ما هي الساعة البيولوجية الموجودة داخل كل كائن حي وماهي ألية عملها وأهميتها؟

هناك دائمًا هدفان أثناء حديثِنا عن عمل الساعات البيولوجيَّة مع الطلبة، الأوَّل هو أن ننقلَ لهم آخرَ ما توصَّلنا إليه، لكنَّ الثاني – وهو الأكثر قيمة – هو أن ننقلَ لهم حماسَنا لفعلِ ما نفعل، وكيف هو الحال أن تكونَ عالمًا: كيف يؤثِّرُ ذلك في شخصيَّتِك، ولماذا نستمتع به إلى هذا الحد.

«مايكل روزباش» – أحد الفائزين بجائزة نوبل للطب 2017

ما هي الساعة البيولوجيَّة؟ وما هي اكتشافات العلماء الثلاثة التي حدت بلجنة نوبل لمنحهم جائزة هذا العام؟

تكيَّفتِ الحياةُ على سطحِ الكرة الأرضيَّةِ مع دوران هذا الكوكب، وتساعدُ الساعةُ البيولوجيَّةُ الكائناتِ الحيةَ على التناغمِ مع الإيقاع المنتظم للأربع والعشرين الساعة المؤلِّفة لليوم، وتضبطُ هذه الساعةُ إيقاعَ الأفعالِ الحيويَّةِ لدى كلِّ الكائناتِ الحيَّة وتتحكَّم في تكيُّفِها مع عناصرَ عدَّة كالبيئةِ المحيطةِ وشدَّةِ الضوء ودرجاتِ الحرارة ودرجاتِ التأكسد وغيرها.

وفي ظلِّ ما يشهده العصرُ الحديثُ من تغيُّرٍ متسارعٍ في الحياة الإقتصاديَّة وما تسببه من ضغوطٍ إجتماعيَّة وحاجةٍ متزايدةٍ لتكثيفِ ساعاتِ العمل، زادت مستويات الخلل وعدمِ الإنتظام في أداء الساعةِ البيولوجيَّة لدى العديدِ من الأفراد مِمَّا يجعلُ الحاجةُ ماسَّةً لفهم آليَّاتِ عمل هذه الساعة وكيفيَّة ضبط إيقاعِها نظرًا لِما لهذا الخلل وعدم الانتظام من انعكاسٍ سلبيٍّ على صحة الجسمِ ككل، إذ أنَّ أيَّ خللٍ في إيقاعِ هذه الساعة يكونُ سببًا في زيادة الأمراض الجسديَّةِ منها والنفسيَّة كالإكتئاب وكذلك سببًا للصعوبة في التركيز وأداءِ الأعمالِ اليوميَّة وغيرها.

مفهوم «الساعة البيولوجيَّة» يعود إلى سنة 1729:

يُنقَل عن الفرنسي المتخصَّصِ في علمِ الكهوف «ميشال سيفر» (Michel Siffre) تجربةٌ مثيرة قام بِها في السيتينيات حينما كان يجري بحثًا عن جريان أنهارٍ جليديَّة تحت الأرض، حيثُ بقي في المنطقة التي كان يجري فيها بحثه في الكهوف وتحت الأرض ولمدَّة ستين يومًا. بقي طوالَ هذه المدَّة غير عارفٍ للوقت (غير عارف إن كان الوقت ليلًا أو نهارًا وغير مستعملٍ لأيِّ ساعةٍ أو أيِّ جهازٍ دالٍّ على الوقت) ولكنَّه كان يقومُ بأعمالِه اليوميَّة بطريقةٍ طبيعيَّة متبِّعًا أحاسيسه، فينام عندما يشعرُ بالنعاس، ويأكل حينما يحسُّ بالجوع.

وبعد انتهاء هذه المدة، خرج من تحت الأرض ليجدَ أن جسدَه ما زال يقومُ بوظائفِه كاملة وهذا ما قاده إلى القول بوجود ساعةٍ بيولوجيَّة ركيزة التناغم في أجسامِنا.

وتعودُ فكرةُ تكيُّفِ الكائنات مع دورانِ كوكب الأرض وتعاقبِ الليلِ والنهار إلى سنة 1729 حيث أجرى الفلكي الفرنسي «جون جاك دورتوس دو ميران» (Jean Jacques d’Ortous de Mairan) تجربةً على نبتة «الميموزا» (Mimosa) وهو نباتٌ تنفتح أوراقه باتجاهِ الشمس نهارًا وتنغلق ليلًا إذ وضع «دو ميران» هذه النباتات في مكانٍ مظلمٍ ولاحظ أنَّها حافظت على فتح وإغلاق أوراقِها دوريَّا بنفس المواعيد والأوقات، مِمَّا جعله يستنتج سببًا داخليَّا (غير مرتبط بالضوء) لهذا الانتظامِ في المواعيد.

