نوع جديد من البطاريات الناعمة، مستوحاة من الثعبان الكهربائي المعروف بـ الأنقليس الرعاد

في عام 1799، ابتكر العالم الإيطالي أليساندرو فولتا مجموعة حزم مكدسة من أقراص الزنك والنحاس، مفصولة بورق مقوى بالملح. كان هذا “الكدس الفولتائي” أول بطارية اصطناعية في العالم، ولكن فولتا استند في تصميمه على شيء أقدم بكثير, إنه جسم ثعبان البحر الكهربائي أو ما يعرف بالانقليس الرعاد.

ينتج الانقليس الكهرباء الخاصة به باستخدام عضوه الكهربائي الذي يشكل 80٪ من طوله ذو المترين. يحتوي هذا العضو على الآلاف من الخلايا العضلية المتخصصة تسمى بالخلايا الكهربائية (electrocytes). تنتج كل واحدة منها فولطية صغيرة، ولكن عند العمل معاً، يمكنها توليد ما يصل إلى 600 فولت، وهو ما يكفي لصعق الإنسان، أو حتى الحصان. من خلالها استمد فولتا تلك الافكار لبناء بطاريته، مما جعله شخصية شهيرة في القرن التاسع عشر.

مضى قرنان على ذلك، والبطاريات هي أشياء يومية الاستخدام. ولكن حتى الآن، لا ينتهي الانقليس الرعاد من الهام العلماء حيث قام فريق من الباحثين يقودهم Michael Mayer في جامعةFribourg بصنع نوع جديد من مصادر الطاقة التي تحاكي ببراعة العضو الكهربائي للانقليس. تتألف من عدد من الكتل البارزة ذات مادة هلامية متعددة الألوان، مرتبة في صفوف طويلة حيث تشبه إلى حد كبير الخلايا الكهربائية للانقليس. لتشغيل هذه البطارية، كل ما عليك القيام به هو الضغط على المواد الهلامية معًا.

على العكس من البطاريات التقليدية، فإن تصميم الفريق يتميز بالنعومة والمرونة، وقد يكون مفيدًا في تشغيل الجيل التالي من الروبوتات ذات الأجسام الطرية. ولما كانت المواد المصنعة منه متوافقة مع أجسادنا، فمن المحتمل أن يدفع الجيل القادم لتطوير تنظيم ضربات القلب الصناعية وزراعة الاعضاء البديلة والعظام. تخيل العدسات اللاصقة التي تولد طاقة كهربائية، أو أجهزة ضبط نبضات القلب التي تعمل اعتمادً على السوائل والأملاح داخل أجسادنا، كل ذلك مستوح من اسماك الانقليس الرعاد.

لِأجل صنع تلك البطارية الغير عادية، بدأ كل من Tom Schroeder و Anirvan Guha بقراءة كيفية عمل الخلايا الكهربائية للانقليس. حيث يتم تكديس تلك الخلايا في صفوف طويلة مع مسافات مملوءة بالسوائل فيما بينها. في صورة تشبه برج طويل مكون من طبقات الفطائر المشربة بالمربى, ادرها على جانبيها، وستصلك الفكرة.

عندما يكون الانقليس في حالته المستقرة، تقوم كل خلية بدفع الايونات موجبة الشحنة من جانبي الخلية الامامي والخلفي. يخلق هذا جهدين متعارضي الشحنة يلغي أحدهما الآخر. لحظة اصدار الامر من الدماغ بتفريغ الشحنات، يُقلَب الجانب الخلفي من كل خلية كهربائية وتبدأ في دفع أيونات موجبة في الاتجاه المعاكس مما يخلق جهدًا صغيرًا في الخلية بأكملها. وبشكلٍ حاسم، كل خلية كهربائية تقوم بتلك العملية و في نفس الوقت. لذا فإن تلك الجهود الصغيرة تضاف إلى بعضها البعض ما يؤدي الى تكوين جهد قوي في النهاية. يبدو الأمر كما لو أن الانقليس لديه آلاف من البطاريات الصغيرة في ذيله, نصفهم يُقلَبون في الاتجاه الخاطئ ولكن في لحظة ما يمكن للانقليس أن يقلبهم جميعا بنفس الاتجاه لإنشاء أكبر كمية طاقة ممكنة. يقول Schroeder: إنه متخصص في ذلك بجنون.

كيفية عمل خلايا الانقليس الكهربائية (Schroeder et al. / Nature)

في البداية فكر شرودر وزملاؤه في إعادة إنشاء العضو الكهربائي بأكمله في المختبر، ولكن سرعان ما أدركوا ان ذلك معقد للغاية. بعد ذلك فكروا بإنشاء سلسلة ضخمة من الأغشية لتحاكي مجموعة الخلايا الكهربائية للانقليس، ولكن هذه المواد حساسة ويصعب تكوينها بالآلاف. إذا ما اُتلِف أحدهم، فستنهار السلسلة بأكملها. يقول شرودر: “سنواجه مشكلة سلسلة أضواء الكريسماس.”

