النسوية الفلسفية (Philosophical feminism) العقل المؤنث في تاريخ الفلسفة

هي مجموعة من المناهج في مختلف المجالات الفلسفية والتي تؤكد على دور الجنس (gender) في تشكيل القيم والمفاهيم الفلسفية التقليدية, تحليل الطرق التي من خلالها تُعكس الفلسفة التقليدية وتُديم التحيز ضد المرأة، والدفاع عن المفاهيم والنظريات الفلسفية التي تفترض المساواة للمرأة.

طبيعة ونطاق النسوية الفلسفية:

نشأت الحركة النسوية الفلسفية أثناء حركة النساء في الستينيات والسبعينيات. خلال تلك الفترة، بدأت النساء في العديد من التخصصات الأكاديمية، بما في ذلك الفلسفة، يتساءلن عن السبب في عدم وجود أي أعمال للمرأة تقريبًا في شرائع تخصصاتهن، ولماذا يوجد عدد قليل جدًا من النساء في مهنهن؟ أما بالنسبة للفلاسفة النسويات، فإن جزءًا من الجواب يكمُن في النظرة المُهينة عمومًا للمرأة التي تنتشر في الثقافة الغربية، وبالتالي تنعكس في تفكير معظم الفلاسفة الذكور بالمقارنة مع الرجال، يُنظر إلى المرأة على أنها غير عقلانية وعاطفية وغير ذكية وغير ناضجة أخلاقيًا. وفي نهاية المطاف، قادت النساء الفلاسفة إلى طرح أسئلة أكثر أهمية:

  • كيف تأثرت الفلسفة بمواقف الثقافة الأكبر تجاه المرأة؟
  • ما الذي تركتهُ الفلسفة أو أسيء فهمها بسبب تلك المواقف؟

وكانت النتائج الأكثر وضوحًا، كما لاحظت الفلاسفة النساء، هي الإغفال. حتى أواخر القرن العشرين، تم رفض المساهمات الفلسفية للمرأة عمومًا وتم تجاهل القضايا التي تهم المرأة. في تاريخ الفلسفة الغربية حتى 1970، نادرًا ما نشأت مسألة النوع الاجتماعي، وحتى حين حصل ذلك كان ذلك في سياق ترشيد وضع المرأة الاجتماعي المنخفض واستبعادها من الحياة العامة. كانت الاستثناءات من هذهِ القاعدة، مثل جمهورية أفلاطون وكتاب جون ستيوارت ميل “استعباد المرأة” ، قليلة ومتباعدة.

إن الفلاسفة النسويات سرعان ما أدركن أن المشكلة التي قمن بتحديدها لا يمكن حلها عن طريق سد بعض الثغرات – على سبيل المثال، عن طريق توظيف المزيد من النساء الفلاسفة والاعتراف بمزيد من الأعمال الفلسفية للمرأة. وبسبب التمايز الجنسي التاريخي للثقافة الغربية، ولأن الفيلسوف النموذجي كان يُنظر إليه على أنهُ عقلاني ومتجرد ومستقل، فإن الفيلسوف الأنثوي كان تناقضًا عمليًا. يمكن للمرأة أن تكون فيلسوف فقط إذا “فكرت مثل رجل”. وهكذا تم دمج التحيز الجنساني في المؤهلات للحصول على عضوية في المهنة.

كانت هناك بعض المحاولات المبكرة في تاريخ الفلسفة لمعالجة القضايا التي تهم المرأة، بما في ذلك” استعباد النساء” لجون ستيوارت ميل، الذي طالب بالاقتراع للمرأة، و” الجنس الآخر” لسيمون دي بوفوار، والتي أظهرت فيه كيف أن المفاهيم السائدة للأنوثة خدمت مصالح الذكور. ومع ذلك، لم تكن الفلسفة النسوية منذ سبعينيات القرن الماضي مثقلة بالممارسات والمواقف التي تم تطويرها أصلًا في جماعات توعية المرأة (مجموعات مكرسة لرفع مستوى الوعي بقضايا المرأة).

وتشمل المبادئ التي استخلصتها الفلسفة النسوية من تلك المصادر ما يلي:

النوع الاجتماعي مجموعة من الخصائص النفسية والتصرفات التي تُميز الشخص بأنه “ذكوري” أو “أنثوي” – وكذلك العلاقات بين الجنسين – يتم بناؤها اجتماعيًا (نتاج التنشئة الاجتماعية وفقًا للمعايير المتغيرة ثقافيًا)، وليس بيولوجيًا أو تُحدد وراثيًا.

  1. ولا يمكن تحقيق الاستقلال وتقرير المصير للمرأة إلا من خلال “التحدث بصوت واحد”، أي بالتفكير والتصرف بطرق تعكس بصورة حقيقية وجهات نظر وتجارب ومشاعر وشواغل الفرد.
  2. إن سيطرة المرأة أو إخضاعها في أي بيئة اجتماعية أو في أي مناحي الحياة مسألة سياسية وليست قضية خاصة.
  3. ولأن المعرفة تنتجها المجتمعات – أي المعرفة هي نتاج للتعاون بين مجتمع من الباحثين والتحقق من صحته – فإن المعايير المستخدمة لتقييم مطالبات المعرفة وتحديد المواضيع المشروعة لتحقيقها محددة اجتماعيًا وليست مطلقة.

