لماذا تثير الموسيقى الذكريات، وماهو سبب كون الذاكرة الموسيقية قوية؟

إنه لحن من قبل مجموعة Eurodance الألمانية، التي لعبت الكثير منه الصيف عندما سافرت عبر أوروبا. سمعت إحداها فقط – “إنه رفيق الروح / يمكنك أن تشعر به في كل مكان” – والليالي المتأخرة والشواطئ الرملية تأتي على الفور إلى الذهن.

لكنني كنت أتعمد أن أتذكر شيئًا ما من تلك العطلة، بدون الموسيقى، لا أذكر شيئًا فوريًا أو عاطفيًا. هذه تجربة يشاركها الجميع: سماع مقطوعة موسيقية من عقود لاحقة ويتم نقلك مرة أخرى إلى تلك اللحظة بعينها، مثل الانتقال إلى آلة الزمن.

يمكنك أن تشعر بكل شيء كما لو كنت هناك بالفعل. العلاقة بين الموسيقى والذاكرة قوية، وتأمل أبحاث جديدة أن تكتشف كيف تعمل هذه الذكريات من أجل التأثير العلاجي. وهي تستخدم بالفعل لمساعدة مرضى الخرف، وكبار السن، ولأولئك الذين يعانون من الاكتئاب.

كانت الموسيقى أداة مهمة منذ آلاف السنين. ديفيد سي روبين متخصص في الذاكرة الذاتية والتقاليد الشفهية وفي كتابه الرائد “ذاكرة في التقاليد الشفهية”، يشرح كيف تم نقل القصص الملحمية مثل هوميروس في الإلياذة والأوديسة شفهيًا باستخدام أجهزة شعرية. قبل كتابة الروايات، تم ترديدها أو غناؤها. اعتمدت التقاليد الشفوية على الذاكرة.

الحُصين والقشرة الأمامية هما منطقتان كبيرتان في الدماغ مرتبطة بالذاكرة وتتناولان كمية كبيرة من المعلومات في كل دقيقة. استرجاعها ليس سهلا دائما. لا تأتي ببساطة عندما تطلب ذلك. تساعد الموسيقى لأنها توفر إيقاعًا وقافية وأحيانًا جناسًا يساعد على إلغاء قفل هذه المعلومات من خلال الإشارات. إنه هيكل الأغنية التي تساعدنا على تذكرها، بالإضافة إلى اللحن والصور التي تثيرها الكلمات.

هذه التقنية لا تزال مهمة اليوم. قام علماء الأعصاب بتحليل آليات الدماغ المتعلقة بالذاكرة، حيث وجدوا أن الكلمات التي تم ضبطها على الموسيقى هي أسهل ما يمكن تذكره. ما عليك سوى التفكير في واحدة من أولى الأغاني التي يمكنك غنائها: “A، B، C، D، E، F، G، تعال وغني معي”. يتذكر النص الذي يتم تعلمه إلى الموسيقى بشكل أفضل عند سماعه أغنية بدلًا من الكلام. حاول وتذكر أي شيء تم ضبطه على لحن وستكون استعادتها أقوى: “لقد غنيت الآن ABC.”

يحاول العلماء فهم سبب قدرة الموسيقيين على الاحتفاظ بالذاكرة الموسيقية حتى لو فقدوا الذاكرة بشكلٍ عام، ويرون أن السبب قد يكون في أن الذاكرة الموسيقية تخزن في جزء خاص ومنفصل في الدماغ.

حين أصيب المايسترو البريطاني كلايف ويرنغ بعدوى في الدماغ تركته عاجزا عن تذكر اي شيء يتجاوز عمره الثواني العشر، وشخصت حالته بأنها من أقوى حالات فقدان الذاكرة، بقيت معظم ذاكرته الموسيقية على حالها.

والآن، في الثلاثة والسبعين، ما زال المايسترو قادرا على قراءة النوتات الموسيقية وعزف البيانو بل انه استطاع أن يقود جوقته الغنائية السابقة.

ويعتقد الباحثون أنهم الآن قريبون من فهم كيفية الاحتفاظ بالذاكرة الموسيقية حتى بعد فقدان الذاكرة.

العلاج بالموسيقى

ويفكر د.كارستي فيونكه من مستشفى جامعة شاريتيه في برلين بإمكانية استخدام الظاهرة السابقة لعلاج تدريجي ولو محدود لفقدان الذاكرة بربط نشاطات معينة، كتناول العلاج مثلا، بنشاط موسيقي.

وكذلك يمكن تحسين نوعية حياة المرضى من الموسيقيين بتشجيعهم على الاستمرار في عزف الموسيقى.

ويمكن استخدام الأسلوب المذكور لعلاج الموسيقيين وغير الموسيقيين، لأنهم يمتلكون نفس أنظمة الذاكرة.

