لماذا يهاجم القرش البشر؟

نظرياتٌ وراء هجمات أسماك القرش

من منا لم يشاهد فيلم الرعب الأسطوري “الفك المفترس”. ذلك الفيلم الذي أثار ضجة كبيرة حول أسماك القرش، ولا سيما القرش الأبيض الكبير، حيث تدور أحداث الفيلم حول قرش يبدو وكأنه يكن حقدًا لأشخاص بعينهم فيذهب وراءهم كي يقتلهم. ومنذ ذلك الحين، تطارد تلك السمعة السيئة هذا المخلوق ويطارد الخوف فِكر أي شخص ينوي تقضية إجازته على الشاطئ.

في الواقع، إن احتمال هلاكك بسبب عضة قرش أقل بكثير من احتمال موتك بسبب سكتة قلبية، حادثة سيارة، صاعقة برق، أو حتى عضة كلب!

عامةً، تصنف هجمات أسماك القرش إلى هجمات مبررة (تلك الناتجة عن استفزاز البشر للقرش أثناء الغوص أو الصيد) وهجمات غير مبررة. ومن ضمن حوالي 375 فصيلة معروفة، فقط 32 نوع من القروش تم توثيق مهاجمتها للبشر وعلى رأسهم ثلاثة فصائل: القرش الأبيض الكبير، القرش النمر والقرش الثور.

طبقاً لإحصائيات متحف فلوريدا للتاريخ الطبيعي لعام 2017، تقدر أعداد هجمات القرش في العالم بـ 155 هجمة، منها 88 هجمة غير مبررة. ويتركز أكثر من 75% من تلك الهجمات على سواحل الولايات المتحدة تليها أستراليا.

لا يمثل هذا رقماً مفزعاً مقارنة بملايين البشر التي تزور البحر كل عام. لكن يبقى السؤال: لماذا تهاجم أسماك القرش البشر على أية حال؟

قد تبدو الإجابة على هذا السؤال بسيطة وتتلخص في كلمتين: “حيوان مفترس”. لكنك ستصاب بالدهشة عندما تواجه مدى تعدد وتعقد هذه الأسباب، بل قد تغير نظرتك إلى تلك المفترسات للأبد!

حواس مذهلة

أسماك القرش ليست آلات قتل عمياء تسبح لتلتهم أي شئ في طريقها. إنها صيادات ماهرة توظف شبكة معقدة من الحواس كي تطارد وتهاجم فريستها. وتعتمد قوة هذه الحواس ومدى استخدامها بشكل كبير على فصيلة القرش وطبيعة البيئة المحيطة به.

حاسة الشم القوية هي بالأحرى الحاسة الأكثر شهرة، فجميعنا سمع هذا من قبل: “إن جرحت نفسك وأنت في البحر، سيسبح سمك القرش نحوك ويلتهمك”.

تستطيع أسماك القرش أن تشتم جزيئات الرائحة الصغيرة من على مسافة تصل لنصف ميل. فهي تمتلك خلايا شمية في غاية الحساسية تستقبل المواد الكيميائية الذائبة في المياه، وترسل إشارًة إلى المخ لتفسير الرائحة. ومن المعروف أنها تنجذب بسرعة وضراوة إلى قطرات الدم وكذلك البول وهو ما يدعى البعض أنه السبب في انجذاب أسماك القرش لأشخاص بعينهم بين مجموعة ربما لأن رائحة أجسادهم مميزة.

لكن يجب الأخذ في الاعتبار أن تركيز تلك الجزيئات يقل بشكلٍ كبير عندما تنطلق في المياه. صحيح أنها تستطيع أن تشتم رائحة بتركيز جزءٍ واحد في عشرة مليار جزء، أي ما يعادل قطرة في حوض سباحة أولمبي. لا يزال الإحساس بقطرة دماء في محيط بأكمله أمرًا مبالغ فيه!

من على بعد أميال، تستطيع أسماك القرش أن تسمع معاناة سمكة تحتضر.

تمتلك القروش آذان داخلية يمكنها استقبال الأصوات التي يتراوح ترددها بين 10 إلى 800 هرتز. وهي سريعة الاستجابة بشكل خاص للأصوات النابضة منخفضة التردد كتلك الصادرة من سمكة في خطر، يساعدها ذلك في تحديد موقع فريستها من على بعد.

لذلك من الممكن أن تمثل نشاطات البشر في المحيط ورش المياه الناتج عن السباحة مصدر جذب للقروش لاستكشافها.

عندما يقترب القرش من هدفه ببضعة أمتار يعتمد أكثر على نظره. وعلى عكس المعتقد، تتمتع معظم القروش بحاسة بصر جيدة بل أن بعضها يستطيع تمييز الألوان أيضاً.

لكن حاسة أخرى تميز القروش عن غيرها وهي قدرتها على استشعار المجالات الكهرومغناطيسية بواسطة أعضاء تعرف بـ “مصابيح لورنزيني”. تتولد هذه المجالات من انقباض عضلات أي كائن حي، كذلك تنبعث موجات قوية عندما تتواجد المعادن في المياه المالحة وهو ما قد يثير القروش ويدفعها لعض المروحة المعدنية للقوارب وخاصة أثناء استخدام معدات الصيد.

أسماك جائعة

هل مذاق البشر سيئ بالنسبة لأسماك القرش؟ ليس تمامًا. معظم أسماك القرش تتغذى على الأسماك الصغيرة واللافقاريات في حين تتغذى القروش الأكبر علي الثدييات البحرية مثل الدلافين والفقمات. إن رميت قطعة لحم حمراء لأسماك القرش لن تمانع أكلها، لكن الأمر يختلف حين نتحدث عن البشر.

