هناك فوائد للوحدة وخرافات منتشرة حولها إليكم البحوث العلمية حولها

الوحدة شعور مرتبط في معظم الأحيان بمشاعر حزن وقلق وإحساس بالإهمال وبأننا غير محبوبين أو ذات قيمة. شعور يولّد أحاسيس خوف وارتعاش تصل في بعض الأحيان إلى المرض وفقدان المناعة، وكأننا دون وجود أشخاص آخرين في حياتنا ودون البقاء على تواصل مستمر معهم، نكون ناقصين غير مكتملين.

يأتي المجتمع أيضاً ليكرّس مفهوم الوحدة على أنها العدو الأول للإنسان ويشجع على التخلص منها حتى ولو بالعالم الافتراضي، أي عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

ولعلّ السلاح الوهمي الأقوى فيها هو عدد الإعجابات التي ينالها الأشخاص والتي تعني لهم ضمنياً “أنا أسمعك وأوافق” فتشعرهم أنهم محبوبون ومحاطون وليسوا وحدهم، فتطمئن قلوبهم وتتحصّن صورتهم الذاتية.

يقول الأديب الفرنسي الشهير أونوري دو بالزاك “الوحدة جيدة، لكنك تحتاج لشخص يقول لك أنها كذلك”. هل هي فعلاً كذلك؟ هل يمكن لنفسنا أن تشعرنا بالسعادة؟ هل نتذوق طعم الحب والفرح منها؟ أم أن سعادتنا رهن بالآخرين فقط؟

ما هي فوائدها، ولعلّها كثيرة، منها تلك الدراسة التي نشرت على موقع Psychology Today وشددت على 6 فوائد أساسية لتمضية الوقت وحيداً وأسمتها “أسباب السعي وراء الوحدة”:

  1. تسمح لكم بإعادة تنظيم دماغكم. الأمر الذي يستحيل تحقيقه إن كنتم محاطين طوال الوقت. الوحدة ستساعدكم على تطهير دماغكم وجسدكم في آن واحد من كل مصادر الإلهاء والضغوط والأحداث حتى الإيجابية منها.
  2. تزيد من تركيزكم وقدرتكم على الإنتاج. لأنكم لستم مضطرين إلى اقتسام واجتزاء طاقتكم على الآخرين بل أنكم تستغلونها لكم وحدكم، في عملكم ونشاطاتكم، ما سيزيد في فرص نجاحكم كما من قدرتكم على التحكم بالوقت.
  3. تمنحكم الفرصة لتتعرفوا على ذاتكم. لأنكم بعيدون حينها عن أحكام الآخرين وآرائهم وتوقعاتهم. فتكون حركتكم وتصرفاتكم أكثر حرية لأنكم ببساطة لستم مضطرين إلى إرضاء أحد.
  4. توفر لكم الوقت للتفكير. فالنشاطات اليومية الروتينية في العمل أو في العلاقات الاجتماعية تكاد تنسيكم إن كنتم راضين عن أنفسكم، فتصبحون كرجل آلي يتحرك من دون تفكير، فيما تبقى ميزة الوحدة جعلكم تفكرون وبالتالي تصبحون أكثر قدرة على الخلق والتغيير.
  5. تساعدكم على حلّ مشاكلكم بفعالية. فمن الصعب التركيز على الحلول التي تناسبكم في ظل آراء ونصائح تأتي من كل حدب وصوب فتشوّش أفكاركم وربما تساهم في تفاقم المشكلة بدل حلّها.
  6. تحسّن من نوعية علاقاتكم بالآخرين. ولعلها النقطة الأهم! كلما أخذتم الوقت لفهم مخاوفكم ورغباتكم وطباعكم، أصبحت اختياراتكم أكثر صحّة ونضوجاً وبالتالي أكثر سعادة.

مشكلة الوحدة يكتنفها الكثير من الخرافات، وسنعرض فيما يلي أبرز خمس منها.

1- الوحدة سببها الانعزال عن الناس

ثمة فارق بين الشعور بالوحدة وبين الانعزال عن الناس. فالوحدة هي انعدام الصلة بالآخرين، أي تشعر أن لا أحد من المحيطين بك يفهمك وأنك لم تنجح في إقامة علاقات وطيدة مع الآخرين كما كنت تتمنى.

ربما تكون العزلة أحد العوامل التي تؤدي إلى الشعور بالوحدة، لكنها ليست العامل الوحيد. فقد تشعر بالوحدة رغم أنك محاط بمجموعة من الناس، كما قد تشعر بالسعادة، وحتى براحة البال، عندما تختلي بنفسك لبعض الوقت.

قد نحتاج أحيانا إلى الاختلاء بأنفسنا، وهذا قد يكون أمرا إيجابيا في بعض الأوقات

وفي استطلاع للرأي أجرته بي بي سي عام 2016 تحت عنوان “اختبار الراحة”، للتعرف على أفضل الأنشطة التي تبعث على الراحة من وجهة نظر مختلف الناس، تصدرت المراتب الخمس الأولى الأنشطة التي يميل الناس عند ممارستها إلى الانفراد بأنفسهم، مثل القراءة.

ولعلنا نحتاج أحيانا إلى الاختلاء بأنفسنا، لكن إذا كان الانفراد بالنفس هو الخيار الوحيد لأننا لا نجد من حولنا أناسا يفهموننا، عندها سنشعر بألم الوحدة.

