كيف تؤثر التغذية والبيئة على الجينات الخاصة بنا وكيف نحمي جيناتنا من الشيخوخة

بدأ المتخصصون في التغذية والجينيات genetics في الجامعات الرائدة ببحث كيف أن صحة شخص ما قد تتأثر بالطريقة التي يمكن للطعام أن يُشغل بها أو يوقف عمل جينات محددة، أو كيف يُعوِّض الغذاء (الحمية) بعض القصور الفزيولوجي المسبب بنُسخ معينة متباينة (متغايرة) للجينة.

والفكرة الأساسية ليست جديدة، فالاختبار الجيني للاضطرابات الاستقلابية المرتبطة بالغذاء، مثل بيلة الفينيل كيتون phenylketonuria، يعود إلى عام 1963 ـ وقد نشأ مفهوم أن الطعام يمتلك خصائص طبية مع أبقراط؛ لكن مشروع الجينوم البشري عزز الإمكانات والاحتمالات للبحث عن روابط بين الغذاء والاستعداد الجيني للمرض. ويمكن أن تقودنا التحاليل الجينية جيدا إلى إرشادات غذائية مشخصنة فعالة حقا.

يُعتبر تراكم تلفيات الحمض النووي من الآثار السلبية التي لا مفر منها في الحياة، وهو يُعَدّ واحدًا من الأسباب الرئيسة لشيخوخة الخلايا والأعضاء. يؤدي الإصلاح المنقوص للحمض النووي إلى تلفه المتواصل، مسبِّبًا اضطرابات ذات صلة بالتقادم وقصر العمر. وقد يَظهَر هذا الأمر في البشر في شكل متلازمات “بروجيرويد”، حيث يشيخ الأطفال أو البالغون بمعدل متسارع إلى حد كبير. وفي بحث نُشر مؤخرًا، أوضح فيرميه وزملاؤه أن درجة معتدلة نسبيًّا من التقييد الغذائي يمكنها أن تطيل ـ إلى حد كبير ـ من عُمْر اثنين من نماذج الفئران لهذه المتلازمات البشرية.

تحتضن سلالات الفئران التي استخدمها المؤلفون طفرات في الجينات التي تدخل في عملية إصلاح الحمض النووي، التي يُطلق عليها “الإصلاح باستئصال النوكليوتيدات” NER. في إحدى السلالات، ثمة طفرة تقلِّل إنتاج بروتين ERCC1، الذي عادةً ما ينضم إلى إنزيم نوكلياز داخلي خاص بالحمض النووي، مشكِّلًا مركبًا؛ لخلق فواصل في الحمض النووي، واستئصال التتابعات التالفة.

ويمكن لطفرات بروتين ERCC1 أن تسبب ثلاثة أمراض في البشر: اضطرابي متلازمة كوكايين Cockayne، ومتلازمة بروجيرويد XFE المتعلِّقَين بالشيخوخة المعجّلة، وجفاف الجلد المصطبغ، الذي يكوِّن المصابون به حساسية شديدة لتلف الحمض النووي، الذي تسبِّبه أشعة الشمس. أما في سلالة الفأر الأخرى، فثمة طفرة تثبّط إنتاج إنزيم نوكلياز داخلي آخر خاص بالحمض النووي، تُدعى XPG؛ يمكن لطفراته في البشر أن تظهر على شكل جفاف الجلد المصطبغ، ومتلازمة كوكايين.

في بحث سابق، تم إثبات أن الفئران التي تحمل طفرات في جين Ercc1 تبدي العديد من الاستجابات الأيضية نحو الإجهاد، التي تُرى في الفئران السليمة التي يتم تقييد تغذيتها. في كليهما، يتم تعزيز المسارات البيولوجية المشارِكة في الصيانة الفسيولوجية على حساب المسارات المشارِكة في عملية النمو.

