أستخدام الفيروسات كأخر الأسلحة القاتلة للبكتيريا في معجزة علمية تنقذ حياة أحد المرضى بعد فشل جميع المضادات الحيوية المتوفرة

العلاج بالعاثيات (الفيروسات الحالة للبكتيريا) Bacteriophage therapy للمريضين على فراش الموت والمصابين بعدوى جراثيم الراكدة البومانية المقاومة للعديد من الصادّات الحيوية MDR Acinetobacter baumannii
تظهر الصورة السابقة الفيروسات الحالّة للبكتيريا (باللون الأخضر) وهي تهاجم البكتيريا (باللون البرتقالي).

التعريف عن العاثيات “الفيروسات الحالّة للبكتيريا”:

مستمدّة من الكلمات اليونانية بمعنى “آكلة البكتيريا”، العاثيات واسعة الانتشار،على الأرض وفي الماء، وتُوجد أينما توجد البكتيريا، يُقدَّر أنّ هناك أكثر من 1031 فيروس حالّ للبكتيريا على هذا الكوكب، هذا عشرة ملايين تريليون تريليون،أيّ أكثر من عدد أيّ كائن حيّ على الأرض، بما في ذلك البكتيريا، مجتمعة.تسبّب العاثيات تريليون تريليون حالة عدوى ناجحة في الثانية وتدمّر ما يصل إلى 40% من الخلايا البكتيرية في المحيط كلّ يوم.

توجد الآلاف من الأنواع العاثويّة، تطوّرت كلّ منها بحيث تصيب نوع واحد فقط أو أنواع قليلة من البكتيريا. العاثيات مثل باقي الفيروسات، فإنّها لا يمكن أن تتكاثر ذاتياً، ولكن يتمّ ذلك عن طريق الجهاز التناسلي للخلية المضيفة (البكتيريا). للقيام بذلك، فإنها ترتبط بالبكتيريا وتقوم بإقحام مادتها الوراثيّة ثم تدمّر الخلية وتبقيها مقسومة ومفتوحة لتقوم بتحرير جسيمات فيروسيّة جديدة لمواصلة هذه العمليّة، من دون التأثير على الخلايا الأخرى في جسم الكائن الحيّ، على هذا النحو يمكن اعتبار العاثيات “الدواء” الوحيد القادر على التضاعف عندما تتمّ عملها، تُطرح من قبل الجسم.

فكرة استخدامها علاجيّاً ليست جديدة كانت قد تمّ وصفها منذ قرن من الزمن، كان العلاج بالعاثيات شائعاً في العشرينّيات و الثلاثينات من القرن العشرين لعلاج أنواع متعددة من الالتهابات والحالات ، ولكن النتائج كانت تفتقر إلى الاثبات العلمي، دفعَ ظهور المضادات الحيوية في الأربعينيّات إلى تنحّي العلاج بالعاثيات جانباً، باستثناء أجزاء من أوروبا الشرقية والاتحاد السوفياتي السابق، حيث ظلّ هذا العلاج موضوع البحث النّشط.

“عندما أصبح واضحاً أنّ كل المضادات الحيوية قد أخفقت في العلاج، أنّ توم (مريض خضع للتجربة كون حالته حرجة جداً) يُمكن أن يموت، سعينا إلى تطبيق دوائي طارئ جديد قيد الدراسة من قبل إدارة الغذاء والدواء ( FDA) لتجربة الفيروسات الحالة للبكتيريا”، هذا ما صرّح به المؤلف الرئيسي Robert Schooley، أستاذ في كلية الطبّ، رئيس قسم الأمراض المعدية في مدرسة الطبّ في سان دييغو والطبيب الأساسي في هذه الدراسة.

يتابع القول: “على حدّ علمنا، هو أوّل مريض في الولايات المتحدة مصاب بهذه العدوى الجهازيّة السّاحقة ليتمّ علاجه بهذه الطريقة باستخدام الفيروسات الحالة للبكتيريا وريدياً، مع هذا النهج باستخدام البكتيريا الوريدية ومع كونه في غيبوبة مقترباً من الموت، تعافى جيداً بما فيه الكفاية للعودة إلى العمل.

