تاريخ فلسفة الحرب والأخلاق المرافقة له

بعد ثلاث سنوات فقط، في 1651، نشر الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز مؤلفة الليفاثان (التنين) Leviathan. لفترة من الزمن، شرح عن كيفية تولد الحرب والأخلاق ككل.

الفرضية الأساسية لليفاثان هي أنه من أجل البقاء ومن أجل التعاضد يتخلى أعضاء المجتمع عن بعض الحريات للسيد، الذي يصبح مسؤولاً عن تطبيق القوانين وحماية الملكية الخاصة. إن الأفكار المبنية عليها الأخلاق والقوانين في هذه الحالة تعكس المصالح الاجتماعية، خاصة في تحديد قوة ونطاق سلطة الملك تجاه رعاياه. لم يعالج هوبز في رؤيته الله والقانون الطبيعي. على الرغم من كونه لم ينكر وجوده، إلا أنه يعتقد بأن القانون الطبيعي ليس هو ما أبقى الناس في المقدمة. يقول في كتابه:

“تشكل قوانين الطبيعة (العدالة والإنصاف والتواضع والرحمة وبالمجمل، معاملة الآخرين المعاملة نفسها التي نرتقبها منهم، نقيضاً للأهوائنا الطبيعية التي تحملنا على التحيز والغرور والانتقام إلخ.. وهذه القوانين هي موضع احترام كونها تثير الذعر. وهذا وإن الاتفاقيات البعيدة عن السيوف ليست سوى كلمات خالية من أي قوة تؤمن الحماية لأي كان.” (الجزء الثاني، الفصل 17).

يمكن القول إن هذا لا ينطبق فقط على الاتفاقيات بين المواطنين العاديين، بل ينطبق أيضًا على النظام الدولي للدول. حيث أن “الخوف من السيف” يحافظ على توازن القوى – ما يمنع الدول من الذهاب إلى الحرب هو الخوف من العواقب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. على العكس، بمنطق هوبز، إذا قررت دولة ذات سيادة أن الدخول في حرب ضد أخرى هو لصالحها فإن الحرب مبررة لتلك الدولة.

قد يشير المتشائمون بيننا إلى أن هذا هو الحال دائمًا. خلال فترة حرب الثلاثين عاماً على سبيل المثال، كان هناك الكثير من المصلحة الشخصية السياسية في شن الحروب على الرغم من التبرير الديني السطحي. علاوة عن ذلك جعل هوبز جانب “المصلحة الشخصية” أكثر وضوحًا، وقدم وجهة نظر بديلة لرؤى جروتيس حول “مجتمع دولي” مشكل طبيعياً. من غير المفاجئ إذن أنه بينما يعتبر غروتيوس أبّ القانون الدولي، فيعتبر هوبز أبّ المدرسة الفكرية “الواقعية” في العلاقات الدولية.

القانون الطبيعي الذي يشير إليه هوبز في الاقتباس أعلاه وهو “معاملة الآخرين كما نريد أن يعاملونا” له أهمية خاصة. بالنسبة إلى المجتمع الدولي الواسع، يصف غروتيوس ماهية التعاضد من هذا المبدأ، المعروف باسم “المعاملة بالمثل” في المجال القانوني الدولي. التقليد العريق باحترام سفراء وممثلي دولة أخرى حتى لو كانت قوة معادية هو تراث منه.

من ناحية أخرى، ترى وجهة نظر هوبز أن الخوف من السيف وتوازن القوى كقوة دافعة للسلوك السياسي هو أمر حقيقي. وبالنظر إلى الطبيعة الرقيقة لهذا التوازن، وإلى أن مصالح الدولة تخضع للتفسير من قبل حكامها، فإن الحروب هي ظاهرة لا مفر منها.

ولادة الصليب الأحمر

بغض النظر عن شرعية أي حرب (jus ad bellum) هناك مسألة منفصلة للسلوك المشروع في الحرب (jus in bello) ان هذا السؤال الأخير طرحه رجل أعمال سويسري يدعى هنري دونان Henry Dunant بعد أن شاهد مباشرة أهوال الحرب في معركة سولفرينو عام 1859.

شنت معركة سولفرينو بين الإمبراطورية النمساوية وقوات فرانكو-بييمونتي في شمال إيطاليا. وقد وصفت بأنها معركة امتلئت بـ “قصر النظر الكارثي والارتجال والإهمال”. أدى ذلك إلى مقتل 6000 شخص وجرح ما يقرب من 40.000 بعد أن اشتبك الجيشان وسط وابل من المدافع.