التجربة التي قام بها العالِم «دو ميران» على نباتات «الميموزا»:

وبعد حوالي مئتي سنة (سنة 1930) راقب عالم النبات الألماني «Erwin Bunning» أوراق نبات الفاصولياء مسجلًا حركاتها خلال تعاقب الليل والنهار، وكذلك وضعها في مكانٍ يتواجدُ فيه الضوء بشكلٍ دائمٍ وأعاد المراقبة والتسجيل، فلاحظ استمرار التعاقب في حركة أوراق نبات الفاصولياء.

ولهذه الأسباب افترض العالمان («دو ميران» و«بانيغ») أنَّ التواتر اليومي (Circadian Rhythm) تحكمه وتضبطه ساعةٌ داخليَّة. وهذا ما توصَّل إليه علماء القرن العشرين الذين نعتوا هذه الساعةَ الداخليَّةَ بالساعةِ البيولوجيَّة.

نبذة عن الاكتشافات المحقَّقة في مجال «الساعة البيولوجيَّة»:

فيما يلي نبذة عن الاكتشافات المحقَّقة في هذا المجال:

  • 1971: العالِم «سيمور بنزر» (Seymour Benzer) وتلميذه «رونالد كانوبا» (Ronald Kanopa) – وكانا يعملان في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (California Institute of Technology) – يبيِّنان أنَّ التواتر اليومي (Circadian Rhythm) ليس مجرَّد ظاهرة سلوكيَّة بل له في نظامِنا البيولوجي قاعدة جينيَّة، وقد تمكَّنا من تحديد موضع «الجين» (Gene) المسؤول عن التواتر اليومي (Circadian Rhythm).
  • 1984: العلماء الثلاثة «جيفري هول» (Jeffery C. Hall)، «مايكل روزباش» (Michael Rosbach) و«مايكل يونغ» (Michael W. Young) (الفريق الذي فاز بجائزة نوبل) عزلوا «الجين» (Gene) الأوَّل المسؤول عن السَّاعةِ البيولوجيَّةِ والذي سُمِّيَ «الجين بيريود» (Period Gene)، ويؤدي هذا «الجين» (Gene) إلى صناعة بروتينٍ يُسمى «Per». ويتراكمُ هذا البروتين في في الخليَّة نهارًا ثم يتكسَّر ليلًا في دورةٍ مدتها أربع وعشرين ساعة.

لم يكن واضحًا في هذه المرحلة كيف يتوقَّف «الجين بيريود» عن العملِ ليلًا حتى يتكسَّر البروتين، وبالتالي لم تكن آليَّة عملِ الساعةِ البيولوجيَّةِ مفهومةً بالكامل، فافترض كلٌّ من «جيفري هول» و«مايكل روزباش» أنَّ البروتين المصنَّع والمُسَمَّى «Per» يدخلُ إلى نواةِ الخلية مانعًا تكوين المزيد منه وهذا ما يُسمَّى بحلقات التغذية الراجعة المانعة (Inhibitory Feedback Loop). وبنفس الطريقة يكون تكوين المزيد من البروتين «Per» حينما ينفذ من الخليَّة. ولكنَّ المشكلة هنا كانت الحاجة إلى بروتين جديد «يمسك» بالبروتين «Per» ويجعله يدخل إلى نواة الخلية ويوصل الرسالة للــــــــ «الجين بيريود».

تحديد جين الساعة البيولوجية:

خلال سبعينيات القرن الماضي، تسائل (سيمور بنزر) وتلميذه عن إمكانية تحديد جيناتٍ تتحكَّم في الساعة البيولوجية لذبابة الفاكهة. وأوضحوا أن طفراتٍ في جينٍ غير مُحدد تسببت في إخلال الساعة البيولوجية لهذا النوع من الذباب، وأطلقوا على هذا الجين اسم (Period). ولكن كيف يؤثر هذا الجين على الساعة البيولوجية؟

