غوغل لايعطيك دون ثمن، ماهو تأثيره على قابليتنا على الحفظ والإبداع؟

لطالما كانت الذاكرة من الأشياء التي نسعى لتفسيرها وفهمهما بشكل أعمق لاكتساب قدرة أكبر على تذكر الأشياء. وفي سبيل ذلك – ومع تطور الطريقة التي يتواصل بها الناس- تطورت أيضًا الطرق التي يتذكر بها النَّاس الأشياء، ويتقاسم الناس خبراتهم ومعلوماتهِم المكتسبة في ما بينهم من أجل تحقيق ذاكرة متكاملة لا يشوبها شيء من النسيان أو الخطأ.

فمثلًا، إذا كنت طالبا يعتمد على زملائه في الاختبارات المدرسية، قد تتصل بصديقك الذي سيجلس بجوارك في الاختبار لتقُول له بنبرة خبيثة: ”أنا أذاكر الجزء الأول وأنت عليك بالثاني“!

بعد هذا العناء لا بد أنكما –معا- ستنسيان شيئا من هذه المعلومات، فعين الإنسان ليست كاميرا تسجل الصور وتحفظها، ولا ذاكرته بالحاسب الآلي الذي يحفظ المعلومات حفظا. ولكن مهلا، ما بالك إذا كان الحاسب الآلي هو ذلك الصديق الذي يشاركك المعلومات، أو إن شئت قل تشاركه معلوماته، فهل تعتقد أنه سيضل أو ينسى؟! لا أظن ذلك.

وبطبيعة الحال مع كل مستجد يطرح بخصوصه الأسئلة، فهذه الظاهرة قد نالت من الأسئلة ما استحقت، وللإجابة عليها قام الباحثون «بيتسي سبارو» و«جيني ليو» و«دانيال واجنر» بعدة تجارب على مجموعة من الناس.

في إحدى هذه التجارب عرض الباحثون على مجموعة بعض المعلومات البسيطة، وأخبروا نصف المجموعة فقط أن المعلومات سيتم تخزينها وحفظها، في حين لم يتم اخبار نصفها الآخر بأي شيء، وطلب من المجموعة بشكل عام حفظ هذه المعلومات في ذاكراتهم. لوحظ أَن نصف المجموعة الذي لم يتم اخباره أَن المعلومات سيتم حفظها كان معدل تذكره لها أعلى ممن قيل لهم أنها ستحفظ.

وقد استخلص الباحثون من هذه التجربة أننا نكون أسوأَ في التذكر عندما نطمئن بأن معلوماتنا قد تم الاحتفاظ بها من قبل طرف آخر، خاصة إذا كان ذلك الشريك هو الصديق المتذكر لكل شيء، فأنت لست بحاجة لتذكر تواريخ أعياد ميلاد أصدقائك بعد الآن لأن ذلك الصديق الأقرب فيسبوك سيذكرك في كل مناسبة، وكذلك لست بحاجة لحفظ قانون التربيع العكسي أو معادلات الحركة، وقد قالها آينشتاين صريحة حين سئل عن سرعة الضوء فأجاب أنه ما فائدة حفظ هذه المعلومات ما وجدت الكتب!

وكان ذلك بخصوص الكتاب وما أدراك ما عناء البحث بكتاب، لكنك الآن بصدد صديق تكاد لا تكمل نصف الكلمة حتى يخبرك بكل ما تطيب له نفسك!

وفي دراسة أخرى كان الهدف منها هو تحديد مدى خلط الناس بين ذاكرتهم الشخصية وذاكرتهم المعتمدة على الإنترنت، أو بشكل أدق المعلومة النابعة من الذاكرة الشخصية والنابعة من الإنترنت؛ قام الباحثون بوضع معيار مثلوه بسلم يبين مدى تقدير الناس لإمكانيات ذاكرتهم الشخصية، فمثلا الشخص الذي كان يقول بأنه ذكي وجيد في تذكر الأشياء كان يعتبر صاحب ثقة إدراكية عالية ويتم تصنيفه ووضعه في أعلى السلم؛ ومن ثم طلبوا من المجموعة الإجابة على بعض الأسئلة البسيطة سواء باستخدام الإنترنت أو بدونه ثم تقييم إجابتهم عن طريق ذلك السلم.

