هذا ما يفعله الحب في جسمك

الحب الرومانسي ينطوي على سلسلة من التغيرات المعقدة في جهاز المكافأة بالمخ، تجعلنا نتوق بشدة إلى مَن نُحِبّ.

لو أنك مررتَ بتجربةِ التطور من حالة الإعجاب إلى الوقوع في الحب، فقد يبدو لك أن هذا التحول يحدث بشكل طبيعي. ولكن هل سبَقَ لك أن تساءلتَ عن الكيفية التي نُحقِّق بها هذه القفزةَ العاطفية الهائلة؟ وبعبارة أخرى: ما التغيُّرات التي تحدث في أدمغتنا وتجعلنا نقع في الحب بعمق؟

ستيفاني كاسيوبو -المتخصصة في علم النفس بجامعة شيكاغو، والتي درست علم الأعصاب المتعلق بالحب الرومانسي على مدار العقد الماضي- تشرح هذه العمليةَ بأنها تتضمن عدة تغيُّراتٍ معقدة، خاصةً في جهاز المكافأة بالمخ. وبتحديد أكثر، في مراجعة لبحوث حول الحب نُشِرَتْ عام 2012، وجدت ليزا دَيامُوند وجانا ديكِنْسون -المتخصصتان في علم النفس بجامعة يوتا- أن الحب الرومانسي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بنشاط اثنتين من مناطق المخ، هما “المنطقة السَّقِيفِيَّة البطنية” (VTA)، و”النواة الذَّنَبِيَّة”. تؤدي هاتان المنطقتان دورًا محوريًّا في مسار المكافأة، وتُنظِّمان مستويات الناقل العصبي “دوبامين”، المسؤول عن الشعور بالسعادة. وبعبارة أخرى، في مراحل الحب الأولى، يشتاق المرء إلى محبوبه لأنه يجعله يشعر بسعادة كبيرة.

وتظل هذه المشاعر باقية بمرور الوقت. وتشير بحوث التصوير العصبي التي أجريناها، والبحوثُ التي أجراها آخرون، إلى أنه بمجرد أن يقع المرء في الحب –وطالما ظلت العلاقة مُرْضِيَةً– فإن مجرد تفكيره في شريكه لا يجعله يشعر بالسعادة فحسب، لكنه يمكن أيضًا أن يُخفِّف من حدة الألم والضغوط والمشاعر السلبية الأخرى.

وعلى الرغم من أن مراحل الحب الرومانسي المبكرة والمتهورة قد يصاحبها شعورٌ مختلف عن الشعور الذي يميز الحب الذي تمت رعايته على مدار سنوات، فإن أدمغتنا قد لا تُدرِك بالضرورة هذا الاختلاف. في دراسةٍ قادتها بيانكا أسيفيدو -وهي الآن باحثةٌ بجامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا- وُجِدَ أن المشاركين الذين أمضوا في الحياة الزوجية مدة 21.4 سنة في المتوسط، والذين أفادوا بأنهم ما زالوا يشعرون بالحب تجاه شركاء حياتهم، أظهَرَتْ أمخاخُهم نشاطًا في المناطق الغنية بالدوبامين، كالمنطقة السقيفية البطنية، يشبه تمامًا النشاط الذي ظهر في أمخاخ الذين كانوا يعيشون نوبات الحب المبكرة.

تبدو هذه الأنماط العصبية للحب الرومانسي عامةً ومشترَكةً في الجنسين، وفي مختلف الثقافات والميول الجنسية. ولكن، وفقًا لما أوردته مراجعةُ دياموند وديكِنسون، لا تبدو كل أنواع الحب أو الرغبة واحدة. فالحب الرومانسي والحب الأفلاطوني، على سبيل المثال، قد يكون لكلٍّ منهما طابعه العصبيُّ الخاص. وتُبين الدراسات أن العمليات العصبية المسؤولة عن الانجذاب والرغبة الجنسية يمكن أن تحدث بالتوازي مع العمليات التي تُنظِّم الحب الرومانسيّ، وقد تتقاطع أحيانًا معها، لكنها تظل مختلفةً عنها إلى حد كبير.

ومع ذلك، لا توجد دراسةٌ حتى الآن تتبعت الشخص ذاته على مدار حياته الرومانسية لمعرفة ما إذا كانت التغيرات العصبية تتوالى مع مرور الوقت. ويحاول الخبراء حاليًّا سد هذه الثغرات في فهمنا للموضوع. ومن المرجح أن تستهدف البحوث المستقبلية فصلَ العمليات الدماغية المعنية بالأمر بعضها عن بعض، بدءًا من أوَّلِ موعد غرامي عصيب إلى ما بعد مرور سنوات على اللحظة التي نطقَ فيها العاشقان للمرة الأولى كلمة “أحبك”. وسوف تدرس البحوثُ المستقبليةُ أيضًا العملياتِ العصبيةَ الأساسية المرتبطة بأنواعٍ مختلفة من الحب، كحب العائلة، والأصدقاء، والأماكن، والأشياء.

التأثير الهرموني (Hormonal Influence):

إن الهرمونين المتعلقين بمشاعر الحب بشكل أساسي هما الأوكسيتوسين، والفاسوبريسين (Oxytocin and vasopressin) اللذان يتم إنتاجهما في الوطاء، وتحررهما الغدة النخامية.

إنّ كلا الهرمونين يؤثران على الرجال والنساء.

ولكن تكون حساسية النساء أكبر تجاه هرمون الأوكسيتوسين، بينما حساسية الرجال تكون أكبر تجاه الفاسوبريسين.

