، نراها، ليس كما هي الآن، ولكن كما كانت في الماضي.

بالنسبة للكواكب يبدو أنّنا لا نرى سوى ماضيها في بضع دقائق، ولكن بالنسبة لمعظم النجوم في السماء ليلًا، آلاف السنين. بالنسبة للمجرات، فإنَّ الزخات الخافتة من الضوء والتي تتكون من مجموعات بعيدة جدًا من النجوم، يمكن أن يكون التأخير ملايين أو مليارات السنين.

من خلال مراقبة أكثر المجرات خفوتًا بأحدث التلسكوبات في العالم، يمكننا أن ننظر إلى الزمن الماضي فتح ملفات تاريخ الكون.

ولكن هذا النوع من السفر عبر الزمان ليس الأكثر رضائًا لطموحاتنا. لأنَّه يسمح لنا فقط للنظر عبر الماضي كمراقبين عن بعد. أحد التحديات الرئيسية للفيزياء الحديثة هو تحديد ما إذا كان من الممكن التأثير في الماضي.

واحدة من المفاهيم الرئيسية لنظرية النسبية لآينشتاين هي أنَّ الأشياء موجودة على إمتداد خط طويل في البعد الرابع من الزمكان، الذي هو اتحاد الزمان والمكان.

وعلى الرغم من أنَّ جميع المراقبين على إمتداد نفس الخط الموجود في هذا العالم والذي يربط بين حدثين يتفقون، فقد يكون لديهم رؤى مختلفة حول ما إذا كانت الأحداث تحدث في آن واحد، أو في نفس الموقع ولكن في أوقات مختلفة، أو خليط من الاثنين معًا.

على سبيل المثال، بينما أجلس على مكتبي لتناول طعام الغداء، ثم أعمل قليلًا ثمَّ أقوم لأعود إلى بيتي بعد عدة ساعات تالية، المراقب الذي يتحرك بسرعة عالية (جدًا) سوف يراني أتحرك بسرعة خاطفة بعد تناول الغداء للعودة إلى البيت فورًا.

في نظرية آينشتاين، يتم خلط الوقت والمكان معًا: لا يمكننا التفكير فيهما بشكل منفصل. ولذا من الأفضل أن أفكر في نفسي كمن يتحرك دائمًا على طول خط البعد الرابع للعالم مسافرًا إلى المستقبل بسرعة الضوء.

و لكن هل يمكن خداع الحدود الآمنة التي وضعها أينشتين والقيام بالسفر إلى الماضي عبر الزمان؟

الجواب الذي يحمل تقدير كبير هو (لا)، ولكن مرة أخرى علوم الأجيال الأبكر قالت من قبل أنَّه من المستحيل للبشرية أن تطير يومًا.

لعل كل العلماء الآن بحاجة إلى الإلهام وإلى الفكرة الماكرة.

سيمون جون جيمس: حسنا، يمكنك أن تجد الكثير من الإلهام والأفكار الماكرة في الخيال العلمي الرائع، وبطبيعة الحال. لعل النص الأكثر شهرة عن السفر عبر الزمان هو آلة الزمن (1895) الذي كتبه هـ.غـ. ويلز، الذي كان أول من رسم صورة للبشر الذين يسافرون عبر الزمان باستخدام التكنولوجيا.

لقد تحققت خيالاته الأخرى– فقد تخيل وكتب عن تكنولوجيا الطيران باستخدام الطاقة قبل أن يجعلها العلم ممكن في الحياة الحقيقية، مثلًا لقد أدت أفكر ويلز المبتكرة إلى القصص الحديثة للسفر عبر الزمان مثل قصة (العودة إلى المستقبل) أو (دكتور هو).

لكن هناك العديد من أنواع القصص المختلفة للسفر عبر الزمان: لقد لاحظ <<أرسطو>> أنَّ القصة الجيدة هي التي لها بداية ووسط ونهاية- ولكن ليس من الضروري أن تكون بنفس الترتيب.

حتى في حالة نص قديم مثل الإلياذة <<هوميروس>> لا يبدأ مع حكم <<باريس>>، ولكن مع <<أخيل>> الذي يسحق في خيمته في السنة التاسعة من حرب <<طروادة>>، ثم القصة تتكشف من هذه اللحظة.