النسوية الاجتماعية والفلسفة السياسية:

فحص الفلاسفة النسويات الأوائل التحيز الجنساني في المؤسسات الاجتماعية والسياسية التقليدية. وعن طريق طرح السؤال “من يستفيد؟”، فإنهم يبينون أن ممارسات الاستبعاد والتمييز على أساس نوع الجنس غير المعلنة في معظم الأحيان تحبذ مصالح الرجال. ويتعلق الكثير من تحليلهم بالعلاقات الجنسية والأسرية، التي كانت تعتبر مسائل خاصة أو شخصية لا يمكن (أو لا ينبغي) معالجتها بالوسائل السياسية.

وتجاهلت الفلسفات السياسية التقليدية الليبرالية والماركسية عمومًا القضايا الجنسية والأسرية؛ في المقابل، جعلت الفلاسفة النسويات هذهِ القضايا محور النظرية السياسية. في نهاية المطاف ظهرت ثلاث مدارس رئيسية للنظرية السياسية النسوية، كل منها يؤكد على مجموعة فرعية مميزة من القضايا: النسوية الليبرالية، والنسوية الاشتراكية، والنسوية الراديكالية.

وأشارت النسويات الليبراليات (مثل سوزان مولر أوكين) إلى الطرق العديدة التي يهزم فيها التمييز بين الجنسين طموحات المرأة، ودافعن عن الإصلاحات الرامية إلى جعل المساواة للمرأة حقيقة اجتماعية وسياسية.

وأشارت إلى أن الاختلافات في الطرق التي تثار بها الفتيات والفتيان تؤدي إلى توجيه النساء والرجال إلى أدوار اجتماعية مختلفة وغير متكافئة، فإنها تدعو إلى أشكال محايدة جنسانيًا من التعليم وتربية الأطفال.

وركزت بوجه خاص على حماية وتوسيع نطاق الحقوق التي تمكن المرأة من السعي إلى تحقيق الأهداف التي تختارها بنفسها، مثل الحقوق الإنجابية (بما في ذلك الحق في الحصول على الإجهاض قانونيًا) والحق في الحصول على فرص تعليمية واقتصادية كاملة.

في حين أن النسويات الليبراليات طبقن القيم الليبرالية الأساسية للحرية والمساواة لمعالجة اهتمامات المرأة، فإن النسويات الاشتراكيات أليسون جاغار وإيريس ماريون يانغ قاموا بتخصيص فئات ماركسية، تستند إلى هياكل العمل والاقتصاد. واوضحوا أن التقسيم الجنسي للعمل الذي يخصص معظم الأعمال المنزلية للمرأة هو استغلالية. كما اعترضوا على يوم العمل المزدوج الذي يلقي بأعبائهِ على معظم النساء اللواتي لديهن أطفال ويعملن خارج المنزل. وبالمثل، أدانوا التبعية الاقتصادية وانعدام الأمن للأمهات اللواتي يبقين في المنزل وانخفاض مرتبات العاملين في مجال رعاية الأطفال.

وأخيرًا، حولت المدرسة النسوية الراديكالية انتباه المرأة إلى الحياة الجنسية وإلى أوجه التفاوت في السلطة التي تنتشر في العلاقات بين الجنسين في الثقافات الأبوية. ووفقًا للنسويات الراديكاليين، فإن الجنس المغاير للذكور يستعبد الجسم الأنثوي ويجعل الهيمنة على المرأة مصدرًا للتحفيز الجنسي. هذه التأكيدات كانت أساس حملات كاثارين ماكينون وأندريا دوركين في الثمانينات والتسعينات ضد التحرش الجنسي والمواد الإباحية.

فلسفة الأخلاق النسوية:

تتضمن أي أخلاق نسوية التزامًا ذا مبدأين، أولهما نقد التحيز الذكوري حيثما وجد، والثاني تطوير أخلاق غير متحيزة ذكوريًا . وهذا يتضمن أحيانًا ترسيخ قيم (مثل قيم الرعاية، والثقة المناسبة، والقرابة والصداقة) مفقودة أو مهملة غالبًا ضمن التيار الرئيسي للأخلاق. وعليه، فإن الأخلاق النسوية تنتقد التحيز الذكوري حيثما وجد في الأخلاق .. وهي، مثل المجالات الأخرى للفكر النسوي، مرسخة في الالتزام بإنهاء الظلم، والتبعية، وإساءة المعاملة والاستغلال للنساء أياً كانت النتائج . في نهاية الستينيات، عندما بدأت الأخلاق النسوية، فإنها تكونت أساسًا من تطبيق مصادر الفلسفة الأخلاقية التقليدية على نظام المسائل الأخلاقية التي أعلنت بواسطة الحركات النسائية ثم الناشئة في كثير من المجتمعات الغربية . وهذه المسائل، مثــل التمييز الاقتصادي ضد النســاء، الأدوار الجنسيـــــة التقييدية (الحصرية)، العنف الأسري، الاغتصاب، الزواج غير المتكافئ ونماذج الأمومة المضحية بالذات كانوا ذوي أهمية خاصة بالنسبة للنســاء، وأهملت بشكل كبير بواسطة الأخلاق الفلسفية التقليدية. وهكذا، فقد سعت الأخلاق النسوية، منذ البداية لتحويل الاهتمام الفلسفـــي للمواضيع التي تجاهلها الفلاسفة سابقًا.

وقد ساهمت نساء كثيرات عبر القرون في اكتشاف طرق جديدة لفهم عالمنا عبر القيم الأخلاقية المختلفة مثل إيزارا وفيلسوفة الأخلاق جوليا فيلتن فافري وحنة أرندت.

المراجع:
Hannah Arendt: The Human condition
Hannah Arendt: On Violence

إعداد: فرح علي

المصادر: 1