إمكانية اثبات فشل قوانين آينشتاين بقياس صدى الثقوب السوداء

يحلم جميع الفيزيائيين النظريين أن يَكون بإستطاعتهم التوصل إلى معادلات يتمكنون من خلالها شرح قياسات عملية للطبيعة بدقة متناهية. ولكن القليل من هؤلاء الفيزيائيين من يكون محظوظًا ما يكفي ليشهد اثبات نظرياته عمليًا.

فمثلا توفي العالم البرت أنشتاين سنة 1955، أي قبل 60 سنة من تاريخ اثبات العلماء للموجات الثَقالية(gravitational waves) عبر الزمكان (space-time). تلك الموجات التي تحمل طاقة عبر مليارات السنين الضوئية يمكن قياسها هذه الأيام باستخدام مقياس تداخل الليزر (Laser Interferometer) كمقياس مرصد LIGO في لويزيانا، الولايات المتحدة.

منذ أول اكتشاف للموجات الثَقالية في شهر سبتمبر سنة 2015، تمكن فريق مرصدLIGO من رصد خمس موجات أخرى. ولكن تعتبر طريقة رصد الكون باستخدام تداخل الليزر هذه حديثة العهد، حيث لم يعتاد العلماء على استخدامها لرصد احداث فلكية من قبل. لكن بالرغم من صعوبة القيام بمثل هذا النوع من المقاييس، تمكن فريق LIGO باستخدام هذه القياسات لتحديد مواقع الثقوب السوداء ودراسة تراكيبها وكتلتها.

كما تمكنوا من استخدامها لدراسة توسع الكون المستمر واجراء قياسات أخرى دقيقة لاختبار نظرية أنشتاين النسبية العامة. لذلك يأمل الكثير من الفيزيائيين بتطوير طريقة القياس هذه وطرق تحليل البيانات المكتسبة منها لفهم الكون بوضوحٍ أكثر.

من المعروف أن الضوء لايمكنه النفاذ من الثقوب السوداء، لذلك تُرصد الثقوب السوداء على شَكِل كرة مظلمة. تَتَواجَد فيزيائيًا كتلة الثقب الأسود في مركز الكرة ويُسمى مُحيط الدائرة بأُفق الحدث (event horizon). وبالرغم من الشرح الدقيق الذي توفره نظرية أنشتاين النسبية العامة للموجات الثَقالية، يجمع كل الفيزيائيين على أن النظرية تفشل في شَرح الكون في مراكز الثقوب السوداء.

أما المنطقة المظلمة بين مركز الثقب وأُفقه فينقسم العلماء في شرحها إلى قسمين. فيعتبر قسم من الفيزيائيين ان المنطقة أغلبها تتكون من فراغ ذو جاذبية عالية جدًا يبتلع الضوء وأي جسم يمر من خلاله. ولكن هذا الشرح للثقب الأسود يناقض ما تقترحه نظرية الكم. أما القسم الآخر فيعتبر أن هناك جدار حماية (firewall) يفصل المنطقة المظلمة عن المنطقة المضيئة.

يكون الجدار على شكل سطح كُروي مُكَون من جسيمات ذو طاقة عالية تحرق أي مادة تخترقها، وهذا يُنافي ما تَقترِحه نظرية أنشتاين النسبية العامة ولكن تَدعَمه نظرية الكم. طُرحت فكرة الجدار مُسبَقًا من قبل فريقين من الفيزيائيين، أحدهما بقيادة العالِم كاردوسو والاخر بقيادة العالِم افشوردي.

شكل يوضح الفريق بين النظريتين, النظرية الاولى (يسار الشكل) تتعارض مع نظرية ميكانيكا الكم. ونظرية الجدار التي تتعارض مع نظرية أنشتاين النسبية العامة (يمين الشكل).

إذا ثبت صحة الراي الثاني بوجود جدار كروي يحيط بالثقب الأسود فمن المتوقع أن الجدار يُمكِنُه عكس الموجات الثَقالية. فمثلًا في حالة حدوث اصطدام بين ثقبين اسودين أ و ب، يأمل العلماء برصد موجات ثَقالية ناتجة من الثقب أ و ب ثم بعد فترة وجيزة رصد صدى لموجات اضعف ناتجة عن اصطدام موجات الثقبين أ و ب بالثقبين ب و أ على التوالي. لذلك يحاول فريق LIGO من التمكن من رصد هذه الموجات المعكوسة لاثبات نظرية جدار الحماية.

