لماذا يلقي الناس اللوم على الضحية؟

ما الذي جاء به إلى هنا! لماذا كانت تضحك بصوتٍ مرتفع! لماذا ارتدت هذه الملابس المثيرة! لماذا لم يقم بالقتال والدفاع عن نفسه! ..الخ

كثيرًا ما نلاحظ هذه التعليقات عند تعرض شخص لحادثة ضرب أو تحرش أو ما شابه، وبغض النظر عن محتوى التعليق البائس من شخص أكثر بؤسًا، لكن ما سبب إلقاء اللوم على الضحية بدلًا من البحث عن المذنب الحقيقي، بالطبع سبب غير أن لوم الضحية أسهل وغير مكلف بالمرة!

يرد علم النفس الأمر لبعض التحيزات المعرفية cognitive biases وهي ببساطة جدًا أخطاء نقع فيها أثناء التفكير عندما يحاول الدماغ جمع كل المعلومات المتاحة وتفسيرها بطريقة مختصرة، لكنه أحيانًا يرتبك ويحدث أن نرتكب أخطاء في صناعة القرار أو التذكر أو الحكم أو إدراك الأحداث عمومًا. ما يهم الآن هو الجزء الخاص بالحكم والذي تشمله التحيزات الاجتماعية ومنها:-

أولا: خطأ العز الأساسي (fundamental attribution error)

وهو ميل الناس لإسناد الظروف أو التصرفات أو السلوكيات غير الجيدة لدى الأشخاص لعوامل داخلية لديهم؛ أي لشيء داخل نفسية صاحب السلوك. في حين إذا صدرت هذه التصرفات عنهم تجدهم يردونها مباشرة إلى عوامل خارجية. لنفترض مثلًا أن هناك شخص (س) دخل اختبار مع زميله، فلو فشل زميله يرد ذلك الفشل إلى الكسل وقلة الذكاء، بينما إذا فشل هو رد فشله إلى ظروف خارجية كصعوبة الامتحان أو ارتفاع الحرارة لدرجة تصعب معها التركيز!

ثانيًا: تحيز الادراك المتأخر (hindsight bias)

ويمكن تسمية صاحبه بالسيد “لقد كنت دائمًا أعرف هذا”، والمشكلة هنا أنه يندفع للاعتقاد مثلًا بأن ضحايا الحوادث كانوا من المفترض أن يتوقعوا هذه الحوادث مسبقًا وبالتالي يتجنبوها من البداية مهما كانت الظروف المحيطة بهم. وعليه يمكن تلخيص التحيز في التصديق عند رؤية حدث بأننا كانت لدينا –مسبقًا- القدرة على رؤية دلالات وقوع الحدث وكذلك توقع نتائج هذا الحدث. على سبيل المثال، عندما يصاب شخص ما بمرض يرجع الناس تلقائيًا سبب المرض للطريقة التي كان يعيش بها هذا الشخص ويشرعون في التنظير؛ كان من المفترض أن يفعل كذا وألا يفعل كذا وكأنهم كانوا يعرفون المستقبل مسبقًا!

أخيرا: تحيز ظاهرة الحياة العادلة (just-world phenomenon)

وسببه الاعتقاد بأن الحياة دائمًا عادلة في حين أنها ليست كذلك بالفعل ولو كنا جميعًا نتمنى أنها تسير بهذه الطريقة، بالتالي عندما يقع شخص في ورطة أو يصاب بأذى نعتقد أنه أخطأ في شيء ما وأن الضرر الذي لحق به مجرد جزاء لفعلٍ سيء سبق وأن قام به، أي أنه استحق الضرر كعقاب الحياة العادلة له. للأسف نحن بحاجة لهذا الاعتقاد لتجنب الوقوع ضحية للمأساة والأدوار التراجيدية مهما كنا واعين وحذرين. على كلٍ، الأمور السيئة تحدث للشخص السيء والجيد أيضًا، والاقتناع بأن الناس تستحق الضرر الذي لحق بهم ما هو إلا دعم للوهم الكائن في عقولنا بأن ما يحدث لهم لن يحدث لنا فنحن لا نستحقه؛ ذلك أن الدماغ مشغول دائمًا بإخبارنا أننا جيدون وللأسف غالبًا ما نصدقه!

في المرة المقبلة عندما يقع الضرر على شخصٍ ما، حاول قدر الامكان تجنب التحيزات المعرفية تلك التي تأخذك لاعتقادات لا صحة لها. من المهم أيضًا البدء في تعلم واكتساب التقمص الوجداني empathy تجاه الناس بمعنى أن تضع نفسك مكانهم وتحاول إدراك الموقف من منظورهم ليس من منظورك أنت وتتقمص مشاعرهم تجاه نفس الموقف، بالطبع سيكون ذلك أفضل من الجلوس بلا حراك وإلقاء اللوم على الضحية؛ فربما أنت الضحية التالية!

المصادر: 1