بالطبع، إنه مريض واحد فقط، حالة واحدة، نحن لا نفهم تماما إمكانيّات وحدود العلاج السريري بالفيروسات الحالة للبكتيريا، ولكنها قصة غير مسبوقة وملحوظة، ونظراً للتهديد الصحّي العالميّ للبكتيريا المقاومة للأدوية المتعددة، هذا أمرٌ مهمّ يجب أن نتبعه”.

الحالة المرضيّة وتفاصيل العلاج:

القصة بدأت في آخر عام 2015, Tom Patterson, ذو 699 عاماً, أستاذ في قسم الطبّ النفسيّ في مدرسة الطبّ في سان دييغو, و زوجته Steffanie Strathdee حاصلة على شهادة الدكتوراه ورئيسة قسم الصحة العامّة العالميّ في قسم الطبّ، كانوا يقضون عطلة عيد الشكر في مصر عندما مَرِضَ باترسون، بدأ يعاني من ألم في البطن, حُمّى, غثيان, إقياء وتسرّع في دقّات القلب، الأطبّاء المحليون شخّصوا حالته على أنه مصاب بالتهاب في البنكرياس pancreatitis، لكنّ العلاج التقليديّ لم ينجح.

ازدادت حالة باترسون سوءاً وتمّ نقله إلى مدينة فرانكفورت في ألمانيا في 3 كانون الأوّل 20155, حيث اكتشف الأطباء كيسة كاذبة بنكرياسيّة pancreatic pseudocyst، والتي هي عبارة عن تجمّع للسائل المحيط بالبنكرياس، تمّ بزل السائل وزرعت مكوّناته، تبيّن بعد نتائج الزرع أنّ باترسون مصاب بعدوى مُسبَّبة من قبل سلالة من الجراثيم المقاومة للصّادات الحيوية تُدعى Acinetobacter baumannii، والتي تعدّ عاملاً ممرضاً انتهازياً غالباً ماتكون مميتة، هذه البكتيريا أحدثت مشكلة خاصّة في مراكز المستشفيات وفي الشرق الأوسط مع عودة العديد من المحاربين القدامى والجنود المصابين إلى الولايات المتحدة مع حالات متكرّرة من هذه العدوى.

كان باترسون في حالة مأساويّة إذ كان بطنه متضخّماً من قبل الكيسة الكاذبة المليئة بالجراثيم المقاومة الراكدة البومانية A. baumaunnii وكان قد ارتفع عدد كريات الدم البيضاء لديه , وهذا علامة على انتشار العدوى حاول الأطباء تركيبات مختلفة من المضادات الحيوية مثل تركيبة مشتركة تتضمّن: ميروبينيم meropenem, تيجيسيكلين tigecycline و كوليستين colistin، هذه التركيبة تعدّ الخيار الأخير في العلاج لأنها غالباً ما تسبّب تلف كلوي من بين الأثار الجانبية الأخرى، كان قد تطوّر لديه فشل الجهاز التنفسي وانخفاض ضغط الدم وهذا تطلّب التهوية والعلاج الطارئ المستمرّ.

كما أصيبَ بالهذيان على نحو متزايد، عندما سقط في غيبوبة في منتصف كانون الثاني، كان أساساً على قيد الحياة بفضل الأجهزة الداعمة، في نهاية المطاف أعلنَ سكولي بأنّه لم يعد هناك أيّ مضادات حيوية لم تُجرَّب، تبيّنَ أنّ البكتيريا المُصاب بها مقاومة لكلّ هذه الصادّات الحيوية!

استذكرت ستراثدي الزملاء الذين يتساءلون بصوتٍ عالٍ إذا كانت مستعدة لموت توم,لكنّها لم تكن! في مشفى ثورنتون، بدأ باترسون بالتماثل للشفاء وانتقل من وحدة العناية المشدّدة إلى جناح عادي، ولكن قبل يوم واحد من إخراجه المُقرَّر إلى دائرة الرعاية الحادّة طويلة الأمد,حدث ارتشاح داخلي أدّى إلى تسرّب البكتيريا إلى بطنه ومجرى الدمّ، تعرّض باترسون لصدمة انتانية مباشرة.