سعى العلماء الفائزون بجائزة هذا العام، والذين كانوا يدرسون أيضًا ذبابة الفاكهة، إلى اكتشاف كيفية عمل الساعة البيولوجية. ففي عام 1984، تمكَّن جيفري هال ومايكل روسباخ، اللذان كانا يعملان بتعاونٍ وثيقٍ في جامعة برانديزز في بوسطن، ومايكل يونغ في جامعة روكفلر في نيويورك، من عزلِ جين (Period) بنجاح. وبعدها تَمكَّن جيفري هال ومايكل روسباخ من اكتشاف أن بروتين (PER)، وهو البروتين المُشفَّر بواسطة جين (Period)، يتراكم بداخل الخلايا أثناء الليل ويتحلَّل أثناء النهار. وهكذا، توصَّلوا إلى أن مستويات بروتين (PER) تتذبذب وتتغير على مدار دورة الأربعة وعشرين ساعة، التي تُمثِّل دورة الأرض، في تزامنٍ مع إيقاع الساعة البيولوجية في داخلنا.

عقارب من نوع خاص:

جميل جدا، الآن نحن نقف وجها لوجه أمام الاكتشاف الذي حصل على نوبل 2017، لكن قبل البدء دعنا نعود قليلا إلى المرحلة الثانوية لأجل أن نتعلم بشكل مبسط للغاية عن بعض البيولوجيا الجزيئية(7) التي سوف تؤثر كثيرا في فهمنا لما هو قادم بهذا التقرير، حيث -مثلا- ما الجين؟ نحن نعرف أن الحمض النووي (DNA) الخاص بكل كائن حي يحتوي على كل صفاته الظاهرة، طول الجسم، شكل الأذن، لون العينين، شكل الأنف، لون الشعر، وظائف الخلايا وتشكلها… إلخ، كل شيء، والحمض النووي هو مركب كيميائي ضخم للغاية يتخذ شكل شريط مزدوج، لكنه يتكون بالأساس من تتابع لأربع وحدات، نسميهم بالحروف الإنجليزية “C” و”T” و”G” و”A”.

تتكرر هذه الوحدات على طول الشريط الطويل للحمض النووي، تتكرر حوالي 3 مليارات مرّة، وتعبر كل مجموعة منها عن صفة ما، بمعنى أن التتابع “UUCCGCATACGAA” يعبّر مثلا عن صفة ما، ولتكن لون العين، أما التتابع “UUUCATGGACTAU” فرغم أنه يحتوي على نفس العدد من الوحدات فإنه يعبّر عن صفة أخرى لأنه تتابع مختلف، هذا التتابع من الوحدات الكيميائية الذي يعبّر عن صفة ما هو ما نسميه “الجين”، وقد تستلزم الصفة -أية صفة كطول الأصابع مثلا- جينا واحدا في الكائنات البسيطة، أو أكثر من جين في الكائنات المعقدة كالإنسان.

يشبه الأمر أن تكتب برنامجا ما بلغة الحاسوب، فقد يكون هذا البرنامج عبارة عن لعبة سيارات تجري في شوارع كاليفورنيا أو بغداد، لكنه بالأساس هو مجموعة حروف مكتوبة بطريقة ما ومسجلة في ذاكرة الجهاز، ما يحدث هنا هو أن هذا التتابع من الوحدات -الجين- يتواجد فقط في نواة كل خلية من خلايا أجسامنا، لكنه لا يستطيع الخروج منها، هنا يقوم بنسخ نفسه على مركب آخر ندعوه الـ “RNA” الذي بدوره يخرج من النواة ثم يقوم بترجمة كل جين إلى البروتين الخاص به خارج النواة، البروتين الذي بدوره يكوّن صفة ما من صفاتنا، نحن إذن تلك اللعبة التي تدور أحداثها في كاليفورنيا، بينما كل شفراتنا مسجلة بالحروف في أنوية خلايانا.

آلية توقيت ذاتية التنظيم:

الهدف التالي كان فهم كيفية نشوء واستمرار مثل هذا النوع من الإيقاع اليومي. قام جيفري هال ومايكل روسباخ بافتراضِ أن بروتين (PER) يُوقف نشاطَ جينٍ يُدعى (period gene). واستنتج العالمان أنه عن طريقِ حلقةٍ من التغذية الراجعة السلبية (inhibitory feedback loop)، يقوم بروتين (PER) بوقف نشاط الجين المسؤول عن إنتاجه هو نفسه، وبهذا ينظم البروتين مستواه ذاتيًّا بشكلٍ مُستمرٍ ودوريّ (شكل 2-أ). (أي أنه كلما ازداد معدل البروتين في الخلايا، قلَّ إنتاجه والعكس)