وتقول د كلير رامسديل من مؤسسة تأهيل الإصابات العصبية التي تقوم بدراسة الظاهرة منذ ثلاث سنوات ان الذاكرة الموسيقية قد لا تكون مشابهة لأنماط الذاكرة الأخرى، لأنها ليست مبنية على المعرفة فقط، بل على الفعل أيضا.

وتقول رامسديل ان جوانب مختلفة من العزف الموسيقي مرتبطة بأجزاء مختلفة من الدماغ وإنه ربما واجه أشخاص فقدوا الذاكرة صعوبة في عزف مقطوعة يتعلمونها للمرة الأولى، لكنهم لا يواجهون صعوبة كبيرة في تذكر وعزف مقطوعات تعلموها في وقت سابق على فقدان الذاكرة.

وتقول ديبورا زوجة كلايف ويرنغ في كتاب ألفته عن حالته بعنوان “اليوم للأبد” ان زوجها لا يتذكر أي شيء من ماضيه الموسيقي باستثناء مقطوعة لهانديل كان يعزفها بانتظام.

وتقول إن الموسيقى تلعب دور المرجع في ذاكرته إذ انه يتذكر نشاطاتهما الموسيقية المشتركة وكيف أن الموسيقى ربطت بينهما في علاقة حب قوية.

وتساهم الذكرة الموسيقية لويرينغ في رفع حالته المعنوية التي سرعان ما تهبط الى الحضيض فور انقطاع تأثير الموسيقى، كما تقول ديبورا في كتابها.

وفقًا للنتائج التي نشرت مؤخرًا في مجلة (Annals of New York Academy of Scienses) فقد وجد الباحثون أن الموسيقيين والأشخاص ثنائيي اللغة يستخدمون مصادر دماغية أقل عند أداء مهمة الذاكرة العاملة.

ووفقًا للدراسة، نشّط الأفراد ذوو الخلفية الموسيقية، أو ثنائيو اللغة شبكات دماغية مختلفة، وأظهروا نشاطًا دماغيًا أقل لإكمال المهمة، من أولئك الذين يتحدثون بلغةٍ واحدة أو الذين لم يكن لديهم تدريبٌ موسيقيٌ رسمي.

علّم أطفالك الموسيقى من المنزل

و يقول الخبراء أيضًا أن الدماغ عند الموسيقيين يختلف هيكليًا ووظيفيًا منه عند غير الموسيقيين ولاسيما المناطق من الدماغ التي تستخدم في عملية تعلم وعزف الموسيقى فهذه الاجزاء من الدماغ التي تتحكم بالمهارات الحركية والسمع وتخزين الذاكرة تصبح أكبر حجمًا وأكثر نشاطًا عندما يتعلم الشخص كيفية العزف على آلة موسيقية، ويمكن أن يبدي يومًا بعد يوم تحسنًا في بعض التصرفات كأن يكون منظمًا وفي حالة تأهب ونشاط وأيضًا تحسن في الادراك الانفعالي.

يقول لوتز جانكي الطبيب النفسي في جامعة زيورخ: «إن تعلم الموسيقى له فوائد واضحة ويمكن أن يزيد من ذكاء الإنسان بمعدل سبع نقاط عند كل من الأطفال والبالغين « ويقول أيضًا « إننا وجدنا تغيرات قوية في الدماغ حتى عند الأشخاص الذين هم فوق سن 65 بعد اربعة او خمسة شهور من العزف على آلة موسيقية بمعدل ساعة في الأسبوع.

اذ ان اجزاء الدماغ التي تتحكم بالسمع والذاكرة والجزء الذي يتحكم بحركة اليدين بين امور اخرى جميعهم يصبحوا اكثر نشاطا. وبالنسبة للأطفال بشكلٍ خاص فإننا وجدنا أن تعلم العزف على آلة البيانو على سبيل المثال يعلمهم أن يكونوا أكثر انضباطًا وأكثر انتباهًا ويزيد من قدرتهم على التخطيط.

إن كل هذه الأمور لها دورمهم في الأداء الأكاديمي ولذلك يمكن ان تجعل الطفل اكثر اشراقا، وبالطبع الموسيقى ليست هي الحل الوحيد لتحقيق كل ذلك لكنني اعتقد انها يجب ان تستخدم بالإضافة لأمور اخرى. يقول جانكي ايضا: « ان الموسيقى قد تساعد في تسهيل تعلم لغات اخرى وتزيد من القدرة على ادراك وتصور مشاعر الاخرين، وأضاف: انك عندما تعزف على الة موسيقية فإن عليك أن تتعلم اللحن والدرجات، وتصبح قدرتك على تخزين المعلومات الصوتية أفضل، ولذلك فإن هذا الأمر ليس فقط يجعل من السهل التقاط لغات اخرى او يمنحك ذاكرة لفظية افضل في لغتك، فقد وجدنا ان الموسيقيين لهم ايضا قدرة على التقاط ما يشعر به الآخرون من خلال لحن اصواتهم مثل التعاطف وخيبة الأمل وغير ذلك.

إعداد: جمال علي

المصادر: 1