يوضح بيتر كليملي، خبير بسلوك الحيوانات البحرية بجامعة كاليفورنيا، أن القروش البيضاء لديها جهاز هضمي بطئ؛ إن تناولت شئ خارج وجباتها المعتادة، يتسبب ذلك في تباطؤ الجهاز الهضمي لعدة أيام وهو ما يجعلها تختار طعامها بعناية. كي تحافظ على دفئ أجسادها فهي تحتاج لمحتوى عالٍ من الدهون وهو ما يتوفر في فيلة البحر.

حتى مع الأخذ في الاعتبار قرش مثل القرش النمر- والذي يملك نصيبًا كبيرًا في الهجمات ضد البشر- ويعرف بـ”آكل القمامة” حيث لديه شهية لفرائس كثيرة من الطيور والأسماك وحتى السلاحف، إلى جانب قطع الخردة التي وجدت ضمن محتوي معدته. قد يعض البشر ولكنه نادرًا ما يأكلهم.
لذلك فاحتمالية أن تؤكل بواسطة قرش ضئيلة جدًا، فأجسادنا عظمية للغاية وغير مشبعة على الإطلاق.

هوية خاطئة

قد يشبه أحد متزلجي الأمواج، وهو طافٍ على سطح مياه ضحلة، الفقمة. وهذا قد يدفع القرش لمهاجمته من الأسفل. يبدو هذا أكثر منطقية، خاصة بعد معرفة أن متزلجي الأمواج يمثلون أكثر من 50% من ضحايا هجمات القرش. وعلى الرغم من أن القرش صياد محترف فإن حركة مفاجئة في المياه مع الكثير من الضوضاء قد تمثل حافزًا كافٍ للقرش كي يبدأ هجومه.

لكن في عام 2016، نشر بحث في مجلة الأحياء البحرية ينفي صحة هذه النظرية. قام الباحثون بمقارنة مقدار شدة الجروح و تضرر ألواح التزلج الناتجة عن هجمات القرش الأبيض مع الدراسات المتاحة عن استراتيجيات صيد القروش للفقمات، مع أخذ حجم القروش المهاجمة في الاعتبار.

وأظهرت النتائج أن الضرر الناتج من هجمات القرش لا يعكس مستوى الهجوم المطلوب لمراوغة الفقمات كما أن حجم القروش المهاجمة للبشر كان في معظم الحالات أصغر من حجم القروش الناضجة بما يكفي كي تذهب لصيد الفقمات.

وتفسر الدراسة أن شراسة بعض الهجمات قد تعود لرغبة تلك القروش الصغيرة في التمرن على مطاردة الفريسة. هي فقط تريد اللعب ولكن من الواضح أن البشر لا يمثلون الرفيق الأمثل!

الفضول

هناك مقولة مشهورة تقول أن “الفضول يقتل”، لكن المثير للسخرية هو أن فضول أسماك القرش قد يقتل البشر لا أنفسها.

القروش، وعلى رأسها القرش الأبيض الكبير، تتربع على عرش مفترسات البحار ولا يوجد كائن آخر قد يطاردها سوى البشر. هذا يعطيها رفاهية التجول في البحر دون خوف مستكشفة ما به، وفضولها يغلبها حينما ترى جسداً غريباً في المياه.

فكر بالأمر. القروش لا تمتلك أذرع كي تتحسس بها الأشياء، لكنها تمتلك فكاً متحرك مزودا ببراعم تذوق حول صفوف من الأسنان مرنة.

وثق جيمس بوليك، عالم الأحياء البحرية، في بحثه عن القرش الأبيض أنه عندما يفتح القرش فمه تتمدد أسنانه للخارج بزاوية 9 درجات تقريبا ثم تنحني للداخل عندما يغلق القرش فمه. إلى جانب ذلك فإن هذه الأسنان مزودة بأعصاب تجعلها أشبه بأصابع اليد، حيث يمكنها أن تتمدد وتمسك بالأشياء لتتحسسها. ويستخدم القرش الأبيض هذه الخاصية كي يتعرف على ما إن كانت فريسته مشبعة وصالحًة للأكل أم أنها لا تستحق العناء.

لذلك ليس غريبًا على القرش أن يقوم بعّض أشياء كالقوارب وألواح التجديف وحطام السفن وغيرها من المخلفات التي قد توجد بالمياه. وتعرف هذه العضات بـ “العضات التجريبية”، حيث تعض الشئ وتتحسه ثم تتركه وتمضي بعيداً.

وينعكس هذا على معظم هجمات القروش التي لا يبدو وكأن هدفها القتل، حيث تنتهي بعضات بسيطة نادرًا ما تتسبب في مقتل الضحية. لكن هذا لا يمنع أن تكون هذه العضة الفضولية سبباً في خسارة بعض الأصابع أو حتى طرف كامل.

هناك الكثير من النظريات التي تم فرضها بواسطة الخبراء وغيرهم لحل اللغز وراء هجمات القرش وعلى الرغم من عدم توفر دراسات كافية كي تدعم إحداها، لا شك أن هذه التحقيقات تكشف الكثير عن سلوك أسماك القرش وتدفعنا لمعرفة المزيد عن هذه الكائنات المذهلة حتى نستطيع أن نحمي أنفسنا ونحميها هي أيضاً.

فعلى أية حال، لا يمكننا التغاضي عن حقيقة أنه في مقابل كل شخص يقتل بواسطة قرش، نحن البشر نقتل ما يزيد على مائة مليون قرش كل عام. لكن أسماك القرش ليست بمجرد وحش يسكن البحار! إنها تلعب دور حيوي في التوازن البيئي البحري واستبعادها سيؤدي إلى انهيار النظام بأكمله.

المصادر: 1