اكتشف الفيزيائيون للتو نوعًا جديدًا تمامًا من الموصلية الفائقة

“لم يعتقد أحد أن هذا ممكن بالنسبة للمواد الصلبة.”

أحد الأهداف النهائية للفيزياء الحديثة هو إطلاق العنان لقوة الموصلية الفائقة، حيث تتدفق الكهرباء بدون مقاومة عند درجة حرارة الغرفة.

لقد كان التقدم بطيئًا، لكن الفيزيائيون قاموا للتو بإجراء اختراق غير متوقع. لقد اكتشفوا موصلًا فائقًا يعمل بطريقة لم يرها أحد من قبل ـ ويفتح الباب أمام عالَم كامل من الاحتمالات التي لم يتم النظر فيها حتى الآن.

بمعنى آخر، لقد حددوا نوعًا جديدًا من الموصلية الفائقة.

لماذا يعتبر هذا مهمًا؟ حسنًا، عندما تتدفق الكهرباء عادة من خلال مادة ـ على سبيل المثال، فإن الطريقة التي تنتقل بها عبر الأسلاك في الجدار عندما يضيء الضوء ـ هي سريعة، ولكنها بشكل مفاجئ غير فعالة.

تحمل الإلكترونات الكهرباء من خلال اصطدامها بذرات المادة طوال الطريق، وبذلك بانها تفقد بعض طاقتها في كل مرة تحدث فيها إحدى هذه التصادمات. وهذا ما يعرف بأسم المقاومة، وهي السبب الذي يجعل شبكات الكهرباء تفقد ما يصل إلى 7٪ من طاقتها الكهربائية.

ولكن عندما يتم تبريد بعض المواد إلى درجات حرارة منخفضة جدًا، يحدث شيء آخر ـ تتصل الإلكترونات ببعضها على شكل أزواج، وتبدأ بالتدفق المنظم دون مقاومة.هذا هو المعروف بأسم الموصلية الفائقة، بحيث لديها إمكانات لا تصدق لكي تُحدث ثورة في عالمنا، مما سيجعل أجهزتنا الإلكترونية أكثر كفاءة بشكل لا يمكن تصوره.

الخبر السار هو أننا وجدنا هذه الظاهرة في العديد من المواد حتى الآن. في الواقع، يتم بالفعل استخدام الموصلية الفائقة لإنشاء حقول مغناطيسية قوية في آلات التصوير بالرنين المغناطيسي MRI وقطارات maglev.

أما الأخبار السيئة فهي أنها تتطلب حاليًا معدات باهظة الثمن وكبيرة الحجم للحفاظ على برودة كافية للموصلات الفائقة من أجل تحقيق هذه الظاهرة ـ لذا فإنها تظل غير عملية للاستخدام على نطاق أوسع.

لاحظ الباحثون الآن، بقيادة جامعة ميريلاندMaryland، نوعًا جديدًا من الموصلية الفائقة عند اختبار مادة غريبة في درجات حرارة فائقة البرودة. لا يوجد هذا النوع من الموصلية الفائقة في المادة الغريبة فحسب، بل يبدو أن الظاهرة تعتمد فعليًا على تفاعلات الإلكترون التي تختلف اختلافًا كبيرًا عن الأزواج التي رأيناها حتى الآن. وهذا يعني أننا لا نملك أي فكرة عن نوع الإمكانات التي قد تمتلكها.

لفهم الفرق، عليك أن تعرف أن الطريقة التي تتفاعل بها الإلكترونات تمليها خاصية كمومية تدعى (اللف المغزلي).

في الموصلات الفائقة العادية، تحمل الإلكترونات لفا مغزليًا (أو تدويمًا) يشار إليه بـ 1/2.

لكن في هذه المادة المعينة، المعروفة باسمYPtBi, وجد الفريق أن شيئًا آخر كان يحدث ـ يبدو أن الإلكترونات لها لفٌ مغزلي3/2.

