أربعة فلاسفة أدركوا أنهم مخطئين تماماً حول مواضيع معينة

قد يخطئ الفلاسفة والاعتراف بالخطأ هو أمر مهم كي تكون فيلسوف حقيقي، على الرغم من أن معظمهم يقومون بتعديلات طفيفة إلى حججهم لتصحيح الأخطاء، يقوم آخرون بتحولات كبيرة في تفكيرهم، و فيما يلي أربعة فلاسفة تراجعوا عن مقولاتهم السابقة بشكل نهائي.

Robert Nozick روبرت نوزيك

روبرت نوزيك هو الفيلسوف الأمريكي الذي كتب عن كل المواضيع التي خطرت على باله، ذو شهرة واسعة بمشروعه الوحيد الفلسفة السياسية والذي حمل عنوان (الفوضى، الدولة، والمثالية) وفيه جادل الدولة حول الحد الأدنى الذي لا ينتهك الحريات الشخصية، وفي مرحلة معينة، ناقش بعمق كيف أن ضريبة الدخل تشبه العبودية بدوام جزئي حيث أن العامل يدفع أجورًا جزء منها يعطى للدولة دون فرصة لاستعادتها، و حالته المثالية لا تقوم بفرض الضرائب.

ناقش نوزيك في كتابه التالي” دراسة الحياة ” موضوعات مختلفة من الجنس حتى الموت إضافة للسياسة، وفيه يعود إلى كتابه السابق و يوضح “إن الموقف التحرري الذي دعوت إليه يبدو لي حاليًا غير كافٍ، وذلك ﻷن جزء منه لم يأخذ الاعتبارات الإنسانية والأنشطة التعاونية المشتركة التي تترك مجالًا لنسيج أكثر تقربًا و تماسكًا”.

إن تعديلاته على مواقفه السابقة خفية ولكن يمكن ملاحظتها، فهو لم يغير موقفه بشكلٍ أساسي بل اعترف بالمشكلات الموجودة فيه، وهو يؤيد فكرة أن الدولة يمكن أن تمنع التمييز الموجه نحو مختلف الفئات، ويعترف بأن إدراك الحرية الشخصية يتطلب بذل مجهودٍ جماعي مكلف، و هذا يؤدي إلى استخدام الضرائب أو منح الهبة لجمعيات خيرية محددة كوسيلة لضمان استمرار المجتمع في العمل.

بينما أكد في مقابلات لاحقة للقراء أنه لم يتخل عن التحررية بل أخذ في عين الاعتبار جزء صغير من وجهات النظر المتشددة مع تقدمه في العمر.

Ludwig Wittgenstein لودفيغ فيتجنشتاين

لعل أكثر الفلاسفة تحولاً جذريًا في قائمتنا هو فيتجنشتاين، هو الفيلسوف النمساوي من القرن العشرين و الذي نشر كتابًا واحدًا خلال حياته Tractatus .

يقول في Tractatus أنه عندما نتواصل مع شخص آخر فإننا نستخدم الكلمات لصياغة “صور” في أذهانهم، أي عندما أكتب “كوب من عصير الليمون فيه مكعبين من الثلج”، يمكنك أن تتخيل ما أعنيه بشكلٍ أوضح من أن أستخدم كلمات مناسبة، ويؤيد الكتاب الفلسفة الوضعية المنطقية ويحل بعض المسائل الموجودة فيها، اﻷمر الذي جعل دائرة فيينا _ مجموعة من الفلاسفة_ في حالة رضا وسعادة.

كان فيتجنشتاين فخورًا إلى حدٍ ما بكتابه، وكان مقتنعاً بأنه حل الفلسفة عن طريق تخفيض جميع المشاكل إلى دلالات، ترك الكتابة عندما لم يكن هناك المزيد من الفلسفة لبضع سنوات، لكنه غير رأيه بخصوص هذا الشأن في وقتٍ لاحق .

نشر كتابه الآخر (تحقيقات فلسفية) بعد وفاته، وفيه يعبر عن الأفكار التي حملها في الجزء الأخير من حياته والتي أغلبها تتناقض مع عمله في بداية حياته، حتى أنه كتب في مرحلة ما من التحقيقات “صاحب تراكتاتوس Tractatus كان مخطئًا”، و قد ابتعد عن موقفه الأصلي جداً.

