فيرناندو بيسوا .. شاعر البرتغال وناثرها الأعظم والكائن المجهول من لدُن ذاته

لن تصل إلى قاع فرناندو بيسوا، هناك الكثير منه..!

“بعد البحث عنه في القصائد، نبحث عنه في النثر”، هذا ما قاله الباحث والمترجم إدوين هونيغ. ومع ذلك لم نجده في أي مكان..! لقد أفسح المجال بشكل عملي لغياب اسمه الحقيقي عن مؤلفاته، وابتدع أسماء وشخصيات وهمية نُسبت أعماله إلى أصحابها. أشار سيريل كونولي الناقد الأدبي إلى أن بيسوا ” لديه شخصيات منفصلة مثل أسراب النحل”.

تَظاهر بلا هوادة، مستخدمًا أكثر من ثمانين شخصية في سيرك البحث الذاتي. هم كانوا مثل تمديدات وتكرار لنفسه.

“أنا هوامش مدينة ليس لها وجود، أنا التعليق المسهب على كتاب لم يكتب، لست بأحد, أنا لا أحد. لا أعرف كيف أحس، لا أعرف كيف أفكر، لا أعرف أن أرغب، أن أريد. أنا نموذج في رواية ينبغي أن تكتب، يمر مرور الأثير، ويتوارى، بدون أن يكون قد وجد”.

بالنسبة لبعض الكُتاب والمؤلفين، فإن مهمة الكتابة هي الغوص عميقًا في الذات. غاص بيسوا في الاتجاه المعاكس، مستخدمًا المؤلفين الخياليين الذين راح يكتب وينشر بأسمائهم، بوصفهم أناسًا حقيقيين كوسيلة للهروب. وادعى أنه ضمن شعبه الصغير، لم يكون هو الحقيقي وكان الاقل واقعية وكان الآخرون كواكب تحوم حوله. في سياق التحليل النفسي، يُنظر إلى هوية الانقسام على أنها مرض يحتاج إلى الشفاء. لكن في عقل (بيسوا)، لم يكن هناك شيء يزعجها.

يقول :”لقد قسمت كل ما عندي من البشر إلى مختلف المؤلفين الذين عملت معهم كمنفذ أدبي ،أنا أعمل كوسيلة من وسائل نفسي، لكني أقل واقعية من الآخرين، وأقل جوهرية، وأقل شخصية، وأتأثر بهم جميعهم بسهولة .أحيانًا أخرى ألتقي بمقاطع لا أذكر أنني كاتبها – وهو ما يثير القليل من العجب – بل إنني لا أتذكر حتى إمكانية أن أكون أنا كاتبها، وهو ما يرعبني. ثمة عبارات معينة تنتمي إلى ذهنية أخرى.

كما لو أنني عثرت على صورة فوتوغرافية قديمة، هي صورتي بلا ريب، بقامة مختلفة، بملامح نكرة، لكنها ملامحي. إنها أنا .. يا للهول! ”

على الرغم من أن الحقائق الأساسية في حياته معروفة الآن، إلا أن إنشاء “سيرة ذاتية” عن بيسوا مهمة مجنونة بالفعل. كتب سكوت فيتزجيرالد في مذكراته: “لم تكن هناك أبدًا سيرة ذاتية جيدة للروائي الجيد”.

لكن هنالك بعض الأشياء التي من الممكن أن تقال عنه بالتأكيد. فرناندو أنطونيو نوجييرا بيسوا (1888-1935)، شاعر البرتغال وناثرها الأعظم ولد في 13 يونيو 1888 ، في لشبونة/ البرتغال، وأمضى السنوات السبع الأولى له هناك. لقبه بيسوا يعني “شخص” باللغة البرتغالية. يوصف بأنه واحد من أهم الشخصيات الأدبية في القرن العشرين. كان في الخامسة عندما توفي والده، الناقد الموسيقي جواكيم دي سيبرا بيسوا، بسبب مرض السل. بعد ستة أشهر، توفي شقيقه. عانت جدته من نوبات الجنون وكانت داخل وخارج مستشفيات الأمراض العقلية خلال الاثنتي عشرة سنة الأخيرة من حياتها. بعد وفاة والده، تزوجت والدته ماريا مادالينا نوغيرا بيسوا من جديد، وانتقلت العائلة إلى جنوب أفريقيا، حيث كان زوج والدة الطفل، جواو ميغيل روزا، بمثابة القنصل البرتغالي لديربان ، وهي مدينة يحكمها البريطانيون. وفي ذلك الوقت، كان باستطاعة بيسوا القراءة والكتابة مُبكرًا. لقد أنتج أول قصيدة له في صيف عام 1895 عندما كان عمره سبع سنوات. يمكن القول بأن بيسوّا كان قارئاً نهمًا في شبابه ومن بين قراءاته المهمة «المنطق» لأرسطو طاليس، «تاريخ الفلسفة» لهيغل، و«نقد العقل الخالص» لإيمانويل كانت، «رحلات شيلد هارولد» لبايرون، «عشية القديسة أغنيس» لكيتس، «الطائش» لموليير، «الوثيقة المختلسة» لإدغار ألن بو وسواها من الكتب الأدبية والفلسفية والثيوصوفية لاحقًا.

كان الكاتب فرناندو بيسوا، الذي توفي قبل أكثر من 75 عامًا، غير مدرك للأثر الذي سيحدثه في البرتغال في وقت لاحق. لا يزال بيسوا يُقرأ من قبل طلاب الأدب الجدد والقراء الأقدم الذين يعيدون اكتشاف أعماله باستمرار. تم تخليده في شكل تمثال خارج مقهى Brasileira الجميل في لشبونة، وتحظى عروضه ومعارضه وأفلامه بتكريم متواصل.

