كيف تضع حداً لتفكيرك الكارثيّ (التشاؤمي)

تعلم الإستجابة بمهارة للتشوه المعرفي الكارثيّ

تعتبر التشوهات المعرفية بأنها أخطاء في التفكير. وتشير العبارة إلى أفكارنا اللاعقلانية والمبالغ فيها: الأفكار التي لا أساس لها في الواقع، ولكننا بكل الأحوال نؤمن بها. بعدها تصبح هذه الأفكار المشوهة أرضيةً خصبةً للعواطف المتوترة. والنتيجة تكون القلق وتقويض قدرتنا على الشعور بالرضا عن الحياة أو عن أنفسنا. في شهر إيلول عام 2014، كتبت منشوراً بعنوان “كيف للتفكير المشوه أن يزيد التوتر والقلق”. لربما قد ترغب بإلقاء نظرة عليه (1). وأحد هذه التشوهات يسمى الكارثيّة وهو موضوع هذا المقال.

تدعى الكارثيّة أيضا بـ”التعظيم أو التضخيم”. وذلك طريق جيد للتفكير بها كونها تركز على كيفية تضخيمنا للأمور غالباً بشكلٍ غير متناسب، وحلمنا بسيناريوهات كابوسية نؤمن بها جزافاً من دون محاكمة.

السهمان الأول والثاني

الكارثيّة مثال عن الأفكار (والمشاعر التي تثيرها) والتي أسماها بوذا “السهم الثاني”. يشير السهم الأول إلى تلك التجارب المألوفة وغير الموفقة والتي هي جزء لا مفر منه في الحياة اليومية، بدءاً من الأمور المادية (احتراق المصباح الضوئي عند إشعاله) إلى التجارب البغيضة الأكثر عمقاً (الاستيقاظ المزعج بسبب ألم مزمن). بإمكاننا وضع قائمة لكل من تجاربنا المندرجة تحت “السهم الأول”. بعض الأيام نتعارك معها، مرةً أخرى من الأدنى نسبياً (مشكلة في كمبيوتر) إلى الأعظم (فقدان وظيفة … أو صديق). الحياة صعبة بما يكفي فقط للتعامل مع السهم الأول، وهذا أمر مؤكد.

السهم الثاني غير ضروري ولا لزوم له. وإليك كيفية تشكله. نحن نختبر خيبة السهم الأول، ولكن بدلاً من مجرد الاعتراف بوجوده و محاولة جعل الأمور تسير على نحو أفضل إن أمكن ذلك ( كتغيير المصباح الكهربائي على سبيل المثال، وأخذ حمام دافئ لمحاولة تخفيف الألم الجسدي)، تجدنا ننخرط في تيار من الأفكار والعواطف المتوترة حول تجربة “السهم الأول” غير الموفقة. بالرغم من أن بوذا لم يستخدم كلمة كارثيّ، إلا أنها مثال لكيفية إطلاقنا السهم الثاني على أنفسنا باختلاق سيناريوهات أردأ عوضاً عن الاهتمام بشؤوننا الآنية فحسب. بعبارة أخرى، نجعل الأمور تكون أسوأ بالنسبة لنا.

إن الأمر هو كما لو أننا ننظر إلى تجربة بغيضة بواسطة مجهر، بالتالي تبدو وسيلة غير متناسبة معنا. لقد استخدمت مثال احتراق المصباح الكهربائي لأنها تجربة تافهة. ومع ذلك، حين تحدث معك، كم من مرة تقول بدون هيجان: “أوه حسنا، مصباح وقد احترق. ما من مشكلة كبيرة، سأقوم بتبديله فحسب”؟

إذا كنت مثلي، عندما ستواجه تجربة كريهة، ستميل إلى إضافة رد فعل سلبي، والذي قد لا يرتقي دائماً إلى مستوى الكارثيّة، ولكن إذا ما أُخذ ذلك بهذا الشكل: “لماذا تحترق المصابيح الكهربائية دائماً معي؟ من المحتمل أن يحترق المصباح الجديد في غضون أيام قليلة – ومعي مرة أخرى”. هذا هو السهم الثاني، تضخيم التجربة غير الموفقة وجعلها تصبح كارثة، وهذا ما يفقدنا الشعور بالسلام في حياتنا.

بعد كل شيء، إذا بدّلنا المصباح الكهربائي بحذر – مع أخذ الحيطة بشكلٍ كبير لدى الحصول على مصباحٍ جديد، ثم فك المصباح القديم، ثم تركيب الجديد، وربما أيضاً أخذ لحظة للتفكير في مفاجئات التيار الكهربائي – فقد نستمتع بهذه الخبرة.

