بحلول عام 2020 سنرى أولى المدن البحرية الفاضلة “بلوتوبيا”

مجموعة من مليارديرات التكنولوجيا والمعماريين والحالمين يأملون في بناء أحياء سكنية مدن مستقلة فوق سطح البحر، لكنهم قد يواجهون بعض العقبات الخطيرة.

في كل أسبوع، ينتقل عدد ضخم يبلغ ثلاثة ملايين شخص للعيش داخل المدن. ويساوي هذا العدد عدد سكان مدينة سان دييغو الحاليين، أو مدينة كييف، حيث يندمجون في المناطق الحضرية، أي ما يعادل ظهور مدينة جديدة مثل موسكو، أو ريو دي جانيرو، كل شهر.

وبحلول 2030، سيكون 60 في المئة من سكان العالم يعيشون في المدن والمناطق الحضرية. وسيضع ذلك مزيداً من الثقل على كاهل حواضر العالم القائمة. كما أن على هذه المدن التعامل مع التغير المناخي أيضاً، إذ أن 90 في المئة من سكان مدن العالم الكبرى يعيشون قرب مسطحات مائية قد تعرضهم لمخاطر ارتفاع مستوى مياه البحر.

وللتكيف مع هذه التغيرات، يقول بعض المهندسين والباحثين وخبراء التكنولوجيا إنه ينبغي أن يعاد التفكير في كيفية بناء المدن، وربما حان الوقت لعمل شيء مختلف تماماً. فبدلاً من البناء على الأرض، يقول هؤلاء دعونا نجعل المدن تطفو على سطح البحر.

لكن هل هذا ممكن فعلاً؟ كيف ستبدو مدناً كهذه على أرض الواقع؟ وكيف ستنجح؟

مزايا وعيوب الزحف العمراني على السواحل البحرية:

في سنغافورة على سبيل المثال، بُني نحو 25 في المئة من المدينة على أرض أقيمت فوق مساحات بحرية، بينما شُيد 20 في المئة من مدينة طوكيو على جزر صناعية أقيمت في البحر. وأقامت السلطات في دبي مجمعات سكنية فاخرة بأكملها على جزر صناعية، وفي هولندا، تم استغلال مساحات شاسعة من بحر الشمال وتحويلها إلى أرض للبناء، من خلال نظام معقد من السدود التي تحمي المناطق المأهولة من الفيضان منذ قرون.

ولكن بدلاً من محاولة حجز البحر من التدفق باتجاه اليابسة، يعتقد البعض أنه آن الأوان للتوقف عن محاربة البحار، والعمل معها بدلاً من ذلك. ويقول هؤلاء إن الحل لمشكلة نقص المساكن والمشاكل الاجتماعية القائمة في الكثير من مدن العالم المزدحمة والنامية بسرعة يمكن أن يكمن في التمدد باتجاه الماء.

“ينبغي أن نبدأ بالتعايش مع الماء كصديق وليس كعدو”، كما يقول كوين ألذويس، مؤسس شركة الهندسة المعمارية الهولندية “ووتر ستوديو”.

العيش فوق المياه يوفر مزايا عديدة، لكنه ينطوي أيضا على العديد من المخاطر
وتقوم شركته بتصميم وبناء منصات عائمة يمكنها أن تعمل كأساسات لدعم المباني التي تقام في المياه. وركزت الشركة في البداية على بناء منازل منفردة، أو مكاتب، لكن ألذويس يعتقد أنه من الممكن تشييد مدن بأكملها بهذه الطريقة.

ويقول: “تخيل وجود مدينة يمكنك أن تبني فيها منازل ومشاريع عائمة. يمكنك تغيير المدينة لتلائم كل فصل من فصول السنة، لكي تتيح للمشروع فرصة للتنفس”.

الفكرة هي تشييد مبان تشبه الطوافات الضخمة جدا والتي يمكنها أن تعمل كأساسات طافية للمباني والطرق والمنشآت العامة والحدائق. وبينما المدن القائمة على اليابسة ثابتة، ولا يمكن إعادة هيكلتها بسهولة دون تدمير المباني، فإن المدن العائمة يمكن إعادة تشكيلها مراراً وتكراراً حسب الموسم وحسب التغير السكاني.