2- انتشرت الوحدة انتشارا غير مسبوق في الوقت الحالي

لا شك أن الوحدة تحظى الآن باهتمام غير مسبوق، لكن هذا لا يعني أن نسبة الأشخاص الذين يشعرون الآن بالوحدة زادت مقارنة بالسنوات القليلة الماضية.

وأوضحت كريستينا فيكتور من جامعة بورنيل، بالاستناد إلى دراسات تعود إلى عام 1948، أن نسبة الأشخاص الأكبر سنا الذين يعانون من الوحدة المزمنة لم تتغير منذ 70 عاما، إذ ذكر ما بين ستة و13 في المئة منهم أنهم يشعرون بالوحدة دائما أو في أغلب الأوقات.

صحيح أن أعداد الناس الذين يشعرون بالوحدة تزيد، لكن هذا يرجع إلى تزايد عدد السكان في العالم. وما من شك أن الشعور بالوحدة يزيد من الحزن والتعاسة.

3- الوحدة ليس لها جوانب إيجابية

لا أحد ينكر أن الوحدة مؤلمة، لكنها في الغالب شعور مؤقت. ومثلما ننظر إلى جوانبها السلبية، علينا أن ننظر أيضا إلى جوانبها الإيجابية. فقد تكون الوحدة إشارة إنذار تنبهنا لنبحث عن أصدقاء جدد، أو لإيجاد سبل لتحسين علاقاتنا بالأشخاص المحيطين بنا.

هل تؤثر الوحدة على كبار السن بالسلب أكثر مما تؤثر عليهم بالإيجاب أو العكس؟
يرى جون كاسيوبو، عالم الأعصاب الاجتماعي، أن الشعور بالوحدة هو وسيلة للتكيف، تطورت لدى الإنسان لتدفعه إلى الحفاظ على علاقاته بالآخرين. وشبهها كاسيوبو بالعطش، فعندما تكون ظمآنا ستبحث عن الماء. وبالمثل عندما تشعر بالوحدة ستبحث عن الآخرين.

وقد استطاع الإنسان، من خلال العيش وسط جماعات متعاونة، أن يبقى بمأمن من المخاطر. ولهذا، من الطبيعي أن تتطور لدينا نزعة تدفعنا للتواصل مع الآخرين لتساعدنا على البقاء.

وعلى الرغم من أن الوحدة هي عادة شعور مؤقت، فإنها عندما تصبح مزمنة قد تؤدي إلى عواقب وخيمة. وهناك الكثير من الأدلة التي تثبت أنها تضر بصحتنا وتؤثر على نومنا وتسبب لنا الحزن.

وقد تدفع بنا الوحدة إلى حلقة مفرغة، إذ يشعر الشخص بأنه وحيدا، ثم ينزوي عن الآخرين، ويعتزل المناسبات الاجتماعية، وهذا يزيد بدوره من الشعور بالوحدة والانعزال.

وخلص أحد الأبحاث إلى أن الشعور بالوحدة يزيد من مخاطر ظهور أعراض الاكتئاب بعد عام واحد.

4- الوحدة تؤدي إلى تدهور الصحة

هذا الجانب أكثر تعقيدا من سابقيه. وكثيرا ما نرى نسب وأرقام مستمدة من إحصاءات حول تأثير الوحدة على صحتنا. لكن مجموعة من الباحثين عكفوا على مراجعة جميع الأبحاث التي أُجريت في هذا الصدد، وتوصلوا إلى أن الشعور بالوحدة قد يزيد من مخاطر الإصابة بأمراض القلب والسكتة الدماغية بنحو الثلث، وأن الأشخاص الذين يعيشون بمفردهم يعانون من ارتفاع ضغط الدم بمعدلات أعلى من غيرهم، كما أن متوسط عمرهم المتوقع أقل مقارنة بغيرهم.

ولا ننكر أن هذه النتائج خطيرة، لكن الكثير من هذه الدراسات كانت تستطلع آراء عينات من السكان في وقت محدد. ولهذا، لا يمكن أن نجزم بأن الوحدة هي السبب الوحيد وراء هذه النتائج.

وربما يكون الأشخاص الذين يعيشون في عزلة ويشعرون بالحزن هم الأكثر عرضة للإصابة بالأمراض. أو العكس، قد يدفع المرض وتدهور الحالة الصحية بعض الناس إلى الانزواء عن المجتمع والعيش بمفردهم، وهذا يمنعهم من مخالطة الآخرين.

وربما أظهرت الإحصاءات أن الحالة الصحية للأشخاص الذين يعيشون بمفردهم أسوأ مقارنة بغيرهم، لأن الوحدة سلبتهم الحافز على الاعتناء بصحتهم. وهذا يعني أن العزلة قد تؤدي إلى تدهور الحالة الصحية كما أن الحالة الصحية المتدهورة تؤدي إلى الشعور بالوحدة، إذ يؤثر كل منهما على الأخر.

5- أغلب المسنين يشعرون بالوحدة

من المعروف أن الشعور بالوحدة أكثر شيوعا لدي كبار السن منه لدى البالغين، لكن باميلا كوالتر، من جامعة مانشستر، أجرت مجموعة من الأبحاث عن الشعور بالوحدة في مختلف مراحل العمر، وتوصلت إلى أن الشعور بالوحدة يصل ذروته أيضا في مرحلة البلوغ.

وفي الوقت نفسه، أوضحت دراسات أخرى أن ما يتراوح بين 50 و60 في المئة من المسنين لا يعيشون في عزلة.

إعداد: جمال علي

المصادر: 1