أدلة قوية تربط بين كرة القدم وأمراض الدماغ تشعل الشرر لمزيد من البحوث

بدأ الجدل منذ نحو عشر سنوات، عندما تبين أن الدوري الوطني لكرة القدم قد حاول للمرة الأولى التعتيم على أدلة تربط بين إصابات الرأس المتكررة لدى اللاعبين و”الاعتلال الدماغي الرضّي المزمن” CTE، وهو اختلال تنكسيٌ عصبي مطرد، ثم العمل على تشويه سمعة العلماء القائمين على البحث.

منذ ذلك الحين تنامت الأدلة التي تدعم هذا الربط، مع ازدياد عدد اللاعبين الذين تطوعوا بالإبلاغ عن أنهم يعانون من الاكتئاب، وإقدام البعض على الانتحار. ورغم ذلك، فإن الكيفية الدقيقة لارتباط إصابات الرأس المتكررة بحدوث الاعتلال الدماغي الرضي المزمن، والأعراض النفسية المصاحبة له، لا تزال محل جدل.

أسفرت أضخم دراسةٍ من نوعها على الإطلاق عن أقوى أدلة يتم التوصل إليها حتى الآن على وجود علاقة بين ارتطامات الرأس المتكررة للاعبي كرة القدم وحدوث الاعتلال الدماغي CTE. غير أن الدراسة، التي نشرت مؤخرًا في دورية “جاما: ذا جورنال أوف ذي أميريكان ميديكال أسوسياشن” JAMA The Journal of the American Medical Association، تشوبها أوجه قصورٍ ملحوظة، كما أنها أشعلت أيضًا المطالبات بإجراء المزيد من البحوث لقياس تأثير ارتطامات الرأس على اللاعبين على امتداد أعمارهم.

تبني الدراسة الجديدة على اكتشافاتٍ تعود إلى عام 2013؛ عندما نشرت آن ماكي -المتخصصة في الأمراض العصبية بجامعة بوسطن- وزملاؤها تقرير ما بعد الوفاة لـ68 من الرياضيين الذكور وقدامى العسكريين ممن كانوا يعانون من مرض الاعتلال الدماغي الرضي المزمن، وهو التقرير الذي وصفوا فيه طيفًا من العلامات المرضية المرتبطة بتلك الحالة.

لاحظت ماكي وزملاؤها مجموعتين محددتين من الأعراض السريرية: تشمل إحداهما اضطرابات المزاج والسلوك، التي رصدت لدى الأفراد الأصغر سنًا، وتشمل الأخرى اعتلالاتٍ إدراكيةً تطورت في سنٍ متأخرة.

واعتمادًا على اكتشافاتهم، اقترح الفريق عددًا من المعايير لتشخيص حالات الاعتلال الدماغي الرضي المزمن، تشبه تلك المستخدمة في تشخيص مرض “ألزهايمر”. وفي اقتراحهم أيضًا حددوا المراحل التي تزداد فيها تلك الأمراض -والأعراض السلوكية المرتبطة بها- حدةً مع مرور الوقت.

ووفقًا للمعايير التي وضعها الباحثون، تشمل الأعراض المبكرة لحالات الاعتلال الدماغي ضروبًا من الصداع، ونقصًا في الانتباه، ثم تتطور لاحقًا إلى الاكتئاب وفقدان الذاكرة القصيرة الأمد، ثم إلى اعتلالاتٍ إدراكية، وأخيرًا إلى عدوانيةٍ وجنونٍ كامل.

في تلك الدراسة التي تعد الأحدث، فحص الباحثون أمخاخ 202 من لاعبي كرة القدم المتوفين، جميعها تم التبرع بها لأحد بنوك الأدمغة التي أسست بهدف فحص التأثيرات طويلة الأمد لإصابات الرأس المتكررة لدى الرياضيين، والعسكريين، وضحايا العنف المنزلي.

وحصل الباحثون على التواريخ المرضية المفصلة لكل الأفراد الذين فحصت أدمغتهم، وقاس أعضاء الفريق أحجام الأدمغة، ثم شرحوها للبحث عن الأمراض العصبية المرتبطة بحالات الاعتلال الدماغي الرضي المزمن.

من بين الأشخاص المئتين واثنين الذين جرى فحصهم في الدراسة، جرى تشخيص 177 فردًا على أنهم مصابون بحالة الاعتلال الدماغي الرضي المزمن، اعتمادًا على الخصائص المرضية التي حددت مسبقًا. وقد مارس هؤلاء اللعبة لمدة 15 عامًا في المتوسط، في المدرسة الثانوية، أو الجامعة، أو على المستوى الاحترافي.

وتراوحت أعمارهم عند الوفاة حول متوسط قدره 67 عامًا، وكانت أكثر أسباب الوفاة شيوعًا مرضًا مدمرًا للأعصاب (39 بالمئة)، وأمراض القلب والأوعية الدموية (19 بالمئة)، والانتحار (10 بالمئة). وقد وجد أن حدة الأعراض المرضية لحالات الاعتلال الدماغي مرتبطة بكثافة ممارسة اللعبة؛ إذ كان كل من سبق لهم اللعب في المدرسة الثانوية فقط عانوا من درجة خفيفة من المرض، بينما ظهرت أعراض مرضية شديدة على أكثر من نصف الذين كانوا يمارسون اللعبة إبان المرحلة الجامعية، وعلى أنصاف المحترفين، والمحترفين.