في النهاية، اختار ومعه Guha اعداد بسيطة تظم كتلاً من الجل او المواد الهلامية و التي تكون مرتبة على صفيحتين منفصلتين. شاهد الصورة أدناه، وركز على جزء الصورة السفلي. تحتوي المواد الهلامية الحمراء على مياه مالحة، بينما تحتوي الزرقاء على مياه عذبة.

يتم تدفق الأيونات من المادة الهلامية السابقة إلى اللاحقة، و لكن لا يمكنها النفاذ بسبب العازل بين الصفيحتين. يتغير ذلك عندما تنطبق المواد الهلامية الخضراء والصفراء على الفسح الموجودة بين اللونين الأزرق والأحمر، مما يوفر قنوات يمكن من خلالها مرور الايونات.

الوقفة الذكية هنا تكمن في ان كتل الهلام الاخضر لا تسمح الا للأيونات الموجبة بالمرور عبرها في حين تسمح تلك الصفراء بمرور السالبة فقط. يعني هذا (وكما موضح في الجزء الاسفل من الصورة ادناه) ان الايونات الموجبة تمر عبر كتل الهلام الازرق وباتجاه واحد بينما تلك الحمراء تمر في الاتجاه الاخر وهذا يصنع فرق جهد عبر كتل الهلام الازرق بالضبط كما يحصل في خلايا الانلقيس. كذلك تنظم تلك الجهود الصغيرة في صفوف لتكون جهداً يصل الى 110 فولت.

Schroeder et al. / Nature

تقوم خلايا النقليس باطلاق سيل الالكترونات حينما تأتي الإشارة أي الأوامر من الخلايا العصبية في الدماغ لفعل ذلك. ولكن في مشروع Schroeder ذلك أبسط بكثير, حيث لا يحتاج إلا لضغط الكتل الهلامية بعضها ببعض.

سيكون من الصعب الحصول على صفائح كبيرة من هذه المواد الهلامية. لكن Max Shtein، وهو مهندس في جامعة ميتشغان، اقترح حلًا ذكيًا وهو origami اوريغامي ( فن طي الورق مرتبط بالثقافة اليابانية). باستخدام نموذج خاص للطي حيث يستخدم أيضًا لحزم الألواح الشمسية في الأقمار الصناعية. قام Shtein بابتكار طريقة لطي الورق بحيث تتلامس الألوان للمواد الهلامية مع مثيلتها بالترتيب الصحيح. سمح ذلك للفريق بتوليد نفس القدر من الطاقة في مساحة أصغر بكثير.

في الوقت الحالي يجب إعادة شحن تلك البطاريات لتكون نشطة, بمجرد أن تكون نشطة ستنتج طاقة لساعات محدودة حتى تتعادل مستويات الأيونات عبر مختلف الكتل الهلامية عندها تكون فعالية البطاريات عند أدنى مستوى. ستحتاج حينها إلى تمرير تيار لإعادة الكتل الهلامية مرة أخرى إلى صفوف متناوبة من الملح العالي والملح المنخفض. لكن Schroeder أشار إلى أن أجسادنا تعمل باستمرار على تجديد خزانات السوائل بمستويات متفاوتة من الأيونات. ويتوقع بأنه من الممكن استخدام هذه الخزانات لإنشاء البطاريات يومًا ما.

بشكلٍ خاص, من شأن ذلك أن يحول البشر إلى شيء أقرب ما يكون الى الانقليس. من غير المتوقع أننا سنكون قادرين على استخدام ذلك لصعق الناس، لكن يمكننا أن نستخدم التدرجات الأيونية في أجسامنا لتزويد المزروعات الصناعية الصغيرة في اجسادنا بالطاقة. كما يقول Schroeder، بالطبع لا يزال هذا الأمر رحلة في خيال من هدف لديه خريطة طريق فعلية. يقول: “إن الكثير من الأشياء لا تعمل لكثير من الأسباب المتنوعة، لذلك لا أريد أن أتجاوز نفسي كثيرًا”.

إنه ليس من غير المعقول والمنطقي التكهن، لكن على الرغم من ذلك، يقول Ken Catania من جامعة Vanderbilt، الذي قضى سنوات في دراسة بيولوجيا الثعابين:”لم تكن بطارية فولتا بالشيء الذي يمكن أن تتناسب معه في الهاتف المحمول، لكن بمرور الوقت أصبحنا نعتمد عليها”. “ربما يكرر التاريخ نفسه”.

ويضيف” أنا مندهش من كمية النقاليس البحرية التي ساهمت في العلم”, “إنه درس جيد في قيمة العلوم الأساسية.” في الوقت نفسه، لم يسبق ل Schroeder مشاهدة نقاليس كهربائية في حدائق الحيوانات، وهو يرغب في مواجهة شخص واحد. ويقول: “لم أشعر بصدمة من أحد، لكنني أشعر أنني يجب أن احظى بواحدة في نقاط محددة”.

ترجمة: أياد عقيل

المصادر: 12

المزيد