يجادل فيتجنشتاين في التحقيقات أن اللغة هي سلسلة من الألعاب وعندما نتحدث إلى شخص آخر نستخدم كلمات معينة لنقل معنى معين، والطريقة الوحيدة ليفهمنا اﻵخرون هي إذا فهموا ما هي القواعد التي نلعبها حاليا والطريقة التي تستخدم بها الكلمات بالضبط فيما يتعلق بتلك القواعد.

إذا كتبت على سبيل المثال “إنه ثرثار حقيقي”، يمكنني أن أتحدث بأسلوب السخرية أو الحرفي أو الكذب أو القليل من المبالغة، عليك أن تعرف ما “اللعبة” التي نحن نلعبها لتفهمني تمامًا، وهذا أبعد ما يكون عن نظرية الصورة من تراكتاتوس Tractatus ومنطقيًا إدانة للعمل السابق.

Jean-Paul Sartre جان بول سارتر

سارتر هو أحد العقول الرائدة في الفلسفة الوجودية خلال القرن العشرين، كتب العديد من الكتب و المقالات والمسرحيات التي تصف طريقة تفكيره وكل ما يمكن أن نتعلم منه.

قدم سارتر في أعماله الأولى فكرة عن حريتنا المطلقة، فعلى الرغم من اعترافه بأننا مقيدين بسبب بعض الظروف المادية والاجتماعية لكننا مسؤولين تمامًا عن أنفسنا معلنًا “أنت مدان بحريتك”، وهذا النوع من الحرية الراديكالية يتجسد من قبل الأشخاص الذين يدركون أنهم المسؤولين عن خياراتهم ويعلمون بوجود عوائق قليلة تحدد هذه الخيارات.

أصبحت هذه الحدود أكثر عددًا و تقييدًا مع الوقت بالنسبة لسارتر، ويعود ذلك جزئيًا إلى تأثره بشريك حياته سيمون دي بوفييه Simone de Bouvier و زيادة ارتباطه باليسار الفرنسي.

تغييراته لم تكن جذرية حول تفكيره الراديكالي بل تطور في فهمه للجانب العملي من عمله، أي مع زيادة فهمه بأن اختيارنا للقيود الاجتماعية والاقتصادية المفروضة على حريتنا قد زادت، توقف عن تعريف الوجودية البحتة أعلن علنًا عن نفسه بالفوضوي، ياله من تصريح لرجل نقل الفلسفة الوجودية.

Jean Meslier جان ميسلير

ميسلير كاهنا كاثوليكيا في القرن السابع عشر في فرنسا، عرف بهدوئه وبأنه جدير بالثقة وكاهن لا يكرر، خدم رعيته لأكثر من أربعين عامًا دون شكوى، تم العثور بعد وفاته على كتاب مكون من أكثر من 600 صفحة يروج للإلحاد في غرفته، وقد تم نشره على أنه “العهد”.

تميز القس ميسلير بكونه الفيلسوف الملحد الأول لكتابته نص يدافع عن موقفه، وفيه يصف كل الدين على أنه “قلعة من الهواء”، وعلم اللاهوت “كان الجهل من الأسباب الطبيعية التي أضعفت النظام”، حيث وجد أن مشكلة الشر لا يمكن حلها، ونفى وجود الإرادة الحرة والروح، و ذكر أن النبلاء والكهنة يستحقون الذبح بإسم الحق والعدالة.

و ناقش أيضًا الجدال حول المسيحية _التي كانت موجودة في ذلك الوقت _ بأنها مجرد أداة لضمان عدم فعالية الطبقات الدنيا ضد المظالم التي يجب أن تتمرد ضدها، ودعا إلى الشيوعية كحلٍ للظلم الاجتماعي.

أما التساؤل عن كيفية حصول التغييرات هو أمر غير معروف، لكنه اعترف في نصه أنه دخل المدرسة لإرضاء والديه، وهو موقف يخالف الأربعين عامًا التي قضاها في وعظ المسيحية، لا يوجد أحد من الفلاسفة في هذه القائمة قضى أربعين عامًا من العمل على كتاب واحد، ورفض ميسلير له يأتي كقوة بارزة على الرغم من أسلوبه المرهق في الكتابة.

المصادر: 1