<<وودونيتس>>- هي التي تعرف في عالمنا العربي بمسلسلات من القاتل الإذاعية- عادة لا تميل إلى البدء بحدث القتل، ولكن تبدأ من اكتشاف الجسم، ثم إعادة بناء المؤامرة من قبل المحققين وهكذا تتحرك القصة على حد سواء إلى الأمام وإلى الوراء. و هذه هي حرية زمن السردي– المقصود هو التقديم والتأخير في تقنية السرد للقصة.

ريتشارد بور: الذي تحررونه في الشأن الأدبي يبقى عقبة رئيسية بالنسبة للسفر عبر الزمان. فرغم أنَّ نظرية آينشتاين تسمح لنا بمط -تمديد- الزمان أو إنكماشه، لكن لا يزال التتابع الزمني للأحداث أمرًا ثابتًا.

في حين، في المثال الخاص بك، حياة الضحية تومض أمام أعينهم قبل ثواني من لحظة الموت، و ستسبق تجربة حياتهم لحظة الموت.

ولكن في فيلم المبيد ( (the terminator، مثلا، الحضارة الإنسانية في المستقبل ستجد وسيلة لإيجاد مسار لخط العالم الخاص ببطل الرواية بحيث يسافر مرة أخرى عبر الزمان للوقت المناسب لاعتراض <<سايبورغ>> وتجنب وفاة <<سارة كونور>>.

يختلط الزمان والمكان في المناطق الداخلية من ثقب أسود مغزلي، بحيث يكون يمكن أن يحدث السفر عبر الزمان، ولكن لم يسبق لي أن التقيت أي شخص أعرفه قد أوجد طريق عودته من المستقبل بهذه الطريقة.

ربما يتم قطع المستقبل القديم في خط العالم الموجود وإظهار خط مستقبل جدي، لنخلق عوالم موازية وموجودة في نفس الوقت.

من وجهة النظر التقليدية، هناك الكثير من الأخطاء في فكرة إيجاد مسار لللسفر عبر الزمان والعودة إلى الماضي. ولكن التفسيرات الحديثة لميكانيكا الكم تشير إلى أنَّ العالم قد يكون مكونا من أكثر من مستقبل ((future على التوازي، والتي تنقسم باستمرار من بعضها البعض. كل مستقبل من أولئك موجود في نفس اللحظة و بشكل متزامن إلا أنَّنا لا نعي إلّا أحدها فقط. من وجهة النظر هذه، ليس هناك داع للخوف من السفر عبر الزمان. فإيجاد مسار في خط العالم ببساطة يخلق طبقة من المستقبل المحتمل.

سيمون جون جيمس: لقد فتنت بمرونة السفر عبر الزمان كما يمكن أن يقال مجازًا للحديث عن أنواع عديدة من البحث الأكاديمي. التاريخ وعلم الآثار كأمثلة جلية. ولكن ألهمني في المشروع الأخير عملًا في علم النفس ذكرة السيرة الذاتية.

إنَّ السرد ليس مجرد خاصية في النصوص الأدبية وغيرها من النصوص: فقد قيل أن الشعور الإنساني بالذات هو الذي بني من روايتنا لتجاربنا الخاصة بمرور الوقت: هذه الذاكرة والتخطيط للمستقبل هو نوع من “السفر العقلي عبر الزمان” الذي يسمح لنا بتشكيل الهوية. هاكم مثالي الأدبي في رواية “ترنيمة عيد الميلاد” لـ<<تشارلز ديكينز>>. يسافر (سكروج) إلى ذكريات ذواته السابقة ومن خلالها يتم تشجيعه على تغيير طرقه نحو مستقبل أفضل. يمكن أن نفكر في الرؤية المزرية لعيد الميلاد الذي كنا ننتظره، و(سكروج) السعيد المحبوب في نهاية الرواية كما لو كنا نعيش في اثنين من “العوالم الموازية المختلفة”، ربما؟

ريتشارد بور: مؤكد كم هو مدهش أنَّ الأفكار الأدبية تتحدى الفهم العلمي- ربما يكون كل من هذين المستقبلين المتوازيين حقيقيين بنفس القدر.

<<ريتشارد بور>>، أستاذ في الفيزياء، جامعة دورهام و<<سيمون جون جيمس>>، أستاذ الأدب الفيكتوري ، جامعة دورهام.

المصادر: 1