كان هذا النموذج مثيرًا، ولكن كانت هناك بعضُ أجزاءٍ من اللغز مفقودة. فلكي يتم إحباط نشاط جين (Period)، لا بد من وصول بروتين (PER) الذي ينُتَج في السيتوبلازم إلى نواة الخلية التي تحتوي على مادتها الوراثية. وقد أوضح جيفري هال ومايكل روسباخ أن هذا البروتين يتراكم في نواة الخلية أثناء الليل، ولكن بقي السؤال.. كيف وصل إلى هناك؟ في عام 1994 اكتشف مايكل يونغ جينًا مؤقتًا آخرًا يُنظِّم الساعة البيولوجية، وهو جين (timeless)، والذي يُشفِّر بروتين (TIM) اللازم من أجل ساعة بيولوجية طبيعية. في عمله الأنيق، أظهر يونغ أنه عندما يرتبط بروتين (TIM) مع بروتين (PER)، فإن كليهما يمكنه دخول نواة الخلية حيث يوقفان نشاط جين (Period) لغلق حلقة التغذية الراجعة السلبية

وقد أوضحت آليةٌ كهذه المُنظِّمة لعلميات التغذية الراجعة (feedback) كيفيةَ ظهورِ هذه التذبذبات في مستويات البروتين داخل الخلية، ولكن ظلَّت الأسئلةُ قائمةً. كسؤالِ: ما هو الذي يتحكَّم في تردد وتكرار هذا التذبذبات والتغيرات؟ مايكل يونج قد حدد جينًا آخر أسماه (Doubletime) يعمل على ترميز البروتين (DBT) الذي يقوم بتأخير تراكم بروتين (PER) وهذا يقدم نظرةً ثاقبة عن المزامنة التي تتم بين الوقت على مدار اليوم، وبين اختلاف نسب البروتينات داخل الخلايا.

وأظهرت الاكتشافات المتوالية من قِبَلِ الحائزين على الجائزة المبادئ الرئيسية لطريقة عمل الساعة البيولوجية. فخلال سنوات، تم توضيح المكونات الجزيئية الأخرى لآلية عمل الساعة البيولوجية، وتوضيح وظيفتها وطريقة استقرارها. وهذا العام، تم تحديد البروتينات الإضافية المطلوبة لتفعيل الجين (Period)، وكذلك الآلية التي تصف كيفية حدوث المزامنة بين الضوء والساعة البيولوجية.

نظرة على علاقة الوقت بوظائف الأعضاء:

تتداخل الساعة البيولوجية مع العديدِ من الجوانب في فسيولوجيا أجسادنا المعقدة. نحن نعلم أن كل الكائنات متعددة الخلية، بما فيها الإنسان، قد استخدموا آليةً مُماثِلة للسيطرة على إيقاعات ساعتهم البيولوجية.

نسبة كبيرة من الجينات تُنظَّم بواسطة الساعة البيولوجية، وبالتالي ضَبْط ساعتنا البيولوجية بدقة يُساهم في تكيُّف أجسادنا مع مراحل اليوم المختلفة (الشكل 3).

ومنذ ذلك الاكتشاف المهم الذي قام به الفائزون الثلاثة، تحوَّل بحثهم إلى نواةِ مجالٍ بحثيٍّ واسعٍ خاصٍّ بالساعة البيولوجية، ستُسهم تطبيقاته بالتأكيد في تحسين صحتنا.

التخييم في عطلة نهاية الأسبوع “يعيد ضبط الساعة البيولوجية”:

اكتشف علماء في جامعة أمريكية أن الخروج في رحلة للتخييم بعطلة نهاية الأسبوع يعيد ضبط الساعة البيولوجية التي تؤثر في عادات النوم.

ويقول فريق البحث إن قضاء الوقت في الهواء الطلق يمكن أن يساعد أولئك الذين يعانون للاستيقاظ في الصباح ويقوي الصحة.

وقال الباحثون إن تبديل المباني بالخيام ليس حلا على المدى الطويل. ولكن تعريض أنفسنا لمزيد من الضوء الساطع خلال النهار (وأقل ليلا) يمكن أن يساعد.

فأجسادنا لديها “إيقاع” يومي يتوقع الليل والنهار من أجل تنسيق كيفية عمل الجسم.

ويؤثر هذا اليