هنالك حدود عملية ومطلقة على المعرفة الإنسانسة

يقول أرسطو منذ أكثر من 2000 سنة:” كل شخص بالفطرة يريد أن يعرف”. ولكن هل هناك حدود لما يمكن للبشر أن يعرفوه؟ هذا هو السؤال الذي يستكشفه ماركوس دو سوتوي Marcus du Sautoy، عالم الرياضيات البريطاني الذي حل محل ريتشارد داوكينز Richard Dawkin كأستاذ Simonyi Professorship للفهم العام للعلوم في جامعة أكسفورد في “ما لا نستطيع معرفته”: كتابه الرائع حول حدود المعرفة العلمية.

وكما يقول السيد دو سوتوي، فإن هذا هو العصر الذهبي للمعرفة العلمية. تمتد إنجازات ملحوظة عبر العلوم من مصادم هادرون الكبير the Large Hadron Collider وتسلسل الجينوم البشري إلى إثبات نظرية فيرمات Fermat الأخيرة. ويتزايد معدل التقدم: فقد تضاعف عدد المنشورات العلمية كل تسع سنوات منذ الحرب العالمية الثانية. ولكن حتى التحديات الكبرى تنتظر. هل يمكن علاج السرطان؟ هل يمكن هزم الشيخوخة؟ هل هناك “نظرية كل شيء” ستشمل كل الفيزياء؟ هل يمكننا أن نعرف كل شيء؟

أحد حدود معرفة الناس هو: عملي. من الناحية النظرية، إذا رميت نردًا، قوانين نيوتن للحركة ستجعل من الممكن التنبؤ بعدد ما. ولكن الحسابات طويلة جدًا لكي تكون قابلة للإجراء. ما هو أكثر من ذلك، العديد من النظم الطبيعية، مثل الطقس هي “فوضى” أو حساسية لتغيرات صغيرة: دفعة صغيرة الآن يمكن أن تؤدي إلى سلوك مختلف تمامًا لاحقًا.

وبما أنه لا يمكن للناس القياس بدقة كاملة ف إنهم لا يستطيعون التنبؤ إلى حدٍ بعيد في المستقبل. المشكلة كانت مفصلة عن طرف إدوارد لورينز Edward Lorenz، عالم أمريكي في عام 1972 بورقة مشهورة تسمى: “هل رفرفة جناح فراشة في البرازيل تسبب إعصارًا في ولاية تكساس؟”

على الرغم من أنه لا يمكن توقع المستقبل، إلا أنه من الممكن أن الناس لا يزالون يأملون في الكشف عن قوانين الفيزياء. كما كتب ستيفن هوكينج Stephen Hawking في كتابه الأكثر مبيعًا عام 1988 “تاريخ موجز للزمان“، ”ما زلت أعتقد أن هناك سببًا للتفاؤل المشوب بالحذر، ونحن قد نكون بالقرب من نهاية البحث عن قوانين الطبيعة النهائية”.

ولكن كيف يمكن للناس معرفة متى وصلوا إلى هناك؟ لقد أخطأوا من قبل: لورد كلفن Lord Kelvin، عالم فيزيائي عظيم، أعلن بثقة في عام 1900: “ليس هناك شيء جديد يمكن اكتشافه في الفيزياء الآن”. وبعد بضع سنوات فقط، كانت الفيزياء تعج بالنظريات الجديدة للنسبية والفيزياء الكمومية.

تعرض فيزياء الكم حدودًا معينة على المعرفة البشرية، كما أنها تفترض وجود عشوائية أساسية أو عدم اليقين في الكون. على سبيل المثال، توجد الكترونات على أنها “دالة موجية “. ملأت الفضاء، ولا تملك موضعًا محددًا إلى أن تُلاحظ (مما يجعل الدالة الموجية “تنهار”) في نفس الوقت يبدو أن هناك حدًا مطلقًا لِكم من الممكن للناس أن تعرف.

وهذا ما يحدده مبدأ الريبة لهايزنبرغ Heisenberg، والتي تقول إن هناك شيء من المفاضلة بين معرفة موقف وزخم الجسيمات. إذن كلما علمت أكثر عن مكان تواجد الالكترون، كلما عرفت أقل عن الطريقة التي يذهب بها. حتى العلماء يجدون هذا غريبًا. وكما قال نيل بوهر Niels Bohr، عالم فيزياء دنماركي: “إذا لم تكون الفيزياء الكمومية قد صدمتك بشدة، فأنت لم تفهمها بعد.”

تحقق السيد دو سوتوي من هذه الحدود في جميع جوانب كتابه. فقد تحدث عن أصول الكون في الإنفجار الكبير واكتشاف الجسيمات دون الذرية (بدءًا من البوزيترون في 1930) واختفاء المادة والمعلومات في الثقوب السوداء. وهناك أيضًا تفاصيل رائعة عن الدماغ البشري حيث يتذبذب نقاشه بين بنية الخلايا العصبية ومشكلة الوعي.

في نهاية المطاف، تحول إلى مجاله الخاص من الرياضيات. إذا كان الناس لا يستطيعون معرفة كل شيء عن العالم المادي، إذن من الممكن على الأقل أن يعتمدوا على الحقيقة الرياضية؟ لكن حتى هنا، هناك حدود. وقد أظهر علماء الرياضيات أن بعض النظريات تحتاج براهين طويلة وأن الأمر قد يستغرق عمر الكون لإتمامها. ولا يوجد نظام رياضي مكتمل: كما أظهر كورت غودل Kurt Gödel، وهو عالم منطق نمساوي، في الثلاثينيات من القرن العشرين ،هناك دائمًا تصريحات صحيحة أن النظام ليس قويًا بما فيه الكفاية لإثباته.

إلى أين سيقودنا هذا الأمر؟ في النهاية، السيد دو سوتوي لديه رسالة متفائلة. قد تكون هناك أشياء لن يعرفها الناس أبدًا، لكن لا يعرفون ما هي هذه الأشياء. وفي نهاية المطاف، فإن الرغبة في معرفة المجهول هي ما يلهم بحث البشرية عن المعرفة، في المقام الأول.

ترجمة: شروق الخمسي

المصادر: 1