بدأ قلبه بالتسرّع. لم يكن يستطيع التنفس. أصيبَ بالُحمّى وهذا يؤدّي إلى وقوعه في غيبوبة قد تستمرّ لأكثر من شهرين، في الحقيقة, كان يحتضر!

يقول باترسون: ” هذه فترة من حياتي لا أودّ تذكّرها. كان هناك الكثير من الألم الذي يفوق القدرة على تحمّله، أنا سعيد إذا لم أتذكّر ذلك.”

لم تكن زوجته ستراثدي غريبة عن رُعب هذا المرض, كونها عالمة الأوبئة المعدية و مديرة مؤسّسة الصحّة العامّة العالمية التابعة لـ سان دييغو، كانت قد مارست عملها حول العالم من الهند إلى أفغانستان وإلى المكسيك، في محاولة منها إلى تقليل الإصابة بفيروس الإيدز HIV ومعدّلات الوفيات.

قالت: “وصلنا إلى نقطة حرجة عندما كان باترسون يضعف ويضعف، ولم أكن أريد أن أخسره!”، بدأت ستراثدي إجراء البحوث، ذكر أحد الزملاء أن أحد الأصدقاء قد سافر إلى تبليسي في جورجيا لكي يخضع إلى “العلاج بالفيروسات الحالة للبكتيريا” لكونه في حالة صعبة، وأنه “شُفِيَ بأعجوبة”. وقد كانت ستراثدي قد درست عن هذه الطريقة في العلاج عندما كانت طالبة، لكنها لم تكن جزءاً من العقيدة الطبية السائدة. توجّهت إلى من هم في مجتمع البحث الفيروسيّ البكتيريّ، وزميلها تشيب سكولي للمساعدة، مع تضاؤل الخيارات، ذهب سكولي وزملاءه بحثاً عن المساعدة، وجدوا عدة باحثين مستعدّين لتقديم المساعدة، ثلاث فرق امتلكت عاثيات مناسبة كانت نشطة ضد العدوى البكتيرية الخاصّة المُصاب بها باترسون.

قام فريق بحث في جامعة ولاية سان دييغو، برئاسة عالم البيئة الميكروبية فوريستر روهر Forest Rowher، بتنقية عيّنات من العاثيات لاستخدامها سريرياً، مع الموافقة الطارئة من إدارة الغذاء والدواء (FDA)، قدّم كلّ مصدر سلالات عاثوية لأطباء سان دييغو لعلاج باترسون، مع عدم وجود ضمان بأنّ أيّ من هذه السلالات قد تنجح في العلاج فعلياً.

بدأ العلاج في 15 آذار 20166، مع تركيبة مكونة من أربعة عاثيات, تمّ ضخّها من خلال القسطرة عبر تجويف البطن في الكيسة الكاذبة، إذا لم يقتله العلاج، فالفريق الطبي خطّط لحقن العاثيات عن طريق الوريد، لتمرّ عبر مجرى الدم وصولاً إلى العدوى المنتشرة في جميع أنحاء جسده، وعلى حدّ علم أطباء باترسون، لم يسبق أن جُرِّبَ هذا العلاج من قبل, إذ عادةً ما يُطبَّق العلاج بالعاثيات موضعيّا أو فموياً، وهذا الأمر الذي لم يتم القيام بها في عصر المضادات الحيوية في الولايات المتحدة.

بعد يومين، تمّ حقن العاثيات وريدياً، كانت هناك مخاوف حول انتاج الذيفان الداخلي بشكل طبيعي من قبل العاثيات، لم يكن أحد يعرف ما يمكن توقّعه، ولكن باترسون تحمّلَ العلاج بشكل جيّد، في الواقع لم تظهر لديه آثار جانبية سلبيّة.