وماذا عن هذا “السهم الأول” وهو التجربة المزعجة للاستيقاظ المنفر مع الألم المزمن؟ بدلاً من الحفاظ على الهدوء والانتظار لمعرفة ما إذا كان الألم سيخف مع تقدم النهار، نجد ميلاُ إلى الكارثيّة من خلال إقناع أنفسنا بأن هذه هي طبيعتنا الجديدة. نقول لأنفسنا: “إن هذا الألم لن يفارقني، سأكون شقياً لبقية حياتي”. هذه هي تجربة السهم الثاني، وليس من المستغرب بأن تميل لتكون مصدراً للتوتر والقلق.

يبدو من خلال العادات التي قمنا بتطويرها في حياتنا بأننا بارعون جداً في جعل أنفسنا أكثر بؤساً عن طريق تضخيم خيبات الأمل والإحباطات التي نعانيها حتى تبدو وكأنها كوارث. مثال بسيط آخر، تعلمت بعض قطب التطريز الجديدة. قبل عدة أشهر، كنت أطرز رسمة مائية وأردت استخدام “قطب كريتية” لتطريز شكل الأسماك. ولكنني لم أتمكن من ذلك. كل سمكة كانت تبدو مخيفة. فبدلاً من الشعور بالتعاطف لمدى صعوبة هذا الأمر، بدأت بنسج قصص لاعقلانية عن محاولاتي: “لن أعرف أبدا هذه القطبة. من الأفضل أن أرمي تلك القطعة بعيداً” إنها الكارثيّة.

كيف نوقف الميل إلى الكارثية

لقلب ميل الاتجاه نحو الكارثية، تمعن جيداً في تجربتك. ابدأ بتذكير نفسك بأن التجارب غير الموفقة – سير الأشياء بعكس إرادتنا- إنما هي جزء لا مفر منه في الحياة. كما أن إعادة صياغة أفكارك بشأن أي تجربة غير موفقة تهدد بإطلاق السهم الثاني. بالعودة إلى الأمثلة السابقة، ذكر نفسك بأن الجميع يحتاج تبديل المصابيح الكهربائية أحيانا وذلك ليس بالأمر المهم.

ذكر نفسك أيضاً بأن الألم الذي تشعر به في هذا الصباح لا يعني أنك سوف تعانيه كل صباح. كل شيء يتغير، بما في ذلك مستويات الألم. ذكر نفسك بأن بعض قطب التطريز صعبة التعلم. وإلى جانب ذلك، فإن رسمة مائية لا يجب أن تكون دائماً سمكة- بإمكانك خياطة سرطان البحر.

وبعبارة أخرى، ضع حداً لهذا النوع من التفكير المشوه بإدراكك أولا بأنك ستنخرط فيه، ومن ثم واجه هذا التفكير باعتماد وجهة نظر معقولة لما يجري. حتى أنني أحياناً أخاطب نفسي قائلاً: “قف! أنت تتجه نحو الكارثيّة مرة أخرى، وذلك فقط سوف يجعل الوضع السيء أكثر سوءاً. قل بلطف: “قف!”. يمكن لمثل ذلك أن يقطع ميلك للبدء باختلاق تلك السيناريوهات الأسوأ أي “السهم الثاني”.

أنا لا أقول بأن هذا سيكون سهلاً دائماً. ربما تكون قد نشأت على عادة حياتية وهي تضخيم الأشياء بشكل غير متناسب وافتراض الأسوأ وبالأخص عن ذاتك. الأمر الجيد هو بأن العادات يمكن أن تتغير، والخطوة الأولى هي بأن تدرك كيف كنت تجعل الحياة أكثر صعوبة لنفسك عن طريق تضخيم التجارب غير الموفقة وتعظيمها أكثر من اللازم.

أقترح البداية بالأمور الصغيرة – ربما مع هذا المصباح الكهربائي أو مع أي شيء آخر قد أسقطته. أفضل ما تفعله هو الحفاظ على الهدوء وعدم السير مباشرة تجاه المبالغة والكارثيّة للتجارب الطفيفة غير الموفقة (“دائما أنا أسقط الأشياء ودائما ستسقط”)، الأسهل هو المحافظة على سلامك الداخلي عندما تصيبك أقسى السهام الأولى.

ترجمة: فيليب العايق

تدقيق علمي: حسام عبدالله

المصادر: 1