مقدمة تاريخية عن التطور تسلط الضوء على بعض المفاهيم الأساسية

منذ مئات السنين كانت كلمة “تطور” بحد ذاتها تعني التغيير الحاصل في الترتيب للشيء الذي يتعرض للرصد أو المراقبة. لو تحدثنا بشكل عام فإن هذا التغيير سوف يشمل جميع المجالات والاختصاصات، منها تطور الفلكي والتطور في التصميم الحوسبي وإلى ما شابه ذلك، هذا المقال سوف يختص بالتطور البيولوجي في الكائنات الحية.

يعود استخدام المصطلح السابق “التطور” إلى الحضارة الإغريقية القديمة، ولكن في عصرنا الحالي تستخدم هذه الكلمة للإشارة إلى نظرية التطور التي اعتنقها وطورها العالم البريطاني تشارلز داروين بواسطة مفهوم الانتقاء الطبيعي. ويشار إلى هذه النظرية في اغلب الأحيان بشكل فاضح بأنها نظرية” البقاء للأصلح”، حيث قدم داروين تفسيره لحقيقة التطور بواسطة الانتقاء الطبيعي في كتابه الشهير “أصل الأنواع” عام 1858 مع مساعده العالم البريطاني ألفريد والاس، لكن كان هنالك خلاف على هذه النظرية دار بين ألفريد وداروين حيث قال ألفريد بأن الروح البشرية لم ولن تكون نتاجا للتطور أبدا.

لقد استخدم اليونان والحضارات التي عاشت في القرون الوسطى كلمة “تطور للإشارة إلى مصطلح ثابت يعمل في جميع أحواله كوصف للحالة الطبيعية التي يخلق عليها الشيئ ويتطور منها، حيث كان ألاعتقاد السائد آنذاك بأن كل شيئ في الطبيعة له ترتيب ونظام معين وأن هذه هي غائية الطبيعة الأم.

قام الفيلسوف اليوناني أرسطو بتصنيف الكائنات الحية بشكلٍ هرمي متسلسل وعظيم، وكان ترتيب هذه الكائنات عنده يبدأ من النباتات والتي كانت في قاع الهرم ويتدرج إلى الحيوانات الأكثر رقيًا وصولًا بعدها إلى الإنسان كونه اكمل الكائنات الحية رقيا وتطورا من جميع النواحي.

لقد كان الفلاسفة في العصور الوسطى، مثل أوغسطين، قد بدئوا بدمج المفاهيم الدينية مع المفاهيم الغائية حيث كان نتاج هذا الدمج الاستنتاج الآتي: أن الخالق هو المصمم الوحيد لجميع المخلوقات الحية، وأن كل مخلوق له عمل وهدف يرسمه ويقوم به في هذا الكوكب.

الغائية: الغائية هي قسم من أقسام الميتافيزيقا (ما وراء الطبيعة)، تقوم على مبدأ ارتباط العالم ببعضه البعض (ارتباط العلّة بالغاية).

في عصرنا الحديث، وبالنسبة للبعض، قد يبدو مصطلح “التطور” و مصطلح “الخالق” لا ينسجمان كثيرا مع بعضهما البعض. يرجع أساس هذا الرفض في المقام الاساس إلى رفض علماء البيولوجيا الصورة الغائية لتطور الكائنات الحية وأن هنالك صورة أخرى علمية اكثر تعمل على تفسير هذا التطور بعيدًا عن علوم ما وراء الطبيعة والتي تدعى بالميتافيزيقية.

يرجح البعض أن عملية الرفض هذه قد بدأت مع ديكارت ووصلت إلى داروين في نهاية المطاف لتساعده في تطوير نظريته بخصوص التطور بواسطة الانتقاء الطبيعي.

لنبدأ بالأساسيات، إن نظرية التطور بواسطة الانتخاب الطبيعي تقوم على أساس فكرة (التغيير حسب الأصل المشترك)، وهذا يعني أن جميع الكائنات الحية ترتبط مع بعضها البعض عن طريق سلف مشترك قد أنحدروا منه، لنأخذ على سبيل المثال القطط والأسود والتي ينتمي كل منهما إلى نفس الفصيلة ألا وهي فصيلة السنوريات.

لو عدنا قليلًا إلى الخلف لوجدنا أن القطط والأسود يمتلكان سلف مشترك قد انحدرا أو جاءا منه، بالتأكيد أن التغيير الذي يحصل بهذا الشكل لن يحدث بين ليلة وضحاها وأنما يستغرق ألاف السنين من التطور البطئ وغير الملحوظ بسهولة.

إن هذا التفسير يعاكس جذريًا تفسير أرسطو لخلق الكائنات الحية والتي مثلها كما ذكرنا سابقا بـ هرم متدرج، أن الذي حصل مع فكرة أرسطو هو أن أرسطو قد أوضح بأن كل كائن مستقل بحد ذاته، له هدف معين في الطبيعة وموضع محدد، لا يعاني تطورا ولا يرتبط مع غيره من الكائنات الأخرى بأي شكل من الأشكال. التطور بواسطة الانتقاء الطبيعي هو عبارة عن نظرية ميكانيكية علمية بحتة تقوم على أساس التغيير الممكن بين الكائنات الحية ذات الأصل المشترك مع انعدام الإحساس بوجود صانع أو مصمم لهذه المخلوقات وانعدام الغرض السببي لوجود الكائن في الطبيعة من الأساس بل هو نتيجة تطور بطيء وطويل يمتد عبر العصور لأسباب بيولوجية منها الوراثية ومنها البيئية كما أنه لا يوجد تأثير قوي على كائن لأنه أكثر مثالية من كائن آخر أي أن الجميع يتعرض لهذا التغيير.

على الرغم من أن النظرية تقول بأن البيئة والطبيعة لا دخل لهما في تطور الكائن الحي ألا إن علماء البيولوجيا الحديثين يحاولون معرفة ما إذا كانت البيئة هي المسؤولة عن اختيار الأنواع الأكثر ملائمة للمعيشة أو الجينات الأنسب للكائن نفسه أم لا.

التطور من خلال الانتقاء الطبيعي هو نظرية قائمة على أساس عملية التغيير التي تحدثنا عنها مسبقا. على الرغم من أن نظرية داروين الأصلية لم تتحدث بخصوص الجينات أو المورثات وعلاقتها بتطور الكائن الحي، إلا أنها الآن مقبولة عالمياً بين أنصار التطور الجدد.

في مجموعة سكانية معينة، يحدث الانتقاء الطبيعي عندما تنتقل الصفات الوراثية التي تعزز البقاء في بيئة الفرد إلى الأجيال القادمة وتصبح أكثر تكرارا في الأجيال اللاحقة. إن تطور الكائنات الحية يعتمد على عوامل مختلفة للبقاء والتكاثر وذلك يعتمد على الأجواء البيئية المختلفة المحيطة بها (وفرة أو نقص في الغذاء أو وجود أو عدم وجود مفترسات، وما إلى شابه ذلك)، ونظرا لطول الوقت الكافي لإحداث التغييرات، يمكن أن تتراكم هذه التغييرات الصغيرة لتشكل كلها أنواع جديدة في المستقبل.

وبالتالي، لا يوجد تمييز حاد بين نظرية داروين ونظرية التنوع الجديد بين الأنواع الجديدة. إن هذه النظرية مسؤولة عن تنوع الكائنات الحية في الأرض بشكل أفضل من نظريات التصميم اللاهوتي أو النظريات العلمية منافسة مثل نظرية لامارك والتي تقول بأن الكائن الحي يمكن أن ينقل إلى ذريته صفاته التي اكتسبها طيلة فترة حياته الفردية.

التطور بواسطة الانتقاء الطبيعي يقوم على ثلاثة مبادئ:

  1. التغيير: في جيل معين سوف يكون هناك اختلاف في الصفات الوراثية المنتقلة بين الكائنات الحية، بعضها يساعد على البقاء والتكاثر وبعضها ليس كذلك والبعض الآخر ليس له أساس وراثي عملي حتى وأن وجد.
  2. المنافسة: الموارد محدودة والتنافس مستمر، إذ يجب على الأفراد التنافس فيما بينهم للحصول على كمية كافية من الموارد التي تسمح لهم بالعيش في هذه البيئة ويكون ذلك عن طريق استعمال السمات الوراثية التي تساعدهم في الحصول على تلك الموارد بشكل افضل من تلك الكائنات التي تفتقر إلى هذه السمة المساعدة.
  3. التوريث: أن الصفات الوراثية التي تساعد الكائن الحي على البقاء والمعيشة بشكل أفضل من غيرها ويكون لها أساس جيني هي التي تنتقل عبر الأجيال القادمة لهذا الكائن وتتطور بشكل أقوى فيما بعد.

ترجمة: علي محمد

المصادر: 1