علِموا الطلاب المناهج العلمية المواكبة لزمانهم

يعتبر التعليم ركيزة أساسية في تطور ونهوض الأمم، إذ أن التعليم يصاحب الطالب منذ نعومة أظافره وصولا إلى المرحلة الجامعية. التعليم يشكل عقل الإنسان وقيمه وطريقة تفكيره وكيفية نظرته للأمور وتعامله مع الآخر.

ويقول خبراء في مجال التعليم إن “الهدف من العملية التعليمية هو مساعدة الطالب على فهم واستيعاب ما يتعلم ليتمكن من تطبيقه مستقبلا”. ويظهر من هذا التعريف أن ما يرمي إليه التعليم هو تسليح الطالب بما يلزمه من معرفة ومهارات تمكنه من تحقيق أهدافه الحياتية ومواكبة التطور العلمي العالمي، فإن لم يحقق التعليم له ذلك فهناك حاجة إلى تطويره.

وتتضح أهمية المناهج الدراسية في حياة الأمم والشعوب، مع التغييرات التي تطرأ على تلك المناهج مع تغير الأنظمة السياسية بها. فتحرص دائما النظم الجديدة على تغيير المناهج الدراسية بما يتناسب مع توجهها الجديد.

فتعمل دول الاحتلال على تغيير المناهج الدراسية في الدول التي تسيطر عليها، ونفس السلوك يحدث مع خروج الاحتلال، إذ يعمد النظام الوطني الجديد إلى تغيير المناهج من أجل إضفاء صبغة جديدة على فكر النشأ.

وإذا تتبعنا بعض الدول الأسيوية التي شهدت نهضة حديثة، مثل كوريا الجنوبية وماليزيا وسنغافورة، سنجد أن السمة المشتركة في تلك الدول جميعها هو اهتمامها بالتعليم وتعديل مناهجها الدراسية بشكل جعلها تواكب الحداثة والنهضة العلمية العالمية.

ونفس الشيء إذا أجرينا مقارنة بين المدارس الحكومية والخاصة داخل نفس الدولة، سنجد أن الاختلافات بينهما تتمحور حول ثلاثة عناصر رئيسية هي المنهج الدراسي وأسلوب تدريسه إضافة إلى كفاءة القائمين على المؤسسة التعليمية.

قال الدكتور كمال مغيث، الكاتب والباحث في المركز القومي للبحوث التربوية بالقاهرة، هناك قصور في مناهج التعليم، وما نشاهده من ظواهر مجتمعية، كازدياد العنف والتطرف الديني والتعدي على حقوق الإنسان، يؤكد هذا القصور.

ويضيف مغيث أن “التعليم في معظم الدول العربية مركزي يهدف إلى الترويج لوجهة نظر الحاكم ويعمل على إعداد مواطنين ضعفاء وغير فاعلين ولا يملكون رؤية”.

ويرجع مغيث، ضعف المناهج التعليمية إلى ثلاثة أسباب: “أولها، الإرادة السياسية وعدم رغبة الأنظمة الحاكمة في مواطنين فاعلين وناقدين لها. وثانيها، ضعف الإمكانيات والموارد المالية. وثالثها، تدهور المهارات والكفاءات، إذ أن المناهج العلمية الحديثة تحتاج إلى معلمين وأخصائيين يستطيعون التعامل مع تكنولوجيا العصر”.

وفي ذات السياق، يقول منتقدو المناهج التعليمية العربية إنها تهتم أكثر بحشو عقل الطالب بالمعلومات وتركز على ملكة الحفظ مع إهمال ملكات الفهم والنقد وإيجاد الحلول البديلة. ويؤكد هذا الفريق أن تلك الطريقة لا تنتج عقلية تستطيع مواكبة الحداثة العالمية وأن خريج هذه الأنظمة التعليمية لا يمكنه المنافسة على المستوى العالمي.

ويضيف هؤلاء أن ضعف المنهج الدراسي سمة مشتركة في كثير من المناهج الدراسية العربية. إذ يشكو الطلاب من مناهج طويلة لا تتناسب مع مدة الفصل الدراسي، إضافة إلى معلومات ونظريات قديمة لا تواكب التطور الحديث مع عدم جاذبيتها للمتلقي.

في المقابل، يرى فريق آخر أن تطوير المناهج الدراسية عملية مستمرة تستغرق الكثير من الوقت وأن الدول العربية بدأت بالفعل في تطوير مناهجها لكن وتيرة التطور قد تختلف من دولة إلى أخرى على حسب الإمكانيات المالية والبشرية المتاحة. ويضيف أنصار هذا الرأي أنه لا يمكن مطالبة حكومة دولة يعيش أكثر من نصف سكانها تحت خط الفقر بالتركيز على تطوير المناهج الدراسية بشكل سريع، وضخ كم كبير من الأموال في ظل وضع اقتصادي مزر وجوع منتشر.