بعد 33 أيام من بدء العلاج بالعاثيات وريدياً، استيقظ باترسون فجأة من الغيبوبة! سُرعان ما فُصِلَ بعدها باترسون عن جهاز التنفس والأدوية المنظمة لضغط الدم، وفي أوائل شهر أيار، تمّ إيقاف باترسون عن تناول المضادات الحيوية. بعد مرور شهر، لم يكن هناك أيّ دليل على وجود جرثومة A. baumannii في جسده.

مرحلة ما بعد العلاج:

لم يكن التعافي سهلاً وثابتاً تماماً، إذ كانت هناك انتكاسات لا علاقة لها بالعاثيات، وكان باترسون، وهو رجل قويّ سابقاً، قد تغذّى عن طريق الوريد لعدة أشهر في المستشفى وفقد 100 رطل، معظمه في العضلات طالبَ بإعادة التأهيل البدنيّ المكثّف لاستعادة القوّة والحركة، قال باترسون: “ليس الأمر كما في الأفلام حيث يستيقظ المرء من الغيبوبة, يلتفت حوله وينهض من السرير إلى الحياة بشكل طبيعي، بل في الحقيقة تكتشف أنّ جسدك لا يعمل بشكل صحيح بعد ذلك، كما تشعر بأنّ أجزاء من دماغك تبدأ العودة إلى الحياة”. ومع ذلك، وصف باترسون هذه التّجربة بـ “المعجزة”.

ومع ذلك، فإنّ العلاج اللاحق لن يكون سهلاً، فقد كانت هناك نوبات من الإنتان، ومضاعفات مهدّدة للحياة ناجمة عن العدوى واسعة النطاق. وعلى الرغم من التحسّن، ظلّت حالة باترسون محفوفة بالمخاطر.

اكتشف الأطباء أنّ البكتيريا طوّرت لاحقاً مُقاومة للعاثيات، هذا ما وصفه سكولي بالـ “الرّقص الدارويني المتكرّر the recurring Darwinian dance”, ولكنّ الفريق الطبّي عوّض ذلك عن طريق التغيير والتبديل المستمرّ مع سلالات جديدة من البكتيريا – بعضها استُخرِجَ من مياه المجاري – وأيضاً المضادات الحيوية، قال ثيرون هاميلتون، رئيس علم الجينوم والمعلوماتية الحيوية في مديرية بحوث الدفاع البيولوجيّ : “أحد أهداف NMRC هو تزويد الجنود المصابين بعدوى الجراثيم المقاومة خيارات إضافية مضادّة، لذا شهدنا تجربة جيّدة لتقديم مزيج مضادّ فعّال من أجل الدكتور باترسون، من الواضح أننا مسرورون بالنتيجة ونأمل أن تزيد هذه الحالة من الوعي بإمكانية تطبيق هذا العلاج في الحالات الصعبة مثل هذه الحالة”.

وصرّح سكولي: “كوني طبيباً، كان ذلك تحدّياً، عادة يجب أن تعرف مقدار الجرعة المعطاة وعدد مرات استخدامها في العلاج، تحسّن العلامات الحيوية هو وسيلة جيدة لمعرفة أنّك تحرز تقدّماً، ولكن عندما تفعل ذلك لأول مرة، لا يكون لديك أي شيء للمقارنة. لقد تمّ عمل الكثير حقاً خلال هذه المسيرة، حصد ثمار العمل السّابق، حدسنا الخاصّ حول كيفية عمل هذه العاثيات والمشورة من الناس الذين كانوا يفكرون في هذا الطريقة من العلاج لفترة طويلة”.

يرى المؤلفون أنّ هذه التجربة يمكن أن تكون حافزاً آخر لتطوير علاجات جديدة ضدّ الميكروبات المقاومة للمضادّات الحيويّة والتي تشكّل خطراً عالمياً متنامياً، والتي تقدر حيث تقدّر منظمة الصحة العالمية (WHO) أنها ستقتل ما لا يقلّ عن 50 مليون شخص سنوياً بحلول عام 2050. استناداً إلى نجاحها, من المتاح استكشاف خيارات لمركز جديد للمضي قدماً في البحث وتطوير العلاجات القائمة على الفيروسات الحالة للبكتيريا.

المصادر: 1