التكنولوجيا اليوم تُصمَّم بحيث تكون “لا تُقاوَم”، هكذا يرى آدم أُلتر- أستاذ علم النفس والتسويق

لقد استوعبت العلوم المختلفة كثيرًا من الدروس حول ما الذي يجعلنا ندمن بعض الأشياء، والآن تستغل شركات التكنولوجيا هذه المعرفة من أجل الاستحواذ على اهتمامنا ودفعنا دومًا للبحث عن المزيد.

وفي الكتاب الجديد الذي صدر تحت عنوان “لا يُقاوَم” Irresistible، يقول المؤلف آدم أُلتر -الأستاذ المشارك في علم التسويق في جامعة نيويورك- إن المجتمع يشهد بداية وباء “إدمان سلوكي”، وهذا الأمر يمكن أن تكون له تداعيات خطيرة وبعيدة المدى بالنسبة لنا جميعًا. وفيما يلي إجابة آدم أُلتر عن الأسئلة التي طرحها عليه جاريث كوك، محرر مدونة “مايند مَاترز” Mind Matters.

تقول في بداية كتابك إن مفهومنا للإدمان محدود للغاية، فهلا شرحت لنا ماذا تقصد بذلك؟

إن فهمنا للإدمان محدود للغاية من ناحيتين:

أولًا، نحن نعتقد عادة أن الإدمان هو استجابة لبعض المواد، مثل المخدرات والكحول والنيكوتين، غير أن البشر يمكن أن يُدمنوا أيضًا مجموعة كبيرة من التجارب. ففي الآونة الأخيرة، على سبيل المثال، طور بعض الأشخاص إدمانًا مَرَضيًّا لألعاب الفيديو ومنصات التواصل الاجتماعي (ومن ضمنها فيسبوك وإنستجرام وسناب شات)، بل وحتى نظارات الواقع المعزز “جوجل جلاس”.

ونظرًا لأن الإدمان من حيث الجوهر هو النزوع إلى الانخراط في سلوك يعود على صاحبه بمتعة فورية، رغم العواقب الوخيمة طويلة الأجل على سلامة المرء الجسدية أو الذهنية أو الاجتماعية أو المالية، فإنه يمكن أن يحدث استجابة لكل من المواد والسلوكيات.

ثانيًا، إننا نميل إلى النظر إلى الإدمان باعتباره مشكلة تؤثر على أنواع معينة من الناس، في حين أن البعض الآخر مُحصَّن إلى حد ما. فعلى سبيل المثال، نستخدم عبارة “شخصيات ذات ميول إدمانية” لوصف الأشخاص الذين هم عرضة للإدمان، لكنْ في الحقيقة نحن جميعًا مدمنون محتملون، لكننا ننتظر الظروف “المناسبة” التي ستشعل فتيل الإدمان بداخلنا.

وبالنسبة لبعض الأشخاص، هذه الظروف هي الوحدة وسهولة الوصول إلى لعبة فيديو تربطهم بملايين الأشخاص حول العالم. وبالنسبة للبعض الآخر، فإن هذه الظروف هي الاكتئاب وشبكة تواصل اجتماعي تهدِّئ انفعالاتهم بتقديم إمداد غير محدود من المعلومات.

وبالنسبة لآخرين، قد يكون الأمر عدم ثقة بالنفس مقترنًا بالحصول على جهاز يعد الخطوات التي يخطوها كل يوم، وهذا يشجعه على القيام بمزيد من التمارين الرياضية يومًا بعد يوم، إلى أن يصل إلى مرحلة الاستمرار في ممارسة الرياضة حتى في أثناء تعرُّضه لإصابة شديدة موهنة.

وتشير بعض التقديرات إلى أن ما يصل إلى نصف سكان دول العالم المتقدم لديهم نوع واحد على الأقل مما يسمى إدمانًا سلوكيًّا، وهذا يشير إلى أن الإدمان يمثل مشكلة عامة، وليس مشكلة مقتصرة على مجموعة صغيرة محدودة.

متى بدأت ترى هذا الأمر بوصفه مشكلة حقيقية؟

بدأت أراه على أنه مشكلة قرابة نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بعد إطلاق الجيل الأول من هاتف آيفون (2007) وجهاز آيباد (2010) بوقت قصير. لقد ظهرت الألعاب والشبكات الاجتماعية منذ عدة سنوات، لكن جهازَي آيفون وآيباد جعلا تلك التجارب متاحة بشكل متنقل لا يقاوم. الآن يمكن لملايين الأشخاص أن يمارسوا ألعاب الفيديو في أي مكان، وأن يتواصلوا مع الآخرين في أي مكان، وأن يدخلوا إلى بريدهم الإلكتروني في أي مكان.