ويُعتقد أن تلك الاستجابة تحدث من أجل البقاء، إذ تساعد في حماية الفئران التي تعاني من نقص في عملية الإصلاح باستئصال النوكليوتيدات. لذا، عمد فيرميه وزملاؤه إلى التحقق مما إذا كانت القيود الغذائية تستطيع تعزيز هذه الاستجابات الوقائية في نماذج الحيوانات الخاصة بهم، أم لا. وبالفعل أدَّى التقييد الغذائي بنسبة 30% إلى زيادة ضخمة في عمر سلالتي الفئران، مقارنة بأترابها التي أُتيح لها الغذاء بغير حدود؛ لتتناوله حسب الرغبة (ما يُطلق عليه التغذية الحرة، أو ad libitum باللاتينية).

إنّ إحدى نقاط ضعف العديد من الاستقصاءات المتعلقة بالتقييد الغذائي هي فشلها في التقصي الدقيق للسمات الفسيولوجية والبنيوية للكائن الحي موضع الدراسة، التي يمكن استخدامها لتقدير العمر الذي يقضيه بصحة جيدة. لذا، يُعتبر البحث الذي أجراه فيرميه وزملاؤه استثناءً مُرَحَّبًا به، إذ يستقصي مجموعة واسعة من السمات ذات الصلة، ومن ضمنها تلك التي تشمل المخ، والأنظمة العصبية العضلية، والمعرَّضة تحديدًا للإصابة بالضرر في حالات اضطرابات عمليات إصلاح الحمض النووي في البشر.

النتيجة الملفتة للنظر كانت أن الفئران الطافرة التي تعرّضت للتقييد الغذائي احتفظت بـ50% أكثر من الخلايا العصبية عمّا احتفظت به أترابها التي وُضعت على نظام التغذية الحرّة. وإضافة إلى ذلك، تم خَفض واسمات تلف الحمض النووي في الحيوانات المعرَّضة للتقييد الغذائي، وتم حفظ بيانات الانتساخ بشكل أفضل.

كما ظهرت أيضًا نتائج أخرى مثيرة للاهتمام، فمثلًا، أظهر الباحثون أن الفئران المصابة بعوز بروتين ERCC1، التي وُضعت على نظام التغذية الحرّة، كانت جيناتها التي ترمّز البروتينات الكبيرة أكثر تضررًا من تلك التي ترمز البروتينات الصغيرة؛ وهو أمر منطقي، إذ إنّ تلف الحمض النووي يحدث بشكل عشوائي. وهكذا، فإن الجينات الطويلة تتعرض لكميات غير متكافئة من الضرر العشوائي.

وكمثال آخر، انخفضت كذلك أوزان الفئران التي تعاني من عَوَز في جينات عملية الإصلاح باستئصال النوكليوتيدات ـ والتي وُضعت على نظام التغذية الحرة ـ بشكل تدريجي مع مرور الوقت. ووجد فيرميه وزملاؤه أن هذه الحيوانات نفقت عندما وصلت تقريبًا إلى الوزن نفسه الذي وصلت إليه الحيوانات الطافرة الخاضعة للتقييد الغذائي، التي انخفض وزنها في البداية بشكل سريع، ثم حافظت بعد ذلك على وزن ثابت. ومجدَّدًا، يبدو الأمر منطقيًّا.. ففقدان الوزن في الحيوانات الطافرة الموضوعة على نظام التغذية الحرة يعكس التراجع الفسيولوجي، في حين أن فقدان الوزن الأَوَّلِي المرتبط بالتقييد الغذائي المؤقت يعزِّز ـ في واقع الأمر ـ الوظائف الفسيولوجية.

ومنذ وقت طويل كان معروفًا أن التقييد الغذائي يطيل العمر الذي يقضيه الكائن الحي في صحة جيدة، وذلك في العديد من أنواع الحيوانات. وتتعدل آثار عملية الشيخوخة الطبيعية في الأساس عن طريق تثبيط مسارات التأشير الجزيئي لمركّبَي IGF1، و6mTOR، اللذين يلعبان أدوارًا في استشعار العناصر الغذائية. إنّ تأشير IGF مثبِّط بالفعل في الفئران المصابة بعوز في عملية الإصلاح باستئصال النوكليوتيدات، ولذا، يبدو مفاجئًا أن تكون العيوب الملاحظة في هذه الحيوانات يمكن إصلاحها جزئيًّا، عن طريق التقييد الغذائي. ومع ذلك، أكدّ الباحثون أن مسارَي IGF1، وmTOR يتم تثبيطهما أكثر في الحيوانات الطافرة التي تتبع نظام التقييد الغذائي؛ مما يشير إلى أن تثبيط المسارات يعدِّل مدى امتداد العمر، جزئيًّا على الأقل.