ويشير ألذويس إلى تأثير التبريد الطبيعي للماء كمثال، فبتحريك الأساسات الطافية بعيداً عن بعضها البعض خلال شهور الصيف الحارة، يمكن للمدينة أن تتسع لوجود قنوات من المياه تعمل على تبريد الهواء، بينما يؤدي إغلاق تلك القنوات والفجوات خلال الشتاء إلى الاحتفاظ بالحرارة. أو تخيل لو أمكن توسيع المدينة مؤقتاً لإتاحة المجال لزيادة السكان عند تدفق السياح أو اللاجئين، ومن ثم تعود لتتقلص مرة أخرى عندما يغادرون.

إنها رؤية مثيرة، ويمكن فقط تحقيقها لأن المدينة تطفو على سطح الماء. لكن ألذويس وزملاؤه يهيئون أيضاً هذه التقنية لتوفير الطعام والمرافق الصحية والكهرباء للأحياء الفقيرة في عدد من أكثر مناطق العالم فقراً.

فالكثير من أحياء العالم الفقيرة تجاور مسطحات مائية شاسعة، مما يجعلها معرضة للفيضان، لكن هذا في حد ذاته يوفر أيضاً فرصة إيجابية.

وتعمل شركة “ووترستوديو” مع منظمة اليونسكو لبناء مدارس صغيرة عائمة للإستخدام في الأحياء الفقيرة المطلة على المسطحات المائية.

ويتم تمويل هذا المشروع جزئياً عن طريق مشروع يستخدم الطاقة الشمسية لتزويد “مدراس القوارب” بالكهرباء، والتي توفر التعليم لأكثر من 70 ألف طفل في بنغلاديش.

ويعكف ألذويس وفريقه على إصلاح حاويات شحن كبيرة وتحويلها إلى أساسات طافية تقوم على آلاف من تلك الحاويات البلاستيكية. والوحدات الخمس الأولى منها تشكل غرفة فصل دراسي، ووحدة صحية، ومطبخاً، ووحدة كهرباء مرتبطة بألواح شمسية طافية، ومن المقرر أن يتم تسليمها إلى حي كوريل الفقير المطل على البحر في العاصمة البنغلاديشية دكا.

ويتمثل جمال هذه الفكرة، حسب ألذويس، في أنه يمكن استعمال المدرسة في مكان آخر إذا كان هناك مثلا إخلاء للحي، أو تغيير في التعليمات والقوانين. ويقول: “يمكنك تحميلها على شاحنة ونقلها إلى مدينة أخرى”.

ومع ذلك فإن تصور ألذويس عن المدن الطافية يتمثل في الأبنية المجاورة لليابسة والمرتبطة بها بحبل ما. لكن هناك من يحلمون بعدم إبقاء أي رابط بين المدن الطافية واليابسة على الإطلاق.

“المبشرون البحريون”:

ويقول جوي كويرك، الكاتب الذي يطلق على نفسه “المبشر البحري”: “نحن على قناعة أنه يمكننا خلق عالم أفضل في عرض البحر”.

ويعمل كويرك أيضاً متحدثاً باسم معهد سيستيدينغ، ويأمل في إيجاد مجتمعات عائمة يمكن أن تختبر فيها أشكال مبتكرة من الحكم والإدارة.

ويقول المعهد الذي أسس عام 2008، على يد الإقتصادي باتري فريدمان والمستثمر في وادي السيليكون بيتر ثييل، إنه بنقل المدن العائمة إلى المياه الدولية يمكنها أن تشكل أمماً ناشئة لها قوانينها الخاصة. وبتشييد تلك المدن البحرية على شكل مبان بعرض 50 متراً يمكن ربطها مع بعضها البعض، فإنها تتيح لمواطنيها القدوم والمغادرة حسب إرادتهم.

