التطور يحدث أمام أعيننا مجدداً

في الخامس عشر من سبتمبر عام 1835 وضع داروين خطاه الأولى على جزيرة الكالابكوس، والتي كانت من ضمن رحلته البحرية التي دامت خمس سنوات لغرض البحث وتطوير نظريته عن التطور بواسطة الإنتخاب الطبيعي. أثناء ترحاله في جزر الكالابكوس لاحظ داروين أنواع عديدة من الطيور الفريدة من نوعها والتي كانت تنتمي إلى نفس الفصيلة ولكن الغريب في الأمر أنها كانت تختلف بعضها عن بعض!

نعم على الرغم من انتمائها إلى الفصيلة نفسها ولكنها كانت مختلفة فيما بينها بسكلٍ ملحوظ جداً، هذه الطيور تسمى الآن بـ (طيور داروين)، ساعدته في فهم كيفية حدوث آلية التطور بواسطة الإنتقاء الطبيعي وكيفية تطور الفرد من نوعٍ معين إلى أفرادٍ من أنواع مختلفة.

بعد أكثر من 150 سنة، في عام 1981، قامت البروفيسور بير والبروفيسورة روزميري كرانت بحمل ابحاثهم وأفكارهم والذهاب إلى منطقةٍ تقع في الإكوادور تسمى بمنطقة Daphne Major وهي تعتبر إحدى أجزاء جزر الكالابكوس. لقد قاموا بوضع الشباك المضللة لالتقاط الصور ودراسة التعداد السكاني لطيور داروين على هذه الجزيرة. ولكنهم لاحظوا شيئاً غريباً!

لقد رصدوا نوعاً مختلفاً من الطيور كان هذا الذكر يتميز عن أقرانه بكبر حجمه واختلاف نغماته الموسيقية. اعتقدوا بأن هذا الطير قد جاء من جزيرة أخرى ولكن من أين بالتحديد؟! لا أحد يعلم.

على العموم، تزوج هذا الطير من أنثى تعيش على الجزيرة كما راقب العلماء على مدى الـ36 سنة الماضي تطور ونشوء هذا النسل الجديد جاعلين لهم شجرة عائلة خاصة بهم مستخدمين الشيفرات الوراثية لهذه الطيور.

بعد استمرار الأبحاث والمراقبة أعلن العلماء بأن نوعاً هجيناً من الطيور قد ظهر على سطح الأرض في المجلات العلمية.

عادةً، عندما يحدث تزاوج بين أنواعٍ مختلفة من الحيوانات سيتم انتاج كائنٍ جديد ليست له القابلية على الإنجاب. على سبيل المثال: عندما يحدث تزاوج بين الحمار والحصان فانهما سينجبان بغلاً ولكن هذه البغل ليست له القدرة على انجاب بغالٍ آخرى، أي بمعنىً آخر (إذا حصل تزاوج بين أفراد مختلفة في النوع فإن الكائن الجديد الناتج عن هذا التزاوج سيكون عقيماً).

ولكن في بعض الأحيان يستمر النسل بين الحيوانات المهجنة دون حصول عقمٍ لديها وبذلك تنشأ سلسلة جديدة من الحيوانات لم تكون موجودة من قبل وتظهر إلى الوجود وتشغل مكاناً في الشجرة التطورية مع معرفة نسلها وأصلها وجذورها.

بواسطة تحليل الـDNA إستطاع الباحثون تتبع أصل هذه الذكر الذي ذكرنا بأنه كان يختلف عن باقي طيور الجزيرة بصوته وحجمه، أن هذا الطير هو ( عصفور الصبار الكبير ) حيث تمكن هذا الطير من الطيران إلى هذه الجزيرة وقطع مسافة 100 كيلو متر للوصول إليها من موطنه الأصلي. حصل التزاوج بينه وبين عصافير الجزيرة متوسطة الحجم وأنجب من الأنثى أربع أجنة منهم إبنة واحدة وأربعة ذكورٍ ليحصل التزاوج بينهم مرةً أخرى فينتجون سلسلة جديدة من الطيور سميت بالـطيور العملاقة.

قال الباحثان روزميري وبيتر بأن لديهم خصائص فريدة من نوعها، يمتلك هذا النوع الجديد من الطيور حجماً اكبر ومنقاراً مختلفاً عن أقرانه الأربعة المتواجدين على الجزيرة. يمتلك نظاماً غذائياً متنوعاً ولديه كفائة عالية في ثقب البذور. ضع جميع هذه الصفات في كائنٍ بسيط وستجده يحتل مكاناً مهماً في النظام البيئي.

مع ذلك فإن الباحثين لم يتيقنوا لهذا الحدث بعد، فهم لا يتوقعون استمرار هذا النسل لفتراتٍ طويلة، مازالت المراقبة والدراسات مستمرة.

على الرغم من ذلك يبقى، هذا الحدث قائماً ليخبرنا بأن التطور حقيقة وهو يحصل أمام أعيننا حتى وإن انقطع نسل هذه الطيور بسبب زواج الاقارب المستمر بينهم فإنه سيبقى دليلاً للناشئة بأن التطور حقيقة علمية يجب علينا التوقف عن محاربتها والعمل على توسيع مجالنا الفكري والعلمي قبل التعصب والانحياز.

ترجمة: علي محمد

تدقيق علمي: حسام عبدالله

المصادر: 1