تجربة ناجحة حول عكس مسار الزمن وفق قواعد الثرموداينمك

لأن القوانين الفيزيائية متناظرة على المستوى المايكروي (بحجم الذرة أو أصغر micro) أي إنها تعمل بنفس الصورة سواء كان الزمن يسير للأمام أو الخلف، فإن فهم طبيعة الزمن لواحد من أكبر تحديات الفيزياء، رغم إن على المستوى الماكروي (أكبر من الذرة وقد يرى بالعين المجردة macro) هناك مسار زمن مفضل لهذه العمليات أسماه الفيزيائي أرثر إيدنغتون “سهم الزمن”.

لكن لماذا يشير سهم الزمن إلى اتجاه ما عوضا عن نقيضه؟ أي لماذا يسير الزمن إلى الأمام لا الخلف؟ حسنا، إن هذا السؤال لمن أعظم أحاجي الفيزياء لكن الجواب النموذجي هو لأن سريان الزمن يتبع قانون الثرموداينمك الثاني الذي يقول إن العشوائية دائما تزداد في الأنظمة المغلقة. وهذا يفسر لماذا لا تلتصق البيضة المكسورة تلقائيا ولماذا يُسخن كوب القهوة يدك وليس العكس. كل هذه تطبيقات على هذا القانون.

لكن هناك عامل آخر يجب أخذه بالاعتبار وهو الحالة الابتدائية للكون، لأسباب مجهولة فقد كان الكون الأولي ساخنا وطاقته موزعة بالتساوي، وهذه حالة قليلة الإنتروبي (العشوائية) بالنسبة لنظام محكوم بالجاذبية. وساهم استمرار تزايد الإنتروبي بكفاءة في تحديد مسار الزمن.

الفكرة:

كل هذا يطرح إمكانية مثيرة؛ فإذا كانت الحالة الابتدائية لنظام ما تحدد مساره الزمني، فقد يمكن صنع نظام يجبر مسار الزمن على السير معكوسا. وفي هذا النظام يمكن أن تلتحم البيضة المكسورة وتعود كما كانت ويمكن للحرارة الانتقال من الأجسام الباردة إلى الحارة أي بعكس قانون الثرموداينمك الثاني.

عمليا:

لأول مرة قام كاونان ميكادي من جامعة (ABC) الفدرالية في البرازيل برفقة بعض زملائه ببناء هكذا نظام، وفي تجربتهم كان مسار الزمن معكوسا إذ كانت الأجسام الباردة تسخن أجسام أكثر حرارة! وهذا العمل يفتح آفاق صناعة جيل جديد من الأجهزة ذات مجرى زمني معكوس.

المبدأ:

استخدم هذا الفريق في تجربته خليطا من الكلوروفورم (chcl3) المذوب في الأسيتون (مزيل طلاء الاظافر)، يتكون الكلوروفورم من ذرة كاربون مفردة وأخرى من الهيدروجين وثلاث ذرات من الكلور ما يصنع مسرحا ممتازًا لفيزيائيي ميكانيك الكم، إذ يستطيعون التلاعب بالدوران النووي لأنوية ذرتي الكاربون والهيدروجين المنفصلتان باستخدام تقنية تسمى الرنين المغناطيسي النووي.

مبدأ التجربة هو بصف الأنوية باستخدام مجال مغناطيسي قوي ثم تعريضها إلى نبضات راديوية لقلب اتجاه دورانها، ما يدخلها حالة التشابك الكمي، ويمكن للفيزيائيين متابعة الحالة الكمية للنواة برصد الإشارات الراديوية المنبعثة من هذه الأنوية. وأيضا تكون أنوية الذرتين في حالة اتصال حراري؛ أي أن الحرارة يمكن أن تنتقل بينهما، بشكل مسيطر من الفريق الذي يستطيع عن طريق الرنين المغناطيسي النووي تسخين أي منهما، وفي الحالة الطبيعية ستنتقل الحرارة بصورة إعتيادية من الذرة الأسخن إلى الأبرد.