وسهولة الوصول تمثل عنصرًا رئيسيًّا لأي إدمان؛ فلا يمكن للمرء أن يُدمن شيئًا لا يستطيع الوصول إليه بسهولة؛ ولذا بدأت الشاشات المحمولة تكون المحرك وراء كثير من أشكال الإدمان السلوكي. وعندما تحدثتُ إلى كمبرلي يونج -الطبيبة النفسية التي تُعالج إدمان الإنترنت في مستشفى بنسلفانيا- اتفقت معي في أن “أكبر التغيرات بكل المقاييس كانت إطلاق جهازي آيفون وآيباد في عام 2010”.

وأشارت يونج إلى أنه يأتي في المقام الثاني بعد هذين الجهازين الزيادة الهائلة في سرعة الإنترنت في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. فمع توفر البنية التحتية والوسيلة الجديدة لتقديم المحتوى، جاءت برامج جديدة كان اختبارها وتصميمها وبيعها بأعداد كبيرة أسهل كثيرًا.

هل يمكنك ذكر بعض الأمثلة لأنواع التقنيات التي يستعملها المصممون لجعلنا مدمنين؟

يعتمد الأمر برمته على نهج اختبارات المقارنة؛ فالمصممون يُطلقون عدة إصدارات من اللعبة، على سبيل المثال، ثم يراقبون المدة التي ينغمس اللاعبون خلالها في تلك اللعبة قبل الخروج منها. فقد يجدون مثلًا أن المهمة في إحدى الألعاب تكون أكثر إغراءً إذا تضمنت إنقاذ شخص ما مقارنةً بها إذا ما تضمنت العثور على شيء مفقود، وبالتالي فإنهم يصممون مهامَّ جديدة تتضمن إنقاذ أناس، ويتوقفون عن إنتاج المهام التي تتضمن العثور على الأشياء المفقودة.

ثم قد يكتشفون أن لونًا معينًا لسهم، أو صوتًا محددًا يُشجع على تصرف معين، ومن ثم فإنهم يفضلون استخدام ذلك اللون أو الصوت على غيره. ومع مرور الوقت، وبإجراء ما يكفي من الاختبارات، يطورون أكثر إصدارات اللعبة الأصلية تشويقًا وتحقيقًا للإدمان؛ وهو الإصدار الذي يضم أكثر خصائص اللعبة إثارة من أجل الوصول في النهاية إلى مُنتَج يصعب مقاومته.

كيف ترى أثر هذه المشكلة على المجتمع؟ وما تداعياتها السياسية؟

التداعيات هائلة؛ فعلى سبيل المثال، الإدمان السلوكي يمكن أن يدمر العلاقات بين الأصدقاء والأزواج (وذلك بالاستعاضة عن التفاعلات وجهًا لوجه بالتفاعلات الافتراضية الضحلة)، وأن يجعل صحة الأفراد أسوأ بتثبيطهم عن ممارسة الرياضة إلا نادرًا (وذلك بجعل الشاشات أكثر إغراءً) وأحيانًا على ممارستها بإفراط (حثهم على الإفراط في ممارسة الرياضة بمساعدة أساور اللياقة البدنية التي تشجع على تصعيد النشاط)، بالإضافة إلى تشجيعهم على الإسراف في الإنفاق على شراء تطبيقات تتضمن ألعابًا والتسوق من خلال الإنترنت.

وفي نهاية المطاف سوف يقتني معظمنا نظارات واقع افتراضي، وسوف يتفوق إغراء قضاء الوقت في العالم الافتراضي المثالي دائمًا تقريبًا على الرغبة في العيش في العالم الحقيقي المزعج؛ فلماذا تُجري محادثة قد تكون مملة مع شخص حقيقي في الوقت الذي تستطيع فيه قضاء وقتك في عالم افتراضي تفعل فيه ما تشاء، من لعب ألعاب حتى الجلوس على شاطئ في إسبانيا، وحتى ممارسة الجنس افتراضيًّا؟

أما التداعيات السياسية فلا تقل خطورةً أيضًا. فإذا غدت المشكلة أكثر سوءًا، كما هو مؤكد مع ظهور أشكال الواقع الافتراضي المتطورة والأقل تكلفة، فستجد الحكومة نفسها مضطرة إلى النظر في وضع تشريعات تحكم السلوكيات التي تحركها التكنولوجيا. وقد درست كوريا والصين بالفعل ما يسمى “قوانين سندريلا” التي تمنع الأطفال من ممارسة ألعاب الفيديو من منتصف الليل وحتى الساعة السادسة صباحًا. وسوف يتحتم على الحكومات في مختلف أنحاء العالم دراسة فرض قوانين مشابهة مع تزايُد خطورة العواقب الاجتماعية والمالية والنفسية والفسيولوجية لإدمان التكنولوجيا، وتزايُد ضررها على نسبة أكبر من السكان.

ترجمة: أنمار رؤوف

المصادر: 1