من المعروف أن اصطدام ثقبين اسودين يسبقها دوران الثقبين حول بعضهما بسرعة تتزايد مع الزمن ثم اندماجهما في النهاية ليُنتِجا ثقبًا أسود أكبر في نقطة الاصطدام (شاهد فديو التوضيح من رابط المصدر الثاني). تمكن فريقي افشوردي وكاردوسو من اختراع نموذج حسابي للجدار ليثبتا من خلاله أن بعض الموجات الثَقالية الناتجة من نقطة الأصطدام، حيث يتواجد الثقب الأسود، يمكنها أن تنعكس من جدار الثقب الأسود إلى نقطة الاصطدام مرة أخرى.

ثم يَتوقع الفريقين أن جزء من هذا الموجات المعكوسة إلى نقطة الاصطدام ستنعكس مرة اخرى من الثقب الاسود باتجاه الجدار. ثم يعود جزء من الموجة وينعكس من الجدار إلى المركز، وهكذا تتكرر سلسلة الانعكاسات عدة مرات بين الثقب الاسود وجداره ليشكلا مِرآتين للموجات الثَقالية. سلسلة الانعكاسات هذه تسبب في نشوء صدى للموجات الثَقالية يُمكِن قياسه، كما هو الحال عند سماع صدى اصواتنا تَنعَكِس عن جدران غرفة فارغة.

بعد الحصول على بيانات الاصطدام المُسجلة من قبل مرصد LIGO في سبتمبر 2015، تمكن بأعجوبة فريق افشوردي من اجراء بعض التحليلات عليها واثبات وجود صدى للموجات سُجِلَت بعد فترة زمنية تساوي الفترة الزمنية المُتوقع تسجيل الصدى فيها.

وقُدِرت نسبة خطأ قياس الصدى بـ 1% فقط. ويُعتبر هذا الاثبات جريئ جدًا، لأنه بذلك يدعم فكرة وجود الجدار، والتي ترتبط باحتمالية وجود ثغرة في نظرية أنشتاين.

بعد بضع أسابيع عن نشر استنتاجات افشوردي وفريقه، قام مجموعة اخرى من اعضاء مرصد LIGO باجراء تحليلات اخرى على النتائج وتمكنت المجموعة من أثبات وجود الصدى ولكن بنسبة خطأ أعلى وهي 2%. ولكن استنتجت المجموعة أن الصدى يتواجد عند حصول احداث معينة خلال عملية الاصطدام، حيث لاتوجد علاقة بين هذه الاحداث وحُدوث الصدى نفسه، فاذا ما تم تجاهل هذه الاحداث غير المتصلة بعملية حدوث الصدى فسيحمل الاستنتاج نسبة خطأ أعلى بكثير تقدر بـ20%.

لذلك يقوم أعضاء مرصد LIGO باستخدام فرضيات ليتمكنوا من الوصول إلى حقيقة الأمر. تنص بعض الفرضيات على أن صدى الموجات الثَقالية يجب أن يحمل نفس الصفات الفيزيائية للموجات الثَقالية الرئيسية. بالاضافة إلى أن قوة الصدى يجب أن تضمحل باضعاف مضاعفة مع الزمن عن قوة الموجات الرئيسية، كما هو الحال مع صدى الصوت.

لذلك يقوم العلماء اليوم بمحاولة استخدام هذه الفرضيات للتمَكُن من تحليل النتائج لأثبات نظرية جدار الثقب الأسود. بالاضافة لهذا يسعى العلماء إلى الحصول على بيانات جديدة ناتِجة عن تَسجيل اصطدامات جديدة بين ثقوب سوداء ليكونوا ادق في اثبات النظرية.

صرح افشوردي أن تحليل النتائج من قبل الفيزيائيين العمليين وتكوين النظريات والنماذج من قبل الفيزيائيين النظريين يعتبر ناجحًا. ثم أضاف أنهم يبذلون كل جهدهم ليُكَوِنوا نموذجًا نظريًا دقيقًا للصدى، وطرق جديدة للبحث عنها ليتمكنوا من تحليل البيانات المسجلة للموجات الثَقالية عَقِبَ الاصطدام.

من ناحية أخرى صرحت الباحثة برنهولتز من فريق LIGO أن نظرية الصدى للثقوب السوداء بالفعل تستحق الدراسة وأن اثبات هذه النظرية هو حاليًا الهدف الرسمي الرئيسي لفريق LIGO.

ترجمة: ياسر نوري

تدقيق لغوي: حسام عبدالله

المصادر: 1234