وقد سحقت الخدمات الطبية على كلا الجانبين، وتم إهمال فيلق الإمدادات في حين تم الاستيلاء على وسائل نقل الخدمات الطبية لنقل الذخيرة. على الرغم من أن القتال استمر 15 ساعة، فقد استغرق الأمر ستة أيام لإزالة عشرة آلاف جريح حُمل معظمهم بعربات الفلاحين إلى القرى المجاورة على أمل الحصول على القليل من الطعام والماء.

وصل هنري دونان إلى قرية كاستيغليون المجاورة في الرابع والعشرين من حزيران عام 1859، وكان في الأصل يأمل في لقاء مع نابليون الثالث. التقى بدلاً من ذلك بفيض من المعاناة اللامحدودة ؛ وهكذا أخذ على عاتقه تعبئة المتطوعين – ومعظمهم من النساء والفتيات المحليات – لتوفير الرعاية التي باستطاعتهم تقديمها.

وقد أرسل سائقه لشراء حاجات الإمدادات من بريشيا، مثل القماش والمواد اللازمة للضمادات. كما شجع المتطوعين على إظهار نفس المستوى من التعاطف والاهتمام بالجرحى النمساويبن الأعداء، ورتبوا للإفراج عن الأطباء النمساويين حتى يتمكنوا من الاهتمام بالجرحى. ما شاهده في الأسبوعين التاليين نشر في حسابه، “ذاكرة سولفرينو”. وأدى هذا الحساب والعمل اللاحق من دونانت إلى تشكيل اللجنة الدولية للصليب الأحمر في عام 1863.

من الناحية الفلسفية، يتساءل كتاب دونان عن كيف يمكن لدولة ما أن تكون مهملة للغاية تجاه جنودها لمجرد أنهم “بلا فائدة”، ويدافع عن أهمية المبادئ عند خوض الحروب. كما يشدد على فكرة منع المعاناة التي لا داعي لها. بالنسبة إلى هنري دونان، المحارب هو عميل للدولة، وقد حقق واجباً مفوضاً إليه من قبل تلك الدولة، وعندما أصيب ذلك المحارب إلى درجة أنه لم يعد قادراً على الوفاء بهذا الواجب، فإنه لا يعود مثل هؤلاء الوكلاء. ولا يوجد داع لقتلهم أو تشويههم أو تعذيبهم. في حين أنه لا يمكن تجنب الحرب، يمكن ولابد للمعاناة أن تكون مقيدة.

إن طريقة التفكير هذه أنشأت مبدأ التمييز، حيث يجب تمييز الأهداف العسكرية عن الأهداف غير المستهدفة. كانت هذه القاعدة موجودة بالفعل في التقاليد المسيحية والإسلامية، مثل حركة سلام الله في القرن العاشر في فرنسا، وإعلان سانت بطرسبورغ، وأحكام السنة النبوية الشريفة الإسلامية بشكل عام(راجع H. Shue, ‘Laws of War’ in The Philosophy of International Law, S. Besson & J. Tasioulas (eds), 2010). إلا أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر جددت وأعلنت التمييز بين العسكريين وغير العسكريين في سياق أكثر حداثة وعالمية. ترى اللجنة الدولية للصليب الأحمر الآن أنها مبدأ أساسي.

تنظر فلسفة الحرب هذه إلى الدولة على أنها كيان غير ملموس يتألف من عملاء يحققون مصالحهم على كل المستويات، من الجنود إلى الموظفين المدنيين وصانعي القوانين. وبالنظر إلى أن مفهوم الدولة كان مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بفلسفات الحرب (سواء مشروع أم غير مشروع)، فإن النصف الثاني من القرن العشرين سيخلق تحديات جديدة.

القرن العشرين وما بعده: تحديات جديدة

وكما غيرت حرب الثلاثين عاما النظام الأوروبي، فإن الحرب العالمية الثانية غيرت النظام العالمي. إن فكرة “غروتيوس” حول مجتمع دولي واسع بدأت تؤتي ثمارها بالفعل مع تأسيس الأمم المتحدة في عام 1945. ومثلما تفعل المجتمعات دائمًا، سعى المجتمع الدولي إلى تحريم بعض السلوكيات. أصبحت حروب العدوان والتوسع غير مقبولة. رسميا، أصبحت الحرب جائزة في ظرفين فقط: الدفاع عن النفس، أو بقرار ملزم من مجلس الأمن.