ويوضح الفيزيائي وكبير المؤلفين Johnpierre Paglione. :”لم يكن أحد يعتقد حقًا أن هذا كان ممكنًا في المواد الصلبة”.

“حالات اللف المغزلي العالية في الذرات الفردية تكون ممكنة، لكن بمجرد وضع الذرات في جسم صلب ، عادةً ما تتفكك هذه وينتهي الأمر بنصفي غزل (أي لف مغزلي).

تم اكتشاف YPtBi لأول مرة كموصل فائق منذ بضع سنوات، و كان مفاجأة في حد ذاته، لأن المادة لا تتناسب في الواقع مع أحد المعايير الرئيسية ـ كونها موصل جيد نسبيا، مع الكثير من الإلكترونات المتنقلة، في درجات الحرارة العادية.

وفقا للنظرية التقليدية، سوف يحتاج YPtBi إلى حوالي ألف مرة من الإلكترونات المتنقلة لكي يصبح فائق التوصيل في درجات حرارة أقل من 0.8 كلفن Kelvin.

لكن عندما قام الباحثون بتبريد المادة إلى أسفل، رأوا أن الموصلية الفائقة تحدث على أي حال.

لمعرفة ما يجري، نظرت الدراسة الأخيرة في الطريقة التي تفاعلت بها المادة مع المجالات المغناطيسية للحصول على ما يحدث في الداخل بالضبط. عادة عندما تخضع المادة للانتقال إلى موصل فائق، فإنها ستحاول طرد أي مجال مغنطيسي أُضيف، من سطحها ولكن لا يزال هناك مجال مغناطيسي يدخل بالقرب، قبل أن يتلاشى بسرعة. يعتمد مدى اختراقها على طبيعة الإقران الإلكتروني الذي يحدث داخلها.

استخدم الفريق لفائف النحاس لاكتشاف التغيرات في الخصائص المغناطيسية لـ YPtBi’ أثناء تغيير درجة حرارته. ما وجدوه كان غريباً ـ فعندما ارتفعت درجة حرارة المادة من الصفر المطلق، فإن الكمية التي يمكن أن يخترقها المجال المغنطيسي للمواد تزداد خطيًا بدلاً من الأسي، وهو ما يُرى عادةً مع الموصلات الفائقة.

بعد إجراء سلسلة من القياسات والحسابات، خَلُص الباحثون إلى أن أفضل تفسير لما كان يحدث هو أن الإلكترونات يجب أن تكون متخفية كجسيمات ذات لف مغزلي عال ـ وهو شيء لم يكن يعتبر إمكانية لموصل فائق من قبل. في حين أن هذا النوع الجديد من الموصلية الفائقة لا يزال يتطلب درجات حرارة منخفضة للغاية، في الوقت الحالي، فإن هذا الاكتشاف يعطي المجال بأكمله اتجاهًا جديدًا تمامًا.

يقول المؤلف الرئيسي Hyunsoo Kim: “اعتدنا أن نكون محصورين في الاقتران بجزيئات نصفية”.

“ولكن إذا بدأنا النظر في زيادة اللف المغزلي ، فإن المشهد في هذا البحث للفائق التوصيل يتوسع ويصبح أكثر حاجة للاهتمام”

هذه هي الأيام الأولى وبشكل لا يصدق، لا يزال هناك الكثير يتعين علينا معرفته حول ما يحدث هنا بالضبط.

لكن حقيقة أن لدينا نوعًا جديدًا من الموصلية الفائقة لاختباره وقياسه، إضافة اختراق جديد رائع إلى 100 عام من هذا النوع من الأبحاث، أمر مثير جدًا.

“عندما يكون لديك هذا الاقتران العالي اللف المغزلي، ما هو الصمغ الذي يحمل هذه الأزواج معًا؟” يقول Paglione.

“هناك بعض الأفكار حول ما يمكن أن يحدث ، ولكن تظل هناك أسئلة أساسية ـمما يجعل الأمر أكثر سحراً”.

تم نشر البحث في Science Advances.

ترجمة: شروق الخمسي

المصادر: 1