العلم يثبت فوائد “النوستالجيا” الحنين إلى الماضي

هل تساءلت يوماً عن سر ما يدعى ”الحنين“؟ عن سر ذلك الشعور الذي يطاردك عندما تزور بيتك القديم الذي شهد أيام طفولتك أو شبابك، تلك الرائحة المألوفة، ذاك الاطمئنان الذي تشعر به عندما تذهب إلى مكانٍ من الماضي، غرفتك القديمة، الصور العائلية، متعلقاتك الشخصية القديمة، هل جربت يوماً أن يلتقطك الخيال إلى زمنٍ قد انقضى بالفعل ولكنك تنتمي إليه بكل جوارحك؟ زمن الطفولة الخالي من المسؤوليات والمخاوف، الراحة وتلك الأيام الدافئة، عندما كان كل شيء جيد وكان الجميع سعداء! وتتمنى لو أنك تستعيد تلك الحياة ولو للحظات… أنت هنا في حالة نوستالجيا.

ما هي ”النوستالجيا“؟

” النوستالجيا ” كمفهوم هي ” الحنين إلى ماضي مثالي “، أو هي حالة عاطفية نصنعها نحن في إطارٍ معين وفي أوقات وأماكن معينة، أو يمكن وصفها بأنها عملية يتم فيها استرجاع مشاعر عابرة ولحظات سعيدة من الذاكرة وطرد جميع اللحظات السلبية، والجدير بالذكر أن نسبة 80% من الناس يشعرون بالنوستالجيا مرة على الأقل أسبوعياً!

الوحدة تخلق ”النوستالجيا“

يقول الخبراء أن ” النوستالجيا ” هي آلية دفاع يستخدمها العقل لرفع المزاج وتحسين الحالة النفسية، لذا فإنها تكثر في حالات الملل أو الشعور بالوحدة خاصة عن كبار السن، أي عند شعور الإنسان بأن حياته فقدت قيمتها وأصبحت تتغير للأسوأ، فيقوم العقل باستدعاء ذكريات الماضي الطيبة بدفئها وعواطفها، فتعطيه تلك الذكريات الدفعة التي يحتاجها للتعامل مع التحديات الحالية، فكما يقولون أن الماضي هو ” قوت الأموات “، فالنوستالجيا هي مورد نفسي يهبط فيه الناس ليستعيدوا حياتهم ويشعروا بقيمتهم، وهي من السبل الناجحة في صد الاكتئاب ” وقتياً “، فتشعر بأن حياتك البائسة كانت ذات قيمةٍ ”يوماً ما“!

فوائد النوستالجيا:

درس العلماء مؤخرًا الشعور بالحنين للماضي وما فيه من سعادة يشوبها الألم، ووجدوا أن لهذا الشعور وظيفة إيجابية؛ إذ إنه يحسن الحالة المزاجية، وربما الصحة النفسية أيضًا؛ فقد ألقت دراسة جديدة بالضوء على فائدة الشعور بالحنين للماضي، وتوصلت إلى أن هذا الشعور لا يحبسنا في الماضي، بل إنه في الواقع يرفع من معنوياتنا وشعورنا بالحيوية.

في العديد من التجارب التي أجريت عبر الإنترنت وفي المعمل، عندما حث الباحثون المشاركين في التجربة على الاستغراق في التفكير في الماضي من خلال كلمات الأغاني العاطفية أو الذكريات، شعر المشاركون بإحساس أكبر بالاستمرارية الذاتية جرى قياسه وفقًا لمؤشر مُعتمد يطرح على المشاركين أسئلة تقيس مدى شعورهم بالارتباط بالماضي، والجوانب الجوهرية من شخصياتهم التي لم تتغير بمرور الزمن. وقد أوضح كونستانتين سيديكايدس -عالِم نفس في جامعة ساوثهامبتون في إنجلترا، والمؤلف الرئيس للدراسة التي نُشرت مؤخرًا في دورية “إيموشن” Emotion- هذا الأثر في دراسة أجراها في عام 2015. ولكن في هذه الدراسة، وجد الباحثون أن الشعور بالحنين للماضي يعزز من الإحساس بالاستمرارية الذاتية عن طريق زيادة الإحساس بالترابط الاجتماعي؛ إذ إن الذكريات العاطفية غالبًا ما تضم أحباءنا، وهو ما يمكن أن يذكرنا بشبكة اجتماعية تمتد لتشمل الكثير من الناس عبر العديد من الفترات الزمنية.

وقد وجد الباحثون هذا النمط لدى المشاركين الأمريكيين، والبريطانيين، والصينيين. كما توسع الباحثون ووجدوا -باستخدام استبانات ترصد المشاعر الأخرى المصاحبة- أن الإحساس بالاستمرارية الذاتية يضفي على صاحبه شعورًا بالحيوية والنشاط والمعنويات المُرتفعة.

وقد لاحظ تيم وايلدشوت -أحد المشاركين في الدراسة من جامعة ساوثهامبتون مع سيديكايدس- أن هناك الكثير من الطرق التي يشعر الناس من خلالها بالحنين للماضي؛ ومنها النظر إلى الصور أو طهي وجبات معينة أو مشاركة قصص الذكريات أو عزف الموسيقى. ويصف وايلدشوت هذا الشعور الذي نمر به بصورة طبيعية عدة مرات في الأسبوع بأنه “استجابة مناعية نفسية، تحدث عندما تواجهك بعض عقبات الحياة”. لذا إذا شعرت بأنك مضطرب قليلاً في موسم الأعياد، اصطحب نفسك في رحلة إلى الماضي مستعينًا بألبوم صور الذكريات.

أظهرت الدراسة، التي أجرتها جامعة ساري (في غلدفورد جنوب لندن)، أن الحنين إلى الماضي يعطي شحنة إيجابية لدماغ الإنسان على اعتبار أنه يحرك عواطفهم.

وتقول الدراسة “على سبيل المثال، المكان الذي يتزوج فيه الشخص يحمل أهمية عاطفية أكبر مقارنة مع صور حفل الزفاف”.

وقال الدكتور آندي مايرز من الجامعة “لقد تمكنا للمرة الأولى من إثبات الفوائد الجسدية والعاطفية لأهمية العودة إلى الماضي وتذكر الأحداث الجميلة”.

وأضاف “وجدنا من خلال التصوير بالرنين المغناطيسي علاقة وطيدة بين الناس والأماكن، والتي غالبا ما يكون من الصعب وصفها لفظيا”.

إعداد: أنمار رؤوف

المصادر: 1