منزل داروين كان عبارة عن مختبر للتجارب العلمية المذهلة

ولد تشارلز داروين في شروزبري بإنكلترا في 12 شباط 1809. وفي عام 1831، شرع في رحلة استقصائية استغرقت خمس سنوات في جميع أنحاء العالم على متن سفينة بيجل التابعة للملكية البريطانية. دراساته لعينات في جميع أنحاء العالم قادته إلى صياغة نظريته وآرائه تجاه عملية الانتقاء الطبيعي. في عام 1859، نشر كتابه أصل الأنواع. توفي في 19 أبريل 1882، بلندن.

حقائق سريعة عن تشارلز داروين:

  1. استغرق حوالي العشرين عام ليقوم بنشر نظريته الشهيرة.
  2. عانى داروين من أمراض مزمنة. بعد عودته من رحلته حول العالم، بدأ داروين يعاني من الإرهاق والأكزيما والنوبات المزمنة من الغثيان والصداع وخفقان القلب التي ستستمر لبقية حياته.
  3. قام بعمل قائمة بالإيجابيات والسلبيات قبل أن يقرر الزواج.
  4. يمكنك رؤية صورة داروين على عملة 10 باوندات.

يقول هنري نيكولز:” أحتفظُ على القرص الصلب في جهاز الكمبيوتر الخاص بي بمجلد يحمل عنوان “داروين في منزله”. يتضمن المجلد إطارًا عامًّا لكتاب أردتُ دومًا أن أخطه بقلمي عن التجارب – الغريبة أحيانًا، والعبقرية غالبًا – التي كان تشارلز داروين يجريها في منزله المعروف باسم “داون هاوس” في إنجلترا في غمار حياة أسرية صاخبة.

لقد جنبني عالِم الأحياء التطورية (وأمين صندوق “تشارلز داروين تراست”) جيمس كوستا ذلك العناء؛ فكتابه “الفناء الخلفي لمنزل داروين” Darwin’s Backyard يتضمن احتفاءً حماسيًّا، ولكنه متوازن بهوس العالِم الكبير – الذي عاش في العصر الفيكتوري – بالبحث والتقصي طيلة حياته، وكيف أن الحقول والمروج المحيطة بمنزله كانت نسخة مصغرة من عالَمنا الكبير.

هناك أسباب كثيرة تدعو إلى الإعجاب بالبرنامج البحثي لداروين، الذي استمر لمدة 40 عامًا. بداية، هناك النطاق الواسع لاهتماماته، من عيِّنة حماسه الشديد للكيمياء في أيام الدراسة (الذي أكسبه لقب “غاز”)، والدراسة الرصدية التي أجراها لمدة ثمانية أعوام على البرنقيل؛ من أجل صقل مهاراته التصنيفية، وتجاربه العلمية بشأن قدرة البذور على البقاء حية؛ لتسليط الضوء على أنماط توزيع الأنواع. هذا، بل كان هناك ما هو أكثر من ذلك بكثير، بداية من تشريح الحياة الجنسية المعقدة بشكل مذهل للنباتات المزهرة، التي تيسرها الحشرات، إلى فكرة طرح “الخيال”، (تكاثر الحَمَام)، كوسيلة لتمثيل قوة الانتخاب، ودراسة أسلوب حركة النباتات، إلى جانب مشروع استمر لمدة أربعة عقود؛ للكشف عن تحريك التربة السحري، الذي تقوم به ديدان الأرض.

يخصص كوستا كل فصل من فصول الكتاب لخيط مختلف من عمليات داروين الاستقصائية، مع ترتيبها حسب التسلسل الزمني بشكل تقريبي، ولكنه يتنقل في عجالة ما بين المشروعات أيضًا، فيعكس كيف كان داروين – في أغلب الأحيان – يُجرِي الكثير منها في آن واحد. في وقت ما من خمسينات القرن التاسع عشر (العقد الذي انتهى بنشر كتابه “أصل الأنواع”)، كان داروين يحتفظ ببيض ضفادع في صالة المنزل، وبذور في القبو، وأقدام بط تتدلى من قفص تربية الحلزون، وزهور مُشرَّحة أسفل الميكروسكوب، وقطع أراض مسيَّجة في حديقة المنزل، وبضع حَمَامات في برج حَمَام منزلي الصنع.

هناك كثير من الأمور التي تستحق الإعجاب في أخلاقيات العمل الخاصة بداروين. فعلى الرغم من المرض الغامض الذي أصابه، بعد عودته من رحلته على متن السفينة “إتش إم إس بيجل”، التي استمرت من عام 1831، حتى عام 1836، كان داروين فضوليًّا بلا كلل، ولا ملل، وكان ينهمك في مسألة أو أخرى بدرجة من الهوس، وذلك حتى وفاته في عام 1882. كان داروين مبدعًا شديد الإبداع، حيث كان يبتكر تصميمات تجريبية بسيطة، ولكنها عبقرية، مثل “حديقة الأعشاب”، وهي تجربة كشفت عن معدلات الوفاة غير العادية في الطبيعة، ومن ثم عن الصراع المرير من أجل البقاء. وكان داروين يتمتع بعقلية متفتحة، فعندما اقترح ابنه فرانسيس، ذو السنوات الثماني، أن البذور من الممكن نقلها عبر المحيطات في جثة طائر ميت يطفو على الماء، ضحَّى داروين بحمامة من برج الحمام لديه، ووضعها في حوض مليء بالماء المالح لمدة شهر. في وقت لاحق، نمت البذور الموجودة في جثة الطائر “بشكل مذهل”.

يكشف كوستا أن داروين في جميع مساعيه تقريبًا كان يُظهِر نوعًا من “المثابرة”. فعلى سبيل المثال، عندما كان يبحث في التكاثر الجنسي لنبات عود الريح الأرجواني (Lythrum salicaria)، الذي يمكن أن يمتلك واحدًا من ثلاثة أنواع من الزهور، كان داروين يصنع كل تهجين ممكن؛ لتسجيل الاختلافات في الخصوبة. كان داروين يمتلك أيضًا شخصية مرحة، فعلى سبيل المثال، عندما كان يتفحص “أماكن الطنين” الخاصة بالنحل الطنان (التي اكتشف فيما بعد أنها مواقع يقوم فيها ذكور النحل بإطلاق الفرمونات)، جَنَّد أبناءه لرسم خريطة برحلات تلك الحشرات. وفيما بعد، وصف ليونارد – الذي كان يبلغ من العمر أربعة أعوام حينذاك – التجربة بأنها لعبة كان فيها “أبي يلهو مثل صبي وسط أقرانه من الصبية”. يشيد كوستا بإنسانية داروين، بدون الانجراف إلى تقديس الشخصية.

يَكشِف هوس داروين بأمر “التجريب” الكثيرَ عن كيفية تطبيق العلوم بشكل جيد. فجميع عملياته البحثية تقريبًا بدأت بملاحظة متفتحة، كان يقوم من خلالها بصياغة أسئلة. لقد كان الإلهام يأتيه من مصادر متنوعة، مثل المؤلفات العلمية، والملاحظة، وشبكة الهواة والمحترفين، التي كان داروين يراسل أفرادها بصفة منتظمة. كان داروين ينشد العديد من الأدلة المكمِّلة. ففي بحثه عن نبات الندية الآكل للحوم (Drosera rotundifolia)، على سبيل المثال، خرج داروين بالعديد من التنبؤات لاختبار فرضيته بأن ذلك النبات كان يصيد الحشرات؛ من أجل الحصول على النيتروجين.

ومِن بين تلك التنبؤات أن ذلك النبات كان، على الأرجح، يفضل الأغذية النيتروجينية على الأغذية غير النيتروجينية، وأن القطرات التي يفرزها لا بد أنها تحتوي على “بعض الخميرة المشابِهة للببسين”، وهو إنزيم الهضم. لذا، فإجابة واحدة يمكن أن تولِّد مجموعة متعددة من الأسئلة الجديدة المتشعبة مثل أغصان الشجر. كتب داروين في سيرته الذاتية المنشورة في عام 1887: “يبدو أن عقلي قد أصبح مثل نوع من الآلات، يصوغ القوانين العامة من مجموعات ضخمة من الحقائق”.

جابَه داروين التحديات المطروحة في وجه نظريته عن التطور بالانتخاب الطبيعي. ولننظر إلى بحثه الرائع عن بناء قرص العسل بواسطة نحل العسل، فإلى جانب عملية الملاحظة اللصيقة، قام داروين بتطويع الرياضيات المعقدة، والأحياء المقارنة، والتعاون مع عالِم الطبيعة ويليام تيجيتماير. وفي منعطف تجريبي عبقري، بناء على اقتراح تيجيتماير، تم تزويد النحل بشمع مصبوغ باللون الأحمر؛ للكشف عن عملية البناء. وهكذا، أوضح داروين أن نحل العسل يرتكز على نقطة معينة لبناء حُجرة أسطوانية الشكل، ثم يعيد تشكيلها لدمج المساحات الميتة. كانت النتيجةُ شكلًا سداسيًّا مصنوعًا “من بضع غرائز بسيطة للغاية”.

“كان داروين – في أغلب الأحيان – يقوم بنشر عِلم المُواطن، المبنِيّ على مشاركة الجمهور”.

كان داروين – في أغلب الأحيان – يقوم بنشر عِلم المُواطن، المبنِيّ على مشاركة الجمهور. فقد قام العالِم بدعوة أفراد الجمهور إلى إرسال ملاحظاتهم حول الأحداث والوقائع النادرة. فعلى سبيل المثال، كان لديه حدس أن الحشرات (وربما النحل) لا بد أن تزور نبات أوركيد النحل (Ophrys apifera) بين الحين والآخر، وطلب من قرّاء دورية “جاردنرز كرونيكل” Gardener’s Chronicle تقديم أدلة على تلقيح الحشرات في هذا النوع. رغم أن ذلك الاستقصاء لم يحظَ بأي مشاركات تُذكر، فقد كان داروين صادقًا في حدسه. ففي إنجلترا، يُعَدّ التلقيح الذاتي الأسلوب الرئيس للتكاثر لدى تلك الزهرة، أما في مجتمعات البحر المتوسط، فيُسَهِّل النحلُ من حين إلى آخر عمليات التهجين بين النباتات المختلفة.

يذكِّرنا كوستا، بأن إدراج الضوابط الدقيقة وأحجام العينات الضخمة والاستنساخ والتحليل الإحصائي أسهَم – في الوقت الحاضر – في تحسين دقة التصميم التجريبي، وقوة النتائج. كذلك يصف كوستا كيف يَستخدِم علماء اليوم طرقًا وأساليب، مثل تحليل النظائر المشعة، ووضع تسلسل الحمض النووي؛ لإضافة ثقل إلى استنتاجات داروين بشكل يتجاوز أقصى تخيلاته. يُبرِز كتاب “الفِناء الخلفي لمنزل داروين” كيف أن العِلم يُعَدّ عملًا تراكميًّا متطورًا باستمرار.

تجعل جميع هذه الأمور من عالَم داروين التجريبي أداة تعليمية رائعة، وبخاصة إذا وضعنا في الاعتبار أن كثيرًا من تجاربه يصلح للتكرار. والممتع في الأمر، أن كوستا يختم كل فصل من فصول الكتاب بتجارب من إلهام داروين، لتجريبها في المنزل. يحقق كوستا في هذا الكتاب ما هو أكثر من أهدافه المعلنة بالكشف عن تطور أفكار داروين، ومدى ملاءمة مناهجه لوقتنا الحاضر. أما فيما يخصني، فقد سحبت مجلد “داروين في منزله”، ووضعته في مجلد آخر، سَمَّيته “أعمال معلَّقة”.

إعداد: أنمار رؤوف

المصادر: 12