كان غير معروف نسبيًا حين كان على قيد الحياة، وكشف عن نفسه على أنه أكثر الكتاب تنوعًا بعد وفاته المفاجئة. في مجموعة من أكثر من 25000 صفحة من المخطوطات التي اكتشفت بعد وفاته كانت كتابات من قبل ما يقارب 80 شخصية ، التي تم إنشاؤها في حياة بيسوا. كانت هذه الأناشيد الأدبية المتناقضة تحمل وجهات نظر مختلفة حول المواضيع الكبيرة كالحياة، الموت، الملل والصراع بين التفكير العقلاني والعواطف البشرية.

“عندما جاء الجيل الذي أنتمي إليه إلى الوجود لم يجد أي سند عقلي أو روحي ذلك أن العمل الهدام الذي قامت به الأجيال السابقة لنا جعل العالم الذي ولدنا فيه مفتقراً إلى الأمان الديني، وإلى الدعم الأخلاقي، وإلى الاستقرار السياسي، لقد ولدنا إذاً في أوج القلق الميتافيزيقي، في أوج القلق الروحي، وفي أوج اللاطمأنينة السياسية.”

كان هؤلاء الأشخاص كُتابًا مستقلين عنه، يكتب عبرهم أو يكتبون عبره، لكل منهم رؤيته الخاصة للعالم، وأسلوبه الأدبي، وجمالياته، وأحيانًا آراؤه السياسية والاجتماعية. وكي يؤكد بيسوا على هذا الاستقلال، أطلق عليهم وصف الأنداد.

أُعطيت كل شخصية سيرة ووصف مادي، وكانت الشخصيات الرئيسية مترابطة. ولعل أبرز هؤلاء الشخصيات هم (ألبرتو كاييرو)، (ريكاردو رييس)، (ألفارو دي كامبوس)، حيث كتب كل منهم بالبرتغالية وغدوا من أشهر شعراء البرتغال في القرن العشرين. وهناك كل من (ألكسندر سيرش) و(تشارلز روبرت أنون) اللذين كتبا بالإنجليزية، بالإضافة إلى (جان سول) الوحيد الذي كتب بالفرنسية. وهناك أيضاً العديد من الذوات أو الأبدال الآخرين الذين يصل عددهم إلى 80 شخص تقريبًا والذين قاموا إما بالترجمة أو بالنقد أو غير ذلك. وكتبوا مع أساليبهم ومعتقداتهم الخاصة، متناقضين مع بعضهم البعض ، وشكلوا معاً نوعًا من البيان عن اختلافات الذات الداخلية من خلال فعل الكتابة.

أنا الخشبة الحية التي يمر فوقها عدة ممثلين يلعبون مسرحيات كثيرة.

وهذا يضعنا أمام سؤال هل أراد بيسوا من خلال الإقامة في عدة أسماء أن يعيش أكثر من حياة؟ ربما تقدمُ الحياة الباطنية وتأملات بيسوا الفلسفية تفسيراً عن الهدف وراء هذا الأسلوب الغريب «أن نحيا يعني أن نكون آخر ومن غير الممكن أنْ نحسَ إذا ما أحسسنا اليوم مثلما أحسسنا بالأمس» أن هناك تناغمًا في نصوص فرناندوا بيسوا بغض النظر عن القوالب والصور التي إتخذتها، فهو يشير في مقطع من كتاب (يوميات) إلى مسعاه بأن يكون مُتفرجًا في الحياة بدون أن يتورط فيها. تكشف اليوميات عن التناقضات الحادة التي تنطوي عليها شخصية بيسوّا المعقدة، فهو ميّال للعزلة، ويجد ضالته في القراءة والتأمل. وكان يتساءل :«لماذا نصفي معارض لنصفي الآخر؟ ونصرُ أحدهما هو هزيمة للآخر».

في تناقضاته بين البغض الذاتي وتمجيد الذات، يمكن أن يبدو “كتاب اللاطمأنينة” وكأنه ملحمة هوسية اكتئابية. إن إنجاز بيسوا المتعمد أو غير المتعمد، هو إظهار الكيفية التي تكمن بها جذور نوع معين من البؤس في الأنانية – الاعتقاد بأن لا شيء خارج الذات مهم حقًا، حتى لا يتأثر العقل أبدًا بما يعانيه. “الحرية هي إمكانية العزلة” ، يكتب هذا في المدخل النهائي.

“إذا لم تستطع العيش بمفردك، فإنك إذًا ولدت عبدًا”. ولكن حتى بيسوا، في النهاية ، لم يكن بإمكانه العيش بمفرده. اخترع له مجموعة من الأشخاص الذين على خلاف الأشخاص الفعليين، سيبقون تحت سيطرته دائمًا. فقط الموت يمكن أن يحررهم منه ومن قبضة خيالاته القوية.
نظر بيسوا إلى نفسه في المرآة ورأى الجميع في نفس الوقت. في عالم بيسوا الجميع متساوون، ولكنهم مختلفون أيضًا وهذا ما يجعله بطل الأدب الحديث، حتى بعد مرور 75 عامًا.

لو أرادوا كتابة سيرتي بعد موتى فليس ثمة ما هو أسهل: يوجد يومان – يوم ميلادي ويوم وفاتي – كل ما بينهما من أيام لا يخص أحدًا سواي.

إعداد: فرح علي

المصادر: 12