هل سنتمكن يوما من إقامة مدن كاملة فوق المياه:

وقال كويرك: “سيكون من الصعب على دكتاتور أن يعتلي هذه السلطة الطبيعية إذا كانت تلك المنطقة التي يحكمها يمكن أن تتفكك من تحته وأن يغادرها سكانها إذا أساء التصرف”، ويعتقد كويرك أن هذه المجتمعات المائية ستتشكل بفعل قوى السوق التي ستكون متحررة من الطموحات السياسية والمشاكل التي تواجه الحكومات التقليدية الموجودة على اليابسة.

لكن دعونا ننتظر ونرى إذا ما كانت هذه المدينة الفاضلة السياسية ستتحقق أم لا. وكذلك ما إذا كان بناء مجتمعات متحررة من كل القوانين القائمة ستتجسد عملياً على أرض الواقع، خصوصاً مع صعوبة التنبؤ بطبيعة البشر ونواياهم، لقد تم تجريب ذلك من قبل. ففي عام 1967، احتل مذيع راديو من القراصنة يدعى روي باتيس منصة سابقة للمدفعية المضادة للطائرات في بحر الشمال، وأعلن أنها “دولة مستقلة” تدعى إمارة أرض البحر.

ومع أن تلك المنصة لا تزال محتلة، إلا أنه ليس معترفاً بها رسمياً كدولة. فحسب الأمم المتحدة، لا تعتبر الجزر الصناعية والإنشاءات والأبنية جزراً طبيعية ولهذا ليس لها حقوق الجزر، لكن هناك آخرون يرون أن هناك حاجزاً أكثر أهمية يحول دون تأسيس دول عائمة أو مدن في أعالي البحار، ألا وهو الأحوال الجوية.

الحضارة البحرية:

أي مجتمع عائم ينبغي أن يصمد في وجه الظروف المناخية القاسية للبحار المفتوحة، حيث يمكن أن يصل ارتفاع الموج فيها إلى 20 متراً، ويمكن أن تهب العواصف عليها لأيام متواصلة.

ويقول فيليب ويلسون، أستاذ هندسة حركة السفن في جامعة ساوثهامبتون إنه في مثل هذه الحالة، سنصبح بلا أي قدرة على فعل شيء، ويضيف: “عندما تكون في بحر هذا هو ارتفاع أمواجه، يمكنك أن تفعل شيئاً واحداً فقط: أن تصعد وتهبط مع صعود الأمواج وهبوطها”.

ويشكك ويلسون في إمكانية بناء منشآت بحرية لا تكون عرضة لتغيرات بيئة البحار القاسية. وقال لنا في برنامجنا الإذاعي: “تغيرات الأحوال الجوية في البحر يمكن أن تكون ضخمة. فهناك مجال أطول للرياح لكي تهب، ونتيجة لذلك تكون الأمواج أكبر هناك. وإذا بنيت مدينة عائمة يكون نصف السكان فيها مصابين بدوار البحر، فلن يكون ذلك مجدياً من الناحية الاقتصادية. فالناس لا يحبون العيش بهذه الطريقة”.

التهديدات المتزايدة القادمة من المحيطات:

ويشير كويرك إلى سفن الركاب الفارهة الضخمة التي تتيح لركابها والمسافرين على متنها الاستمتاع بالمشروبات دون منغصات في ساعات المساء وسط أمواج المحيط المضطربة. وتبقى منصات البترول أيضاً مستقرة في بعض البيئات المضطربة والمتقلبة. لكن حتى هذه جميعها يمكن أن تصبح أماكن غير مريحة إذا ضربتها رياح الأعاصير العاتية.

لكن يبدو أن مستقبل المدن العائمة يكمن في مكان ما قرب اليابسة. ويأمل المشروع الأول لمعهد سيستيدينغ، والمتمثل في بناء محطة بتكنولوجيا متطورة للجزر العائمة في المياه المحمية لبحيرة تاهيتي في بولونبيسيا الفرنسية، أن يصبح واقعا بحلول عام 2020.

وقد أبدى أكثر من 1000 شخص اهتمامهم ورغبتهم في العيش هناك، لكن مع ارتفاع تكلفة بناء كل نموذج من تلك الجزر العائمة، التي قد تصل إلى 15 مليون دولار، ومع وجود حوالي 11 نموذجا منها، فإنها ستوفر المسكن لحوالي 200 إلى 300 مواطن فقط، وستكون الحياة هناك مكلفة جداً.

