العلماء يسعونَ إلى حماية روّاد الفضاء من إشعاعات الفضاء المميتة

نتعرضُ بشكل يوميّ لأنشطة إشعاعية تأتينا من مصادر مختلفة، ابتداءً من الأطعمة التي نتناولها وانتهاءً بالأشعة السينيّة (X-rays)، حتى الهواء الذي نتنفّس.

فكثير من الإشعاع الموجود في الهواء مصدرهُ طبيعي، مثل الإشعاع الناتج عن التفاعلات النووية داخل الشمس، أو صناعي، مثل الإشعاع الناتج من المفاعلات أو القنابل النووية.

ويعد معدل مستوى الإشعاع الذي نتعرض له يوميًّا من تلك المصادر أقلّ بكثير من أن يسبب ضررًا لنا أو للكائنات الحيّة.

ترتفع نسبة الإشعاع الكوني القادم من المجرّات والنجوم الأخرى بشدة ما إن نبتعد عن الأرض، وذلك لأنّ المجال المغناطيسي للأرض يقوم بإعادة توجيه الإشعاع القادم باتجاه كوكبنا، وبذلك تدخل نسبة قليلة منهُ فقط داخل الغلاف الجوي للأرض.

ويشكل هذا المجال حزام (يعرف باسم حزام فان الن الإشعاعي) واقي يمتد لمسافة 36000 ميل حول الأرض.

يعدّ التعرّض للإشعاع أحد أهم المخاطر التي يتعرض لها روّاد الفضاء عند الخروج من الغلاف الجوي.

فهناك نوعين من الإشعاع المميت الذي يهدّد حياة روّاد الفضاء عادةً.

يعرَف النوع الأول بالإشعاع الكوني، ومصدرهُ تفاعلات نوويّة خارج المجموعة الشمسية، مثل الإشعاع الصادر من نجوم ومجرّات بعيدة، حيث يتكوّن من جسيمات مشحونة (مثل الإلكترونات والبروتونات) ذات سُرعات عالية تقارِب سرعة الضوء.

عند اصطدام تلكَ الجسيمات بمركب كيميائي لمادة معينة، تقوم تلك الجسيمات بتفكيك الأواصر الجزيئية للمركّب، وبذلك تقوم بتغيير بنية المادة.

أما إذا كانت المادة مكوّنة من سلاسل جزيئية طويلة كسلاسل الحمض النووي (DNA)، فإنّ هذه السلاسل تتفكّك بفعل تلك الجسيمات، وتتشكّل روابط جديدة عشوائية.

عند تعرّض جسم كائن حيّ كالإنسان لكمياتٍ كبيرة من الإشعاع؛ تتفكك كثير من سلاسل الحمض النووي داخل الجسم، مما يؤدي إلى تخريب الشيفرة الجينية محدثًا طفرات جينية وموت لخلايا الجسم بشكل نهائي.

تحاوِل شركات عدّة تطوير وتسويق تكنولوجيا في مختلف المجالات لتتيح فرصة السفر إلى الفضاء، لكن تعدّ مشكلة الإشعاع إحدى أهم المعوّقات التي يتوجب اجتيازها لتحقيق هذا الحلم على أرض الواقع.

قامَ مؤخّرًا مجموعة علماء من معهد ويك فورست (Wake Forest Institute) بدراسة تأثير الإشعاع الكونيّ على روّاد الفضاء، استخدموا فيها بيانات حقيقيّة مسجّلة خلالَ إحدى الرحلات إلى المرّيخ.

تتركز الدراسة حول تأثير الإشعاع على الأعضاء المكوّنة للدم، والتي تشمل نخاع العظم والطحال والعقد اللمفاوية والغدة الزعترية.

حيثُ قال كريستوفر بورادا (Christopher Porada) : «إنّ الدراسات التي أجريت على ناجين من آثار إشعاع القنابل النووية أثبتت أنّ تلكَ الأعضاء هي الأكثر عُرضةً للتلف نتيجة الإشعاع، وإنْ لم يتمّ حماية رواد الفضاء من الإشعاع الكونيّ، ستكون نسبة تعرّضهم للإصابة بأمراض اللوكيميا والسرطان عالية جدًا. ومن الجدير بالذكر أنّ نسبة الإشعاع الكوني الذي يتعرض إليه روّاد الفضاء خلال فترة قصيرة تكون قليلة، لكن التعرض للإشعاع خلالَ رحلة كاملة ممكن أن تدوم أكثر من سنتين، يزيد من نسبة خطر الإصابة».

كما أضاف بورادا: «بأّنّ فريق الباحثين يقوم بتطوير فيتامين على شكل حبوب يمكنها حماية روّاد الفضاء عن طريق استعادة أكثر من 75 بالمئة من قدرة الخلايا التالفة إذا ما استُخدمت قبل التعرض للإشعاع».

من جانب آخر عرَضت شركة ستيمراد الإسرائيلية، والتي تتخذ من تلّ أبيب مقرًّا لها، سترة جديدة من نوعها يمكنها حماية روّاد الفضاء من الإشعاع الكوني، حيث صممت السترة بأحجام مختلفة لتكون مناسبة لارتدائها لفترة طويلة.

كما أعلنت الشركة أيضًا أنّها ستقوم بتجربة السترة خلال مهمة (Exploration Mission-1) نهاية سنة 2018 والتي ستشمل تجربة مركبة ناسا الجديدة (Orion) التي لا تحتوي على طاقم، لكن ستحتوي المركبة على دمى تقوم ناسا باستخدامها لقياس نسبة الإشعاع الذي من الممكن أن يتعرّض لهُ جسم الإنسان.

هناك نوعٌ ثانٍ من الإشعاع، معروف بالإشعاع الشمسيّ، حيثُ يعدّ هذا النوع أخطر بكثير من الإشعاع الكونيّ.

يتكون هذا النوع من الإشعاع من بروتونات منبعثة من الشمس بطاقة عالية.

تعرُّضْ رواد الفضاء لهذا النوع من الإشعاع ممكن أن يسبب الموت، وإن كانَ لفترة قصيرة، لكن تتزامن نسبة هذا الإشعاع مع حدوث التوهّجات الشمسيّة، ويمكن لهذا النوع من الإشعاع أن يصيبَ الجهاز العصبي ويؤدّي إلى الشلل.

لكن تحاول ناسا تزويد مركباتها بحسّاسات لنسبة الإشعاع لتقوم بتحذير روّاد الفضاء في حال حدوث توهجات شمسية، والذي من الممكن أن يتيح لرواد الفضاء فترة زمنيّة كافية من 30 دقيقة إلى عدة ساعات لإيجاد ملجأ يمنع الإشعاع عنهم.

إنّ الحلّ الأمثل لمشكلة الاشعاع الشمسي هو محاولة توقّع حدوثها زمنيًّا، بذلك يتسنّى تحذير رواد الفضاء قبل حدوثها.

طُرُق حماية روّاد الفضاء من الإشعاع ممكن أن تكون خارجية، كاستخدام سُترة الحماية، أو داخلية كاستخدام حبوب تساعد على استعادة تركيب الخلايا.

كما يمكن حماية رواد الفضاء من الإشعاع عن طريق توقّع زمان حدوث التوهّجات الشمسيّة للتقليل من خطورة الإشعاع خلال رحلات الفضاء.

ترجمة: ياسر نوري

تدقيق لغوي: لؤي حاج يوسف

المصادر: 1