العثور على التدفق

تخيل أنك تقوم بالتزلج على منحدرٍ وكل انتباهك مركزٌ على حركة جسمك وموضع الزلاجات، والهواء يصفع وجهك والثلج يحجب الأشجار التي تمر بها، ولا مكان في وعيك لأي تناقضٍ أو خلاف؛ لأنك تعلم أن أيّة فكرة أو شعورٍ مُشوِّش قد يدفنك في الثلج، فهذا السباق مثاليٌّ لدرجة أنك لا تريد انتهاءه.

إذا لم يكن التزلج يعني لك كثيرًا، فهذه الحالة قد تحدث عند الغناء، الرقص، قراءة كتابٍ مثيرٍ، أو إذا كنت تعشق عملك، فقد تحدث خلال عمليةٍ جراحيةٍ معقدة أو صفقة عملٍ أو حتى في تفاعلٍ اجتماعيٍّ كحديثٍ مع صديقٍ حميمٍ أو لعبٍ مع طفل، فهي لحظاتٌ توفر لك ومضاتٍ من العيش الجديد المختلف عن الحياة المملة الرتيبة.

هذه اللحظات الاستثنائية تسمى”التدفق”، والتي يَصِفها الناس مجازيًا بالفعل غير المجهد الذي يكون أفضل ما في حياتهم، فالرياضيون يسمونها “الوجود في المنطقة” فبعد أداءٍ عالٍ من اللاعب قد يشعر أنه لا يُقهر فتتباطأ اللعبة ويصمت ضجيج الجمهور ليرتفع تركيزه على اللعب، أما الدينيون المتصوفون فيسمونها “النشوة” حيث ينخفض الوعي الخارجي عند المتصوف ويرتفع الوعي الداخلي الفكري الروحي، أما الفنانون والموسيقيون فيسمونها “النشوة الجمالية”.

الانخراط التام بحالة التدفق بدلًا من السعادة قد يصنع التفوق في الحياة؛ بإمكاننا أن نكون سعداء عبر تجربة المتعة الخامدة لجسمٍ مرتاحٍ وشمسٍ دافئة، أو أن نكون راضين عبر علاقةٍ صافية، لكن هذا النوع من السعادة مبنيٌّ على ظروفٍ خارجيةٍ ملائمة، على عكس السعادة التي تتبع التدفق فهي من صنع أنفسنا، كما أنها تؤدي إلى تزايدٍ في تعقيد وعينا ونموه.

أين تجد التدفق؟

يحدث التدفق عندما يواجه الشخص مجموعةً خالصةً من الأهداف التي تتطلب استجاباتٍ ملائمة، فمن السهل دخوله في ألعابٍ كالشطرنج أو التنس أو البوكر، لأن فيها أهدافًا وقواعدَ وتسمح للّاعب بأن يؤدي دوره دون أن يسأل ماذا عليه أن يفعل أو كيف يفعله، نفس الصفاء للأهداف يتمثل عندما تؤدي طقسًا دينيًا أو قطعةً موسيقية أو كتابة برنامج حاسوبٍ أو تسلق جبلٍ أو إجراء جراحة، تسمح “أفعال التدفق” هذه للشخص بالتركيز على أهدافٍ صافيةٍ نسبيًا وتوفر له الدعم.

يحدث التدفق أيضًا عندما تكون مهارات شخصٍ ما منخرطةً في هزيمة تحدٍّ سلس، لذا فإن هذا التحدي يجذب الشخص لتعلم مهاراتٍ جديدة، إذا كانت التحديات سهلةً جدًا فستحصل على التدفق عبر زيادتها، أما إذا كانت ضخمةً فستحصل على هذه الحالة عبر اكتساب مهاراتٍ جديدة.

كم مرةً يختبر الإنسان التدفق؟

عند سؤال عينةٍ من الأميريكيين “هل انخرطت يومًا في شيءٍ ما بشكلٍ عميقٍ لدرجة أنك لم تهتمَّ بشيءٍ غيره؟ 20% تقريبًا قالوا أن هذا يحدث معهم عدة مراتٍ في اليوم، و 15% قالوا أنه لم يحدث أبدًا، هذه النسب ثابتةٌ في العالم تقريبًا.

لدراسة التدفق بشكلٍ أدق توجد طريقةٌ ابتكرها (Mihaly Csikszentmihalyi) تسمى طريقة اختبار العينات [ESM]، حيث توفر شريطًا سينيمائيًا افتراضيًا لنشاطات وخبرات الناس اليومية، فبعد إشارةٍ ما من ساعة اليد تصدر عشوائيًا كل ساعتين من اليوم، يدوِّن الشخص ما كان يفعله، وفيمَ يفكر ومع من، ثم يقدِّر حالة وعيه على مقاييسَ عدديةٍ مختلفة.

لقد وجدت هذه الطريقة أن التدفق يحدث بشكلٍ عام عندما يمارس الشخص نشاطه المفضل؛ الزراعة، سماع الموسيقى، الطبخ، وأيضًا عند القيادة والتكلم مع الأصدقاء، ونادرًا ما تحدث في أنشطة وقت الفراغ كمشاهدة التلفاز أو الراحة.

تقريبًا؛ إن أي نشاطٍ من الممكن أن يؤدي إلى التدفق عند توافر العناصر الملائمة، لذا فمن الممكن تحسين جودة الحياة عبر جعل شروط التدفق جزءًا ثابتًا من الحياة.

التدفق في العمل:

على الرغم من كونِ البالغين أقلَّ سعادةً عن المعدل الوسطي خلال العمل وأقلَّ حماسًا أيضًا، إلا أن دراسات [ESM] وجدت حالاتٍ أكبر من التدفق في العمل من وقت الفراغ، وذلك لأن العمل يشبه اللعبة أكثر من غيره من النشاطات اليومية، فالعمل غالبًا يملك أهدافًا واضحةً وقواعدَ لأدائها، كما أنه يوفر الدعم و يرفع التركيز و يمنع الشرود، ومصاعب العمل تناسب مهارات العامل بشكلٍ مثالي.

ومع ذلك فمعظمنا يود أن يعمل بشكلٍ أقل، وذلك لأنه يكون في الغالب أمرًا مملًا روتينيًا سهلًا، ولكن يوجد العديد من الطرق لجعل عملك مصدرًا للتدفق كطبيبٍ يهتم بالعيش الهنيء لمرضاه أو صحفيٍّ يهتم بإيصال الحقيقة، وهذا قد يصنع الفارق ليجعل العمل جذابًا ومُرضِيًا.

التدفق في اللعب:

إلى الآن، تقول الأدلّة أن الاستمتاع في وقت الفراغ أصعب منه في العمل، حيث أن جهازنا العصبي قد تطور لاستقبال إشاراتٍ خارجيةٍ، ولكن لم يتكيف مع الفترات الطويلة دون عقباتٍ أو مخاطر.

لذا، فإذا أردت الاستمتاع بوقت الفراغ عليك أن تركز انتباهك وبراعتك على ما تفعله كما تمارس عملك.

ترجمة: كريم زباد

تدقيق لغوي: نور الحاج علي

المصادر: 1