وربما تكمن القيمة الحقيقية للمدن العائمة في توفير مساحات إضافية تتوسع فيها المدن الأكثر ازدحاماً في العالم. ويبدو من المرجح أن نوعاً من “المدينة الهجينة” سيظهر حيثما نبحث عن فوائد المدن المقامة على اليابسة وفي الماء، وذلك بالتمدد إلى المياه القريبة والمجاورة.

وبينما تتطور التكنولوجيا لمساعدتنا على إدراك مزايا ومساويء العيش فوق الماء، فإن المدن القائمة على اليابسة ستبدأ بالتمدد نحو البحر، إن حلولاً كهذه ربما تكون الوسيلة الوحيدة أمام الحضارة البشرية لتتكيف مع الزيادة السكانية وتغير المناخ في المستقبل. ومن الواضح هو أن ذلك الأمل يطفو أمام أبصارنا بالتأكيد.

بلوتوبيا: المدينة البحرية الفاضلة:

المشهد خلاب بشكل ليس له مثيل؛ فعن اليمين نرى جبالًا بركانية شديدة الانحدار، مكسوة بالخَضَار، ترتفع وسط بساتين جوز الهند المتاخمة للشاطئ. وعن اليسار يتلألأ المحيط الهادئ باللون الفيروزي تحت أشعة شمس الظهيرة. هنا، في هذه البحيرة في تاهيتي، تخطط مجموعة من رواد الأعمال لبناء جزيرة اصطناعية: ثلاثة أرباع هكتار من المنازل العائمة، ومساحات إجراء البحوث، مكوَّنة من منصّات متصلة ببعضها البعض. وإذا ما نجح الفريق؛ قد تصبح هذه الرؤية حقيقة واقعة بحلول عام 2020، لكنها ستكون مجرد خطوة أولى، كما يقول جو كويرك، “المولع بالبح، كما يصف نفسه. والهدف النهائي هو بناء دول كاملة السيادة في عرض البحر، تتكون من وحدات نموذجية عائمة على سطح الماء.

يقول كويرك: “تتمتع بولينيزيا الفرنسية بكافة المقومات اللازمة لإنجاح الفكرة: من بحيرات، وجُزُر مرجانية، ومياه ضحلة مجاوِرة لمياه أكثر عمقًا”.

كويرك هو واحد من خمسة مديرين للشركة الداعمة للمشروع، ويقترح زملاؤه أن تُستخدَم الجُزُر الاصطناعية كمختبرات؛ لاختبار تقنيات جديدة، واستكشاف بِنى اجتماعية مختلفة، أو أن تُستخدم كقوارب نجاة للسكان الساحليين المشرَّدين بسبب ارتفاع مستوى البحر.

أسس معهد “سيستيدنج” – غير الربحي – المهندس السابق لدى شركة “جوجل”، باتري فريدمان، في عام 2008. وقد حاز على دعم أشخاص مؤثرين في العوالم المتصلة لـ”وادي السيليكون”، والسياسات التحررية، ومهرجان الصحراء المسموح فيه بكل شيء “برنينج مان” Burning Man. إلا أن غالبية التقارير الإعلامية كانت متشكِّكة في الأمر. فقد وُصف المشروع بأنه مجرد حلم “شخصين لديهما مدونة، ويحبّان آين راند”1، و”سبيل لاختراق الحكومة، ممزوج بتصوُّر مذهب “المصير الحتمي”، يسود عليه طابع فيلم “عالم الماء” 2 Waterworld”.

حقق كل من المعهد، والشركة الربحية المنبثقة حديثًا “بلو فرونتيرز” Blue Frontiers بعض الإنجازات الحقيقية خلال العام الماضي. فقد وَقَّعا مع حكومة بولينيزيا الفرنسية في شهر يناير على مذكرة تفاهم، تضع الأساس لإنشاء النماذج الأولية الخاصة بهما. كما اكتسبا زخمًا في مؤتمر للأطراف المهتمة في تاهيتي في شهر مايو الماضي، حضره المئات من البشر. وتَحَوَّل تركيز المشروع من بناء واحة تحررية إلى استضافة تجارب لأنماط الحوكمة، وعرض مجموعة متنوعة من التقنيات المستدامة لعدة أهداف، من بينها تحلية المياه، وإنتاج الطاقة المتجددة، وإنتاج المواد الغذائية العائمة. وأعطى هذا التحول المشروع مزيدًا من الجدية، وأبدى بعض علماء البيئة اهتمامًا بإمكانية إنشاء مختبرات عائمة تعمل بدوام كامل.