إِذَن، كيف يتمكَّن التقييد الغذائي من الحدّ من تَراكُم تلف الحمض النووي؟ على الرغم من أن فيرميه وزملاءە يقولون إنه من المستحيل أن يكون هناك دور للمسارات التعويضية المعززة لعمليات إصلاح الحمض النووي، إلا أنه تكهُّن يستحق ـ في رأينا ـ مزيدًا من البحث. كما يتكهن الباحثون أيضًا بوجود استجابة مُبَالَغ فيها لتلف الحمض النووي في الفئران التي تعاني من عوز عملية الإصلاح باستئصال النوكليوتيدات، ربما كجزء من زيادة استجابة الكائن الحي لمختلف إشارات الإجهاد. وربما تسهم التعديلات المصاحبة في تنظيم الأيض ـ إلى جانب التغيرات في وظيفة الميتوكوندريا (العضيّات المنتجة للطاقة) ـ في تحريك الأيض الخلوي نحو أدوار تحمي الجينوم من التلف.

وثمة ملاحظة أخرى، أشار إليها فيرميه وزملاؤه، قد توجِّه الانتباه نحو آلية للحدّ من تلف الحمض النووي، تعتمد على التقييد الغذائي، وهي زيادة استجابات الإجهاد الجزيئي في الحيوانات المصابة بعوز بروتين ERCC1. تتعدل استجابات الإجهاد تلك ـ جزئيًّا ـ عن طريق تأشير 6mTOR. كما أن العلاج لفترة طويلة بواسطة جزيء راباميسين الذي يثبط تأشير mTOR يقلّل من تراكم تلف الحمض النووي في متلازمة ويرنر، وهو اضطراب آخر متعلق بعدم الاستقرار الجينومي. وكانت هناك أمثلة أخرى لعلاجات يومية بالراباميسين تسبِّب إطالة في العمر؛ فمثلًا، يضاعف الراباميسين عمر الفئران التي تفتقر إلى Ndufs4 ـ وهو أحد بروتينات الميتوكوندريا المشاركة في إنتاج الطاقة ـ بثلاثة أضعاف تقريبًا.

إن دراسة فيرميه وزملائه تعزِّز كثيرًا الأدلة الداعمة لفكرة أن عدم الاستقرار الجينومي يمثل آلية رئيسة تكمن وراء متلازمات بروجيرويد البشرية. وإضافة إلى ذلك، يمكن اختبار التقييد الغذائي المعتدل بسرعة، وبكلفة منخفضة على المرضى الذين يعانون من هذه الحالات. وما من شك في أن النتائج التي تَوَصَّل إليها الباحثون ستؤدي إلى القيام بتجارب إكلينيكية خاضعة لمراجعة الأقران تختبر التقييد الغذائي المعتدل، وربما أيضًا مثبطات mTOR، في المرضى الذين يعانون من متلازمات بروجيرويد التي تتضمن عمليات إصلاح الحمض النووي التالف.

وأخيرًا، يتعين على الدراسة تقديم الزخم المطلوب بشدة للجهود المبذولة لاكتشاف المُحَاكِيات الدوائية للتقييد الغذائي التي يمكن استخدامها في البشر. ونظرًا إلى التنوع الجيني والبيئي الهائل بين البشر، والاستجابات شديدة التنوع لسلالات الفئران المختلفة نحو التقييد الغذائي، فإن استجابات الأفراد لعقاقير كهذه ربما ستكون شديدة الاختلاف. وستكون هناك حاجة إلى إجراء تجارب إكلينيكية واسعة النطاق، قبل التوصية باعتماد التقييد الغذائي كعلاج عام لحماية الجينات أثناء عمليات الشيخوخة الطبيعية.