وكما هو متوقع بسبب التشابك الكمي فقد لاحظ ميكادي وفريقه العكس، فالحرارة تنتقل بصورة عكسية! إن هذا التشابك لَظاهرة كمومية غريبة تتشارك فيها جزيئتان نفس الوجود، واستثمر الفريق هذه الظاهرة لصنع الحالة الابتدائية التي تسمح للزمن بالجريان للخلف. إذ إن التشابك بين أي جزيئتين يضع قيودًا إضافية على الطريقة التي تتصرف بها كل منهما لينتج عن هذا التلازم ظواهر غريبة ما سريان الحرارة بشكل معكوس إلا واحدة منها.

وقد خرجنا من هذه التجربة ببيانات مهمة تحسن فهمنا للزمن وعلاقته بالتشابك والإنتروبي وقال ميكادي ملمحاً إلى إن تلازمًا مشابها قد يكون سببا في حالة الكون الأولية “قد يكون في نتائجنا عن سهم الزمن في الثرموداينمك علاقة مع السهم الكوني بصورة عامة”.

ويجدر الإشارة الى نقطة مهمة وهي أن هذه الظاهرة ليست مقصورة على الأنظمة المايكروية إذ إن هذه التجربة تعمل بشكل جيد على المقياس الماكروي حيث يتجاوب عدد كبير من الجزيئات لهذه التجربة في نفس الوقت، لذا قد تضع هذه التجربة اللبنة الأولى لبناء جيل جديد من الأجهزة تنقل الحرارة من المناطق الأقل حرارة إلى الأعلى منها. وهذه لعملية عظيمة يمكن استثمارها في كثير من المجالات الحياتية.

على الهامش:

  • الإنتروبي (العشوائية – الفوضى) أو هو مقياس عدم الانتظام في نظام ما وهو دالة لتحديد التفاعلات التي تحدث بدون حاجة لتدخل خارجي مثل انتشار قطرة الحبر في الماء أو انتقال الحرارة من الأجسام الأكثر حرارة إلى الأقل منها.
  • الثرموداينمك- الديناميكا الحرارية- هو فرع من الفيزياء يهتم بتحولات الطاقة من حرارية إلى ميكانيكية أو كهربائية وهكذا.
  • قانون الثرموداينمك الثاني ينص على أن هناك ميل طبيعي للأنظمة المغلقة إلى التغير والتحول تلقائيا نحو حالة أكثر عشوائية (عالية الإنتروبي).
  • النظام المغلق هو نظام يسمح بتبادل الشغل والحرارة مع الوسط المحيط به لكنه لا يسمح بتبادل مادته، مثال على ذلك وجود ماء في قارورة محكمة الإغلاق، فالقارورة لا تتبادل المادة (الماء نفسه) لكنها في نفس الوقت تتبادل حرارته مع المحيط.
  • يقصد بالدوران أو عدد الكم المغزلي (بصورة تشبيهية غير دقيقة جدًا) اتجاه دوران جزيئة دون ذرية حول محورها، أي مع عقارب الساعة أو عكسها.
  • الرنين المغناطيسي النووي هو ظاهرة فيزيائية تمتص فيها نواة ذرة ما الاشعاعات المنبعثة إليها لتشعها من جديد. وتكون هذه الأشعة بتردد معين (حالة رنين) يتناسب مع الحقل المغناطيسي وخصائصه لنظائر الذرات. وتستخدم لأسباب مختلفة منها دراسة الجزيئات دون الذرية والتعرف على عالم ميكانيك الكم.
  • التشابك الكمي هو ارتباط جسيمان دون ذريان ببعضهما البعض وتشاركهما الخواص الفيزيائية، بغض النظر عن المسافة التي تفصل بينهما.

ترجمة: موسى جعفر

تدقيق لغوي: مؤمن الوزان

المصادر: 1