وما زال المشروع يواجه تحديات هائلة؛ فعلى الفريق أن يقنِع شعب بولينيزيا الفرنسية بأن الجُزُر الاصطناعية سوف تفيدهم؛ وعليهم جمع أموال كافية لبناء النموذج الأولي، الذي يقدِّرون تكلفته بمبلغ يصل إلى 60 مليون دولار أمريكي. وحالما يتم بناؤه، سيكون على المجموعة أن تقنِع العالَم بأنّ الجُزُر الاصطناعية العائمة ليست مجرد وسيلة لجذب الانتباه، فإنتاج أبحاث علمية موثوق بها، وتقنيات مفيدة على نطاق واسع سيكون ضروريًّا لإثبات ذلك.

يقول وينيكي سيدج، رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والثقافي في بولينيزيا الفرنسية في تاهيتي، الذي كان قلِقًا من هجرة العقول من بلاده: “حلمنا أن يصبح هذا البناء مختبرًا علميًّا”.

الناحية الجمالية:

بدأت تصميمات نموذج الجزيرة الأولي في الظهور، ويُعتبر مظهرها عنصرًا أساسيًّا ضمن استراتيجية العلاقات العامة الخاصة بشركة “بلو فرونتيرز”. لا تتناغم خطط الشركة الحالية كليًّا مع الفن التصوري الظاهر على الموقع الإلكتروني لمعهد “سيستيدنج”، الذي يتأرجح في العديد من ملامحه بين نمط حانة “تيكي”، ومهرجان “تومورولاند”. وقد عمل بارت روفين – “أحد رواد مجال المياه” في شركة التصميمات الهولندية “بلو21” في دلفت – على وضع خطط جديدة تتناسب مع المساحات الطبيعية، ومع الثقافة.

يقول روفين: “نحن نعمل مع مصممين من تاهيتي؛ لإنتاج شيء لا يبدو كغزو غريب”. ويخطِّط تحديدًا لأخْذ أفكار من فن بناء السفن البولينيزي. فإن الزوارق الأنيقة ذات الركائز الممتدة، المسماه va’a باللغة التاهيتية، وتُنطق “فأه”، التي يستخدمها سكان الجُزُر، ثابتة وخفيفة؛ وشبيهاتها العابرة للبحار هي القوارب التي كان يجدّف بها الرحالة التاهيتيون، الذين اكتشفوا هاواي، ونيوزيلندا حوالي عام 1100 م. كما سيتم ترتيب المنصّات المتصلة، بحيث تضمن عدم تغطية الشعاب المرجانية الموجودة تحتها كليةً بالظل، وعدم قتلها. فالهدف هو – في الواقع – توسيع الموائل الحاضنة لأنواع الشعاب المرجانية (انظر: “مستوطنو البحار في الجنة”).

وقّعت شركة «بلو فرونتيرز» اتفاقًا مع حكومة بولينزيا الفرنسية لبناء قرية عائمة هي الأولى من نوعها في العالم.

راود حلم بناء مدينةٍ عائمةٍ تطوف البحار والمحيطات عقول مهندسي العمارة وكتاب الخيال العلمي. وبات الآن في طريقه إلى التحول إلى حقيقة مع مخطط بناء أول قرية عائمة في مياه إحدى جزر تاهيتي.

وقعت شركة «بلو فرونتيرز» السنغافورية مذكرة تفاهم مع حكومة بولينزيا الفرنسية لبناء قرية عائمة بتكلفة 60 مليون دولار في الجانب الجنوبي من جزيرة تاهيتي الرئيسة، في موعدٍ مبدئي لبدء التنفيذ يقع في العام 2020.

وقال جو كويرك، رئيس مؤسسة «سي ستيدينج» في سان فرانسيكو وهي المؤسسة غير الربحية الداعمة لشركة «بلو فرونتيرز» أن القرية ستكون نموذجًا تجريبيًا لاختبار التقنيات التي سنحتاجها لبناء قرىً أكبر مستقبلًا. وتأمل المؤسسة أن نتمكن من بناء مدن كاملة عائمة مستقبلًا باستطاعتها الازدهار خارج حدود المياه الإقليمية للدول الحالية.

ستقع القرية العائمة ضمن مجال محمية الشعاب المرجانية للجزيرة في مياه بعمق 30 مترًا وعلى بعد حوالي 900 متر من الشاطئ. وسيدعى من 200 إلى 300 شخص للعيش والعمل على المنصات العائمة، وستربط المنصات ببعضها عبر مماشي لتبلغ مساحة القرية كاملة نحو 750 مترًا مربعًا.

ويتوقع كويرك أن تزدهر القرى المائية عبر السياحة البيئية ومجالات الاستثمار المائية الجديدة مثل زراعة الأعشاب البحرية وطاقة الأمواج.

ويقول كويرك «سيكون لدينا شقق ومؤسسات بحثية ومطعم تحت الماء، وستجذب القرى السياح، وتزدهر فيها مجتمعات جديدة مستدامة. ومن المخطط لهذه المنصات أن تزيد كثافة الحياة البحرية عبر الزراعة وتربية الأسماك، وستستطيع النزول لقبو منزلك والنظر من خلال الزجاج لرؤية الحياة البحرية. هذه المجتمعات العائمة ستكون صديقة للبيئة.»

المدينة الفاضلة البحرية:

أُعجب العديد من المفكرين والحالمين بفكرة المجتمع البحري المثالي الذي يعيش ضمن المحيطات. وظهرت بعض الأفكار مثل فكرة مدينة «ترايتون» للمخترع الأمريكي باكمنستر فولر بإنشاء مدينة عائمة تتسع 5000 شخص ضمن خليج طوكيو لتكون امتدادًا بحريًا لإحدى أكثر المدن ازدحامً في العالم.

إلا أن العديد من تلك المخططات لم تدخل حيز التنفيذ، ولهذا يُعد الاتفاق الموقع بين شركة «بلو فرونتيرز» وحكومة بولينزيا الفرنسية المشروع الأول من نوعه. وتُخطط الشركة لرفع رأسمال المشروع إلى 60 مليون دولار.

تأسست مؤسسة «سي ستيدينج» في العام 2008 بتمويل من قبل المستثمر بيتر ثيل، ودعت منذ تأسيسها إلى بناء المجتمع المثالي خارج الحدود الدولية الحالية والمياه الإقليمية.

وستتمتع القرية العائمة بنوعٍ من الاستقلالية ويقول كويرك «سيكون للقرية حكومةٌ شبه مستقلة تحت حماية سلطات بولينزيا الفرنسية، وستكون خطوة أولى لاختبار فكرة الاستقلالية.»

الجزر العائمة:

يُخطط مهندس المشروع بارت رويفين التابع للمؤسسة الهولندية «بلو21» والمتخصص في مجال الهياكل العائمة لجعل القرية شبيهة بالقرى الموجودة على الشاطئ.

وستبدو القرية من بعيد كأنها جزيرة طبيعية، فيها منازل ذات أسطح مزروعة بحدائق خضراء بهدف تنقية المياه المستعملة. أما المباني ستُبنى من مواد مُعادة التصنيع مع الاستفادة من الموارد المحلية المتجددة كخشب جوز الهند.

ويرى رويفين أن التقنيات اللازمة لبناء مدن عائمة ستصبح مهمةً مستقبلًا خصوصًا لسكان الجزر والسواحل المهددة بارتفاع مستوى سطح البحر. إضافة إلى غنى المناطق البحرية بالموارد التي ستتيح لنا هذه التقنيات استغلالها.

ويقول رويفين «تتمتع المناطق الساحلية بأهمية خاصة ونحن نسعى لبناء المزيد من المناطق الساحلية.»

إعداد: جمال علي

المصادر: 123