الفصول المناخية تؤثر في عمل الجينات والجهاز المناعي عند الإنسان:

أثبت العلماء أن “لتغيير فصول السنة تأثيرا بالغا على كيفية عمل الجينات عند الإنسان”.

وأضافوا أن “ذلك يفسر سبب تفاقم الأمراض في فصل الشتاء”، بحسب نتائج الدراسة التي نشرت في مجلة Nature العلمية، وكشف العلماء أن الجينات المتعلقة بالجهاز المناعي – الذي يحمي الجسم من الإصابة بالالتهابات- تكون أكثر فعالية خلال الفصول الباردة.
وأشاروا إلى أنه “بالرغم من أن ذلك يساعد في محاربة الفيروسات مثل الإنفلونزا، فإنه يزيد من تفاقم أمراض أخرى مثل مرض التهاب المفاصل”.

“تغيير الفصول”

وحلل فريق عالمي من الباحثين عينات من الدم والأنسجة تعود لحوالي 16 ألف شخص يعيشون حول العالم، وتوصل العلماء إلى أن ربع الجينات في الجسم البشري تتأثر بتغيير الفصول، إلا أن الجينات التي أثارت اهتمام العلماء هي المتعلقة بالمناعة وخاصة الالتهابات.

ووجد العلماء أن الجينات المتعلقة بالمناعة تكون أكثر نشاطاً في فصل الشتاء والبرد، أي الفترة الممتدة من كانون الأول/ديسمبر إلى شباط/فبراير، بالنسبه للأشخاص الذين يعيشون شمالي خط الاستواء، وكذلك في حزيران/يونيو إلى آب/أغسطس في نصف الكرة الجنوبي.

ولاحظ العلماء، من خلال هذه الدراسة، أن الأشخاص الذين يعشيون بالقرب من خط الاستواء، حيث درجات الحرارة معتدلة طوال أيام السنة أن المناعة والالتهابات مرتبطة بالفصل الممطر، عندما تكون أمراض مثل الملاريا أكثر انتشاراً.

وقال البروفسور جون تود، وهو أحد المشاركين في الدراسة من جامعة كامبريج في بريطانيا، إن “النتائج التي توصلت اليها الدراسة تفسر لماذا يصاب الناس بأمراض معينة في وقت محدد من السنة”.

وللالتهابات تأثير بالغ على بعض الأمراض مثل: مرض التهاب المفاصل الروماتويدي، ومرض السكري من النوع الأول، وأمراض القلب ، إذ تزداد نسبة الإصابة بهم خلال فصل الشتاء في بريطانيا.

وأردف تود “نشهد ارتفاعاً في عدد المرضى الذين تثبت إصابتهم بمرض السكري من النوع الأول، وذلك من شهر كانون الأول/ديسمبر إلى شباط/فبراير في المملكة المتحدة”، موضحاً أن “ذلك يعود إلى فعالية الجينات حسب الدراسة التي أجريناها”.

وأضاف أن “هناك عوامل عدة تؤثر في كيفية عمل الجينات، ومنها الإصابة بالأمراض وعوامل أخرى كالتغذية والضغوط النفسية”، وقال تيم سبيكتر، الأستاذ في علم الأوبئة الوراثية في جامعة كينغز كولديج، إن “الميكروبات في الأمعاء تتغير أيضاً بتغير الفصول، وقد يعود ذلك إلى التغيير الذي يطرأ على نظامنا الغذائي”.

وعلق تود قائلا إنه “في المجتمعات الحديثة، رغم أننا نرتدي ثياباً دافئة وتكون منازلنا مزودة بأجهزة التدفئة، فإن جسمنا يستجيب لدرجات الحرارة الباردة وقصر الأيام”، وقد تم تمويل هذه الدراسة من قبل “ويلكوم ترست” وهي أكبر مؤسسة خيرية لأبحاث الطب الحيوي في المملكة المتحدة “، ومؤسسة بحوث السكري لدى صغار السن.

إعداد: جمال علي

المصادر: 1