ما هو علم النفس وراء عدم قدرة بعض الناس التوقف عن الكذب؟

نبدأ بالكذب عند بلوغ سن الثالثة أو الرابعة، في هذه المرحلة من تطور أدمغتنا نتعلم أن لدينا أداة قوية ومتعددة الاستخدامات تحت تصرفنا – لغتنا – ويمكننا استخدامها للتلاعب فعليًا بالواقع والتأثير على نتائج ما يحدث.

إننا نتعلم أن الكذب “سيئ” عاجلاً أم آجلاً، و بحق يجب ألا نقوم به، لكن أكثر شيء علمنا إياه جيم كاري من فيلم “كذاب كذاب” بأن هذا اﻷمر ليس مجديًا وعلينا أن نكذب في بعض الأحيان.

لكن بعض الناس مرضى بالكذب وهذا يعني أنهم لا يستطيعون التوقف عن نشر المعلومات الخاطئة عن أنفسهم وعن الآخرين، والأسباب النفسية التي تجعل بعض الناس بهذا الشكل غامضة نوعًا ما، لكن في الطبعة الثالثة من الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية، الكذب المرضي هو اضطراب بحد ذاته، إضافة إلى أعراض اضطرابات الشخصية مثل الاعتلال النفسي والنرجسية.

وقالت الطبيبة النفسية جوديث أورلوف، مؤلفة كتاب ” دليل البقاء على التعاطف” لـ “بيزنس إنسايدر”: “أعتقد أنه ناتج عن خلل في الاتصال العصبي الذي يسبب لنا الرحمة والتعاطف، لدى النرجسيين والمختلين اجتماعيًا والمرضى النفسيين ما يسمى باضطراب نقص التعاطف، بمعنى أنهم لا يشعرون بالتعاطف بالطريقة التي نتمناها”.

لا يهتم النرجسيون بالحقيقة

إذا كنت لا تراعي الآخرين فالأكاذيب لا تبدو مهمة، نقص التعاطف يعني أساسًا عدم وجود ضمير، وهو مفهوم من الصعب إدراكه لدى الكثير من الناس، قالت أورلوف “عندما يكذبون فهذا أمر لا يؤذيهم بالطريقة نفسها التي من شأنها أن تؤذي اﻵخرين، يدخل العديد من البشر في علاقات مع المرضى بالكذب أو فقط لا يمكن أن يفهموا لماذا يكذبون لأنهم يحاولون ملاءمة هؤلاء الناس مع المعايير المألوفة وما معنى أن تكون متعاطف”، لكنهم ليسوا مناسبين في الواقع، حتى أنهم قد لا يدركون أنفسهم يكذبون نصف الوقت لأنهم ليسوا واعين لذلك، إنهم في الواقع يعتقدون أنهم يقولون الحقيقة معظم الوقت، إنها ليست عن الحقيقة نفسها بل يريدون أن تكون لديهم سلطة أكبر على شخصٍ ما، هذا خطير للغاية بالنسبة للناس الحساسين جداً، ﻷنهم يجذبون النرجسيين ثم عندما يجدون شخصًا ما يكذب يحاولون إيجاد الحل لذلك أو لوم أنفسهم.

بمجرد أن تبدأ اﻷكاذيب قد تنتهي بالضحية إلى زرع الشك في نفسه وفي قاعدة مبادئه، الذي هو في الأساس عندما يقال مرارًا و تكرارًا أن هذه النسخة من الواقع التي يعتقد بها الضحية غير صحيحة، و ويبدأ الضحية بتصديق الحقيقة المشوهة للمسيء.

قالت أورلوف “إن القوة العظمى للعلاقات هي عندما يمكنك قول الحقيقة للآخر والثقة ببعضكما البعض وأن تكون حقيقي، ومع مرضى الكذب لن تثق بهم ولن تتمكن من تأسيس حياتك بوجودهم، كالعجز الأخلاقي حيث لا توجد مسؤولية، الشخص المريض بالكذب لن يقول أنا آسف لفعل ذلك بل سيقول إنه خطأك”.

السبيل الوحيد للهروب من براثن المريض بالكذب هو أن تكون قويًا بما يكفي لقول “لا هذا ليس خطأي، وهذا لا يبدو مناسبًا بالنسبة لي، لذلك لا أستطيع حقًا أن أثق بك”.

للأسف، يميل الناس إلى الشك في أنفسهم، لأن اﻷكاذيب يمكن أن تتصاعد بمهارة، قد تبدأ بكذبة بيضاء صغيرة وفي بضعة أشهر لاحقة ستكون حياة الضحية فوضى من الارتباك بسبب شبكة طويلة من الحكايات التي تم نسجها.

قالت أورلوف “إذا كان شخصٌ ما يكذب لا تحاول ولا تضع عذرًا للأمر، الكذب كذب، وإذا ذكرت ذلك لشخص وهو يقول إنه خطؤك أو لم يحدث هذا اﻷمر، فقط اعرف أن خطبًا ما يحدث”.

الكذابون القهريون ليسوا بالضرورة أشخاصًا سيئين

أخبرت الطبيبة النفسية ليندا بلير، مؤلفة العديد من كتب علم النفس، موقع Business Insider أن بعض الكذابين القهريين هم ببساطة تلقائيون أيضاً في قول الحقيقة حيث أن مقياس الانعكاس التلقائي متأصل في جيناتنا ومن الصعب جدًا على شخصٍ ما شديد الاندفاع أن يأخذ الوقت الكافي للتفكير في الأشياء، تمامًا كما هو تحد لشخص تلقائي أن يقفز نحو شيء ما بالرأس أولا.

قالت بلير “إذا كنت شخص متسرع فمن الصعب حقًا كسر العادة لأن لديك هذا الشعور الرهيب في داخلك أن عليك فرز الأشياء في الوقت الحالي، لذا عندما تتوارد إلى ذهنك يمكنك أن تقلها و هذا لا يعني بالضرورة أنك تكذب لكن فقط أكثر صعوبة بالنسبة لك التوقف عن الكذب، أكثر من ذلك الشخص الذي هو انعكاسي أكثر”.

الكذب المرضي و النرجسية ليسا مترادفين إنهما فقط متقاربين، في حالات أخرى الكذابين القهريين قد لا يملكون القدرة على إيقاف أنفسهم عن قول الأشياء بدون تفكير، وتقول بلير إنهم فقط بحاجة إلى تعلم السيطرة على الحث والدوافع، خاصة أن أكاذابيهم لا تأتي بالضرورة من نوايا سيئة.

كما قالت بلير :”لا أعتقد انهم يعرفون كيفية التعامل مع هذا اﻷمر، ربما له صلة بوظيفة الدماغ الفعلية وطريقة عمل أدمغة بعض الناس اﻷمر الذي يجعل من الصعب بالنسبة للكثير منهم أن يفهموا تأثير ذلك على الآخرين و نحن نعتقد، لكننا لا نعرف حتى الآن بشكلٍ مؤكد”.

المصادر: 1