نوعٌ جديد من الثقوب السوداء، إذا وقعت داخله سيمحو ماضيك ويلغي مستقبلك ويدعك عالقًا، داخله ما لا نهاية

فريق من علماء الرياضيات أثبتوا حسابيًا أن بعض الثقوب السوداء إن كانت في كون متوسع (مثل كوننا بالضبط) يمكن لها أن تمحوا تاريخ كل شيء داخلها ومحولة المستقبل إلى نفقٍ مظلم ومجهول.

إذا اتبعنا قوانين الفيزياء لاستنتاجاتها المنطقية، فإن كل الكتلة للنجم المنهار يتم ضغطها إلى نقطة صغيرة بشكل لا نهائي تدعى التفرد، هذا يشبه إلى حدٍ ما القول بأن هناك مساحة كبيرة من الفضاء تحافظ على الأسرار عن بقية الكون، وهي أماكن يتفكك فيها الفيزياء نفسه.

للفصل بين النظرية الأخيرة “المنطقية فيزيائيًا” والنظرية الغريبة الجديدة “المثبتة حسابيًا”، لنستخدم ما يطلق عليه الفيزيائيون بـ “الرقابة الكونية”.

هناك شكلين لهذه الرقابة الكونية، الرؤية الأولى تفترض أن هناك “حاجز” داخل الثقب الأسود أعمق من افق الحدث، بعد هذا الحاجز تصبح كل قوانين الفيزياء ملغية، ولا يمكن أن تنبأ ما الذي يحدث هناك، هذا الحاجز يقوم بحصر المشكلات المنطقية عازلًا فوضويتهم عن بقية الزمكان وبهذا تحل مشكلة مخالفة قوانين الفيزياء.

الرؤية الثانية للـ”الرقابة الكونية” (والتي تعتبر أكثر قوة من الأولى)، تنص هذه الرؤية بعدم وجود مكان لا تنطبق عليه قوانين الفيزياء، فلا وجود للحاجز وقوانين الفيزياء تنطبق بشكل من الأشكال حتى بعد أفق الحدث.

لكن “Peter Hinz” عالم الرياضيات من جامعة كاليفورنيا لديه شكوك حول الرؤية الثانية، حيث يقول (لمدة 20 عام ومنذ منتصف التسعينات اعتبر الناس أن الفرضيات التي تتماشى بشكلٍ قوي مع معاير الرقابة الكونية هي أقرب أن تكون صحيحة، أما نحن فنتحدى هذا المبدأ بقوة).

لقد قام “Peter Hinz” وفريقه بدراسة “أجسام أحادية القطب” (أحادي القطب المغناطيسي في فيزياء الجسيمات هو جسيم أولي، وهو عبارة عن مغناطيس منفصل يحمل أحد القطبين المغناطيسيين دون الآخر) وغير قابلة للدوران يدعى بـ “Reissner-Nordström-de” وهي حاضنة ثقوب سوداء افتراضية، نظريًا أنواع الثقوب السوداء في هذه الحاضنة تحتوي على “حاجز” يدعى بـ “أفق كوشي”، بعد هذا الحاجز لا وجود لمبدأ السبب والنتيجة في هذه المساحة الملتوية من الزمكان، حيث الزمان والمكان يتداخلان بسلاسة خالقين لحظة سكون لا نهائية.

لكن دعاة الرقابة الكونية الصارمة والتمسك بقوانين الفيزياء، يجادلون أن التفرد الثقالي سيتسبب بمحي “أفق كوشي” بمجرد تذبذب طفيف في جاذبية كتلة النجم المنهار، لكن الدراسات الجديدة أظهرت أن “التفرد الثقالي” و”افق كوشي” ممكن أن يتواجدان سويًة داخل الثقب الأسود حتى بوجود هذه التذبذبات إذا أخذنا بعين الاعتبار معدل توسع الكون.

لكن كيف توصل الفريق لهذا الاستنتاج؟ الأمر معقد جدًا ويصعب فهمه، لكن هذا شرح مبسط له:

بفضل الشحنة المغناطيسية التي تملكها الحاضنة، فأنها تملك مقاومة داخلية بسيطة لقوة الجذب الهائلة، مقاومة بمهارة تأثير انطواء الزمان والمكان، وتقوم القوة التوسعية للكون بوضع حدود الطاقة والزمن في المنطقة المنحنية حول منطقة التفرد الثقالي.

المزج بين هاتين القوتين (الشحنة المغناطيسية وتوسع الكون) يقوي نظرية “أفق كوشي”، فهما يسمحان بتواجد التفرد الثقالي الذي يلغي قوانين الفيزياء، وكذلك وجود حاجز قبل التفرد يفصل بين منطقتي وجود الفيزياء واندثارها.

في هذه المنطقة (ما بعد افق كوشي) تنفصل الأجسام عن ماضيها وكأن ليس لها ماضٍ ولن يكون لها مستقبل، هذا معناه إذا دخل إنسان إلى هذه المنطقة سيمحى ماضيه وبنفس الوقت لن يختفي وجوده، لكنه سيبقى بدون مستقبل عالقًا في هذه اللحظة من الزمن إلى مالا نهاية.

هل يبدوا هذا صعب الفهم بالنسبة لك؟ لا تقلق فهو معقد وغير مقنع للباحثين أنفسهم، هو فقط ما اثبتته الرياضيات.

“João Costa” احد أعضاء الفريق البحثي شرح الموضوع باستخدام شيء مألوف حيث يقول ( قطة شرودنغر والمعروف عنها إمكانية كونها حية وميتة بالوقت ذاته، إذا عبرت افق كوشي فحتى هاذين الاحتمالين غير قابلين للطرح).

هذا يجعل الثقوب السوداء أغرب حتى من قواعد ميكانيكا الكم الجنونية!!، لكن بما أن حاضنة الثقوب السوداء “Reissner-Nordström” هي مجرد نسخة افتراضية لم يتم رصد نسخة حقيقية مشابها لها، فإن هذا الاكتشاف لا يتعدى كونه فرضية، لكن هذا لا يغير حقيقة أنها ممكنة جدًا، فالرياضيات المستخدمة دقيقة جدًا وصحيحة.

إذا تمكنا من إيجاد ثقوب سوداء تنطبق عليها مواصفات التجربة، فسيكون لدينا مكان تخون فيه الأسرار إلى مالا نهاية.

ترجمة: مصطفى داود

تدقيق علمي: حسام عبدالله

المصادر: 1