تراكيز كل من الأوكسيتوسين والفاسوبريسين تزداد بشكل مكثف عند الوقوع في الحب، وتتفاعل هذه الهرمونات مع عدة أنظمة دماغية ومستقبلات في مناطق الدماغ المسؤولة عن مشاعر الحب والرومانسية.

يتفاعل كلٌّ من الأوكسيتوسين والفاسوبريسين على وجه الخصوص مع نظام الثواب (الجوائز) الدوباميني (dopaminergic reward system) والذي يدفع إلى إفراز الدوبامين من قبل الوطاء.

مسارات الدوبامين التي تنشط خلال تجربة الحب تخلق شعورًا ممتعًا بالمكافأة.

وترتبط هذه المسارات أيضًا مع السلوك الإدماني، بما يتفق مع السلوك القهري والتبعية العاطفية.

كثيرًا ما لوحظ هذا الأمر في المراحل الأولى من تجارب الحب الرومانسي.

في كثير من الأحيان، يتحقق الباحثون من تأثير كل من الأوكسيتوسين والفاسوبريسين على كائنات غير بشرية مثل فئران الحقول وفئران الجبال.

وما تم توثيقه بوضوح هو أن فئران الحقول (والتي ترتبط بزوجة واحدة طيلة حياتها) لديها كثافة أعلى بكثير من مستقبلات الأوكسيتوسين والفاسوبريسين من فئران الجبال، خاصة في نظام المكافأة الدوباميني.

علاوة على ذلك؛ فإن فئران الحقول تمارس الجنس مع أكثر من أنثى واحدة؛ عندما يتم تثبيط إفراز الأوكسيتوسين والفاسوبريسين.

وتبرز هذه النتائج الطريقة التي يسهل (أو يعيق) فيها التأثير الهرموني على تشكيل علاقة وثيقة مع الشريك.

الحب والخسارة (Love and Loss):

إن مشاعر الحب الرومانسي تقدم وظيفة تطورية هامة، فعلى سبيل المثال؛ فهي تزيد من الدعم الأبوي للأطفال المحتملين.

معظم الناس عادة ما يدخلون في أكثر من علاقة رومانسية، وفي رحلة البحث عن “الشريك المثالي” فإن خسارة الحب أمر شائع جدًا، إما عن طريق الانفصال أو عن طريق فقدان الشريك.

وبالرغم من أن هذه الخسارة تكون محزنة وكئيبة في معظم الأحيان، إلا أن معظم الناس يستطيعون تجاوز هذه الخسارة والاستمرار بالعيش.

بالنسبة لأقلية من الأشخاص؛ فإن خسارة الحب عن طريق فقدان الشريك تسبب تطور في مشاعر الحزن المعقدة، وتتميز هذه المشاعر بأنها مؤلمة ومتكررة، وانشغال التفكير بالشريك المتوفى والشعور بالحزن بوجود أي شيء يتعلق بالشريك (حتى لو كان منديلًا أو صورة).

ويقال إنه بالنسبة لأولئك الأشخاص الذين يعانون من الحزن المعقد، فهذا الحزن ينشط أيضًا مراكز المكافأة في المخ، مما ينتج عنه شكل من الحنين أو الإدمان، وهذا ما يقلل من قدرتهم على التعافي وتجاوز الخسارة.

الحب الأمومي (Maternal Love):

هناك العديد من خطوط التوازي بين الحب الرومانسي والحب الأمومي (الحب بين الأم وولدها أو ابنتها)، على سبيل المثال؛ المناطق الدماغية التي تنشط خلال الحب الرومانسي تتداخل مع تلك التي تنشط في الحب الأمومي.

على وجه الخصوص؛ المناطق الدماغية المسؤولة عن الثواب والجوائز التي تنشط خلال علاقة الحب الرومانسي تنشط نفسها في الحب الأمومي، والمناطق التي تثبط أثناء الحب الرومانسي (تلك المناطق المسؤولة عن المشاعر السلبية والحكم المنطقي) يتم تثبيطها أيضًا في الحب الأمومي.

علاوة على ذلك؛ فإن الزيادة والانخفاض في تراكيز الأوكسيتوسن والفاسوبريسين تجعل ردود الأفعال تختلف بين الحب الرومانسي والحب الأمومي، وأيضًا فإن الحب الأمومي ينشط مناطق دماغية لا يتم تنشيطها خلال الحب الرومانسي، مثل المادة الرمادية المحيطة بالمسال (the periaqueductal) grey matter)) وهي التي تميز هذه العلاقة الفريدة بين الأم وابنها.

أشياء قليلة تبدو بسيطة جدًا، تمثّل المراحل الأولى من “الحب الحقيقيّ”، أو الحب الذي تشعر به الأم تجاه طفلها، ولكنها في الواقع عملية معقدة.

إنها فن التمثيل الإيحائي الذي تقوم به الهرمونات والتفاعلات الفسيولوجية والسيكولوجية المعقدة التي تجعل من عالمنا مكانًا أفضل

الحب يحد من الأرق

إن هرمونات الحب (الأوكسيتوسين والاندورفين) تمنع إفراز الكورتيزول، وهو الهرمون المسؤول عن الإجهاد. كما ثبت علمياً أن “إعادة تشكيل الهرمونات” عن طريق عمل علاقات الحب هي واحدة من أكثر العلاجات كفاءة لنوم ليلة سعيدة.

إعداد: جمال علي

المصادر: 12