كانت الأعراض السلوكية والمزاجية شائعةً في كل اللاعبين السابقين بالدوري الوطني الأمريكي لكرة القدم الذين جرى تشخيص مرضهم على أنه اعتلالٌ دماغي رضي مزمن، إذ وجدت الأعراض في كل الأفراد الستة والعشرين تقريبًا الذين أصيبوا بحالة متوسطة من المرض، وفي 75 فردًا من الأربعة والثمانين الذين أصيبوا بحالة حادة من المرض. شملت الأعراض الشائعة الأخرى القلق والاكتئاب والتهور.

وقد رصدت أيضًا أعراض العدوانية اللفظية، والعنف البدني، والأفكار الانتحارية، وسوء استخدام المواد في غالبية أولئك الذين عانوا حالات مرضية خفيفة من الاعتلال الدماغي الرضي المزمن، لكن اضطراب الضغط التالي للصدمة لم يكن شائعًا، إذ وجد فقط في ثلاث حالات من الإصابة الخفيفة، وتسع حالات من اللاعبين السابقين الذين تأثروا بالمرض بحدة أكبر.

وعلى الرغم من ارتفاع نسبة الإصابة بالاعتلال الدماغي الرضي المزمن بين الذين شملتهم الدراسة، يدعو مؤلفو البحث إلى توخي الحذر في تفسير نتائج بحثهم. فأحد أوجه القصور المهمة في الدراسة هو انحياز العينة؛ إذ إن الأدمغة جرى التبرع بها خصوصًا لغرض فحص العلاقة بين إصابات الرأس وحالات الاعتلال الدماغي الرضي المزمن. ومن ثم لا يترتب على ذلك بالضرورة أن يكون انتشار المرض بين الجماعات الأكبر من الأفراد الذين تعرضوا لإصابات متكررة في الرأس مرتفعًا بنفس القدر الذي سجل في هذه الدراسة.

ولا تعد العينة أيضًا ممثلةً لجموع لاعبي كرة القدم، والذين يلعب معظمهم في فرق الشباب فقط أو فرق المدارس الثانوية. يقول بوبي عبد المحمدي -أحد المشاركين في الدراسة، وهو باحث مساعد في مختبر ماكي- “تتسم العينة التي درسناها بانحيازٍ تأكيديٍ واضح جدًا”.

ويضيف: “أي أن العائلات ربما تكون قد دفعت إلى التبرع بأدمغة أفراد أعزاء بها لأنها رأت أعراضًا، أو كانت على دراية بالصلة بين إصابات الرأس المتكررة وكرة القدم، [لذا] لا نستطيع في هذه المرحلة أن نقفز إلى أي استنتاجات بشأن معدلات حدوث المرض في المجتمع كله، أو حتى بين لاعبي كرة القدم عمومًا”.

ويضيف عبد المحمدي أن تحديد الطبيعة الدقيقة للعلاقة بين إصابات الرأس المتكررة والإصابة بحالات الاعتلال الدماغي الرضي المزمن قد يحتاج إلى دراسات طولية متكررة جيدة التصميم. وقد تبدأ هذه الأبحاث أخيرًا في تحديد التأثير الحقيقي للصدمات على تركيب المخ ووظائفه.

مع ذلك يقول الخبراء إن الاكتشافات الجديدة مذهلة. يقول جون هاردي -أستاذ علوم الأعصاب في يونيفيرستي كولدج بلندن، والذي لم يكن ضمن الفريق الذي أجرى الدراسة-: “إنها دراسة على قدر عظيم من الأهمية والإقناع، [وهي] لا تدع مجالًا للشك في أن هناك مشكلة خطيرة في لعبة كرة القدم الأمريكية”. ويضيف هاردي قائلًا: “لدينا الآن أدلةٌ جيدة جدًا على وجود مشكلة … وهي مشكلةٌ تحتاج إلى العمل على حلها فورًا من حيث تغيير قواعد اللعبة لتقليل تصادم الرءوس إذا أريد للعبة أن تستمر”.

غير أن هاردي يقر بأن النتائج الجديدة لا تحدد درجة المشكلة، إذ يقول: “مثلما أشار المؤلفون بوضوح، فقد اختيرت الحالات على أساس الاشتباه السريري في الإصابة بالاعتلال الدماغي الرضي المزمن”، ويضيف قائلًا: إن جهدًا أكثر شموليةً مطلوبٌ الآن.

ويدعو هاردي إلى إخضاع كلٍ من اللاعبين الحاليين والمتقاعدين للمزيد من الدراسات التي تبحث عن الأدلة الدامغة على حدوث أضرار بالمخ، عن طريق استخدام تقنيات المسح، وقياس الضرر المحتمل في الدم والسائل المخي الشوكي. وأخيرًا يقول إننا بحاجة إلى بياناتٍ منهجية لنفهم مدى ضخامة المشكلة”.

ترجمة: جمال علي

المصادر: 1