وقد وجد الباحثون أَن الثقة الإدراكية كانت أعلى بكثير لدى الناس الذين استعانوا بالإنترنت في الإجابة. ما يدعو للعجب هنا أنه وبالرغم من أن إجابات هؤلاء الناس كانت أقرب للنسخ واللصق من الإنترنت، إلا أنهم كانوا يظنون أن هذه المعلومات ما هي إلا نتاج إمكانياتهم الذهنية وليس الإنترنت، وكانوا يعتقدون أنهم أذكياء بالفعل لأنهم استطاعوا الإجابة على عدد كبير من الأسئلة بالرغم من أن هذه الإجابات كانت نتيجة لمجرد بحث بسيط على الإنترنت وليست من الذاكرة الشخصية.

وفي تجربة أخرى مشابهة قام الباحثون بعرض نتائج مزيفة على الذين لم يستخدموا الإنترنت حيث أشاروا إلى أن كل الإجابات كانت صحيحة، ومن ثم خلق إحساس بالرضا عن الأداء لدى جميع المشاركين باعتبار أن الجميع أعطى الإجابات الصحيحة، إلا أن الذين استعانوا بالإنترنت كانوا يشعرون وكأنهم أكثر ذكاء من البقية.

بالطَّبع لست بحاجة الآن لإخبارك بمدى كارثية هذه النتائج، بالتأكيد ليس لأن الإنترنت يوفر لك المعلومات التي تطلبها خلال ثوان معدودة، وبالتالي يخلق لدى المستخدمين وهم المعرفة؛ لكن لأنه يوهمهم بأنه أصبح ضمن أدواتهم الإدراكية الشخصية، وأنك تتقاسم معه الذاكرة كما كنت تفعل مع صديقك في الاختبار في ما يعرف بـ«منظومة الذاكرة التبادلية – transactive memory system»، أي تقسيم حفظ شيء ما مع شريك معين إلى أجزاء ومن ثم تجميع هذه الأجزاء مرة أخرى من أجل تذكر الصورة كاملة مما يخلق الشعور بالمعرفة حقا، وهذه المرة شريكك هو الإنترنت وبالتالي ربما لا تحوي ذاكرتك سوى معلومات قليلة أهمها أنك عالم بأشياء كثيرة!

وبمناسبة ذكر الوهم، فقد عرفت هذه التأثيرات والنتائج بـ«فقدان الذاكرة الرقمي – digital amnesia»، لكن المصطلح الأكثر شيوعًا هو «تأثير جوجل – google effect»، باعتبار أن ذلك الشريك العارف بكل شيء هو جوجل أو ما شابهه من محركات البحث على الإنترنت.

وبشكل أوضح، فإن تأثير جوجل هو الميل إلى نسيان المعلومات التي يسهل العثور عليها مرة أخرى عن طريق الإنترنت، لذا يصادفك نسيان بعض المعلومات التي قرأتها لكنك ربما تتذكر أين قرأتها، وقد تشعر أنك تتذكر هذه المعلومات جيدا.

ربما يبدو الأمر سيئا للوهلة الأولى، لكن بالفعل قد وجد أن له غير ميزة. على سبيل المثال، فإن تحرير الدماغ من أعباء حفظ المعلومات وتخزينها قد وفر قدرًا من الطاقة يمكن استغلاله في الإبداع والتفكر وما شابه ذلك. وما يمنع التهويل في الأمر أن الدراسة تقترح أن قدرة الناس على تعلم المعلومات الجديدة واكتسابها تظل ثابتة ما ابتعد الناس عن الإنترنت أو مصدر هذه المعلومات عموما.

لذلك من المهم دائمًا التفرقة بين المعلومات الموجودة في ذاكراتنا والمعلومات الموجودة فقطْ على الإنترنت والمصادر المختلفة حتى لا نكون كالواهم بالمعرفة أو المغرور الفرح بما ليس لديه. وإن كنت على وشك دخول اختبار ما، فابتعد عن مصدر معلوماتك واختبر ذاكرتك، وبالطَّبع دع صديقيك –كليهما- في شأنه!

المصادر: 1 - 2 - 3 - 4