إن الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة برمته، وخاصة المادة 51، يجعل هذه النقطة واضحة للغاية. لكن ما يسمى المجتمع الدولي وجد ثغرات. و قدم العالم الجديد من إنهاء الاستعمار، والحريات الوطنية، ومعاهدات حقوق الإنسان، وحق تقرير المصير السيادي للدولة نوعًا جديدًا من الكيانات في المجال الدولي – “الجهات الإقليمية غير الحكومية. كانت هذه منظمات تشبه الدول عن كثب، لكنها لم تكن دولاً. إنها أواني مثالية للدول للمشاركة في الحرب بالوكالة، حيث لا يقوم أي من الطرفين بالالتحام مع الآخر بشكل مباشر. وأصبح الجدل الآن للتدخل الإنساني بحاجة التكتيك الجديد.

لفترة طويلة، كان مفهوم الحرب متشبثًا بشكل وثيق بمفهوم الدولة، لكن لم يعد أكثر أهمية عندما أصبحت الجهات الإقليمية غير الحكومية جزءًا مهمًا من عالم الحرب. دخلت مصطلحات مثل “الإرهاب” و “المناضل من أجل الحرية” مفردات الجميع. ولا تكتمل مناقشة الحرب بدون ذكر “الحرب على الإرهاب”. إن التحدي المتمثل في تطوير فلسفة جديدة حيث لا يشمل المقاتلون موظف الدولة فحسب، بل يشمل أيضا الإرهابيين أو المقاتلين من أجل الحرية.

وقد أطلق الباحث القانوني الدولي الراحل أنطونيو كاسيزي Antonio Cassese على ذلك اسم “مشكلة مقاتلي الحرية” (International Criminal Law, 2013, 3rd ed., especially Ch. 8 on terrorism). هل يختلف الإرهابيون أو “المقاتلون من غير الدول الأعضاء” عن جنود الجيش التقليدي؟ لو كان كذلك، كيف و لماذا؟ هل نقيد حقوق الإنسان في مواجهة مثل هذا العدو، من أجل الأمن القومي؟ أم هل سيكون لتخفيض حقوق الإنسان تأثير متفاقم؟ هذه هي المناقشات التي نواجهها اليوم. استكشف كاسيسي نفسه كيف تستخدم كلمة “الإرهاب” أحيانًا بطريقة استغلالية تعكس فقط مصالح الدولة. هذا لا يعني أن الإرهاب ليس تهديدًا حقيقيًا أو ظاهرة حقيقية.

الصراع في سوريا هو رمز لعالم جديد من الحرب. لقد اختُبرت حقا أخلاقيات المقاتلين والمراقبين والمعلقين السياسيين. الاتهامات بانتهاكات حقوق الإنسان، تجنيد الأطفال، والحرب بالوكالة تطير حول اليسار واليمين. من ناحية، هناك طغيان مستبد لا يرحم ؛ على الجانب الآخر المتمردين ممن لديهم معتقدات ورعاة مشكوك فيهم للغاية. يقف الطغيان بوجه الإمبريالية العالمية والحرب بالوكالة من “الغرب المنافق”. لكن المتمردين يقفون ضد “الطغيان” و “الاستبداد”.

الخاتمة

ينقسم فلاسفة الحرب وقواعد الحرب في النهاية إلى مدرستين فكريتين. أحدهما يمثله المتفائل البراغماتي غروتيوس، الذي يؤمن بمجتمع عالمي واسع ومعاملة بالمثل ؛ الآخر من قبل هوبز الواقعي الأكثر تشاؤماً، الذي يعتقد أن البراغماتية من المصلحة الذاتية تؤدي إلى الخوف من السيف وتوازن القوة. إن التبريرات التي يقبلها الشخص لخوض الحرب – ولأفعال معينة في إطار الحرب – تعتمد على قناعاته وتصرفاته الأخرى.

على الرغم من أنه، على أقل تقدير، لا يلاحظ كل جندي أو سياسي في التاريخ قوانين الحرب، يمكننا أن ندرك أن هذه القوانين قد تشكلت بمرور الوقت إما لمصلحة الدول أو لأن هناك بالفعل مجتمع دولي لديه نوع من الضمير. هذه القوانين والاتفاقيات كما هي موجودة في وثائق مثل اتفاقية جنيف هي بالتالي إرث قانوني للعالم. مع الأمل بأن نكون قادرين على مواجهة التحدي الفلسفي لمفاهيم جديدة للحرب دون انتهاك قدسية هذا التراث.

ترجمة: فيليب العايق

المصادر: 1

المزيد