ونظرا لأهمية التعليم، أنشأت منظمة اليونيسكو عام 1925، مركزا متخصصا في التعليم تحت اسم “المكتب الدولي للتربية”، يهدف إلى تقديم المشورة ومساعدة الدول التي ترغب في تغيير وتطوير مناهجها الدراسية.

يَدرس المؤرخون أسباب ونتائج الأحداث الماضية، ولكنهم أيضًا يضعون سيناريوهات بديلة في الاعتبار. ما الذي كان يمكن أن يحدث، إذا لم تتدخل بريطانيا ـ على سبيل المثال ـ في الحرب في أوروبا عام 1914؟ على غرار ذلك.. يسأل مؤرخو العلوم مثل هذه الأسئلة الجدلية، لكن الإجابات قد تفتح آفاقًا غير متوقَّعة.

ولنضرب مثالًا في علم الوراثة؛ حيث شهد العام الماضي احتفالات مطولة بأعمال جريجور مندل، بمناسبة مرور 150 عامًا على ظهور الورقة البحثية التي سَجَّلَت تجاربه مع البازلاء الهجينة. تُعَدّ تجارب مندل أساسية في مناهج علم الأحياء في مختلف أنحاء العالم، لكن تلك المناهج لا تشير سوى إشارة هامشية إلى الانتقادات التي وَجَّهَها وولتر فرانك رافاييل ويلدون ـ الأستاذ بكلية ليناكر في جامعة أكسفورد بالمملكة المتحدة ـ لأفكار مندل.

لطالما تسببت آراء ويلدون منذ عام 1902 في إدخاله في صراعات شديدة الحدة مع أتباع مندل، الذين يرون ـ باختصار ـ أن العوامل الموروثة ـ التي سُمِّيَت لاحقًا بالجينات ـ تحدِّد الصفات الملموسة للكائن الحي، بينما كان ويلدون يرى أن السياق – التطوري والبيئي – على القدر نفسه من الأهمية، إذ يؤثِّر على الصفات، ويغيِّرها بطرق عدة، يُغْفِلها أتباع مندل. ساعد موتُ ويلدون المفاجئ في عام 1906 أتباعَ مندل في الفوز عليه، إذ توفي قبل أن يتمكن من نشر أفكاره كاملة؛ ومن ثم، ظل تدريس علم الوراثة يرتكز على الجينات منذ ذلك الحين.

وتكمن المشكلة في أن الرؤية المندلية للوراثة تبدو أكثر فأكثر غير مواكِبة لما توصَّل إليه علم أحياء في القرن الواحد والعشرين. ويقول النقاد إننا لو أردنا أن ندرك إمكانات العصر الجينومي، فعلينا أن نخلق مفاهيم جديدة، ولغة أنسب للواقع البيولوجي المتغير. ويُعَدّ هذا أمرًا مهمًّا في مجال التعليم، حيث يمكن أن يروِّج الاعتمادُ على الأمثلة البسيطة لحتمية قوة الجينات التي عفا عليها الزمن.

والسؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: ماذا لو لم تتمكن الرؤية “المندلية” من السيطرة على علم الوراثة من البداية؟ وماذا لو فازت رؤية ويلدون في هذا الصراع التاريخي، وأصبحت نظرية “التفاعل والتأثر” التي كان ينادي بها، وإحساسه الحي بمدى تفاوت السمات الحقيقية للكائنات الحية هما محور علم الوراثة، (وليس فقط لون البازلاء الأصفر أو الأخضر، والشكل المستدير أو المجعد، وأي ثنائية مندلية أخرى)؟. من هنا حاولتُ مع مجموعة من زملائي إجراء تجربة بهذا الخصوص.

“أشد العلوم جنوحًا إلى الخيال وأكثرها دقةً مطبوع بطابع الظروف التاريخية التي صنعته”.

قام مؤخرًا ـ من خلال مشروع مدته عامان ـ مجموعة علماء بتدريس منهج معدَّل لطلاب جامعة ليدز؛ يعكس ما كان يمكن أن تبدو عليه كتب علم الوراثة الآن، إذا أخذ هذا العلم مسار ويلدون، بدلًا من مسار مندل في عام 1906 تقريبًا. تَلَقَّى هؤلاء الطلاب علم وراثة مرتبطًا ـ بصورة أساسية ـ بالتطور والبيئة، ولم تُعَرَّف لهم الجينات باعتبارها “المحور الفعلي” للوراثة، الذي يتجاهل كل ما عداه من أدوار داعِمة.

فعلى سبيل المثال.. تعلموا أنه على الرغم من قدرة الجينات على التأثير مباشرة على القلب، إلا أن العناصر الأخرى المتأثرة بالجينات ـ مثل ضغط الدم، ومستويات نشاط الجسم، وغيرها ـ تتأثر أيضًا بعوامل غير جينية، مثل التدخين. وسألناهم: أين موقع جين مرض القلب من هذا التشابك؟ في حقيقة الأمر، يهدف هذا المنهج المعدَّل إلى جعل الأجزاء الهامشية في مناهج تدريس علم الوراثة الحالية نقاطًا مركزية، والعكس بالعكس.

يقول غريغوري ريدك المسؤول عن الخطة، كانت مجموعتنا التجريبية مكونة من طلاب جامعيين يدرسون العلوم الإنسانية في سنتهم الثانية، واتخذنا من مجموعة من دارسي الأحياء في السنة الأولى ممن تعلموا المنهج التقليدي مجموعةً مرجعية. واستطعنا بالفعل أن نلمس فرقًا، فهؤلاء الطلاب الذين تعلموا بطريقة ويلدون أصبحوا أقل إيمانًا بالحتمية الجينية، وأكثر استعدادًا ـ في اعتقادي ـ لفَهْم دقائق علم الوراثة الحديث. لقد كان الفرق واضحًا من الناحية الإحصائية، ولكنني أشك في مدى قابليته للتعميم، مع الوضع في الاعتبار أن الأعداد كانت صغيرة، وكانت هناك اختلافات بين المجموعات، كما أنني أدرك أيضًا أن ويلدون هو أول من جذب الانتباه إلى عيوب إحصائيات مندل المُبَالَغ فيها.

يمكن للماضي العلمي ـ بمساعدة مثل هذه التجارب، التي تعيد إحياء الأفكار الجليلة، وتُحْضِرها إلى قاعات الدرس ـ أن يفيد المستقبلَ العلمي، بل ويطوِّره أيضًا. وتقدم هذه التجارب رؤى أوسع للتعاون؛ فحتى يتسنى لنا النهوض بالمعرفة العلمية، ينبغي على مؤرخي وفلاسفة العلوم أن يعملوا مع العلماء جنبًا إلى جنب. ولا أقصد من ذلك أن يعملوا معهم في مَعَامِلهم، ولكن في طابق آخَر من المبنى نفسه؛ ومن ثم، يمكن أن يكون البحث في الظواهر المهمَلة والنقاشات التي أُنهيت قبل أوانها بمثابة ومضة تضيء الطريق للابتكار العلمي.

هذا.. ولكن ماذا عن مندل؟ قد يرى البعض أن مقالي بمثابة هدية سيئة مِنِّي للرجل في الذكرى السنوية لأبحاثه، وكأنني أهدف إلى طرحه من المكانة الشرفية العالية التي يحتلها في مناهج علم الوراثة، ولكن اسمحوا لي أن أقول إنه على الرغم من أن هذا الاتهام واردٌ، إلّا أنه مُضلّل أيضًا. فإذا أردنا حقًّا أن نكرم مندل؛ فلنحاول أن نفهمه بجدية، من منظور تاريخي، بدون أن نسقط عليه بأثر رجعي المذهب المندلي الذي ظهر بعده. فلتدرسوا مندل، ولكنْ في إطار عصره.

وبالمثل، اسمحوا لطلاب الأحياء أن يواكبوا عصرهم، بإعطائهم مناهج علم وراثة ملائمة للقرن الواحد والعشرين. فإذا قررنا أن ندرِّس لهم نظرية مندل، فلا يجب أن نفعل ذلك بهدف جعلهم يفغرون أفواههم إعجابًا بإنجازاته التأسيسية، ولكن بهدف مساعدتهم على النظر بتقدير إلى حقيقة أن أشد العلوم جنوحًا إلى الخيال وأكثرها دقةً مطبوع بطابع الظروف التاريخية التي صنعته. والعِلْم الذي قدَّمه مندل هو واحد من أكثر العلوم تمتُّعًا بهاتين الصفتين (التخيُّل، والدقة). إنّ استيعابنا لهذا الدرس من علوم الماضي يعني أن نتحلى بالوعي الذاتي، وأن نتأمل ذواتنا في الحاضر بعين ناقدة.

إعداد: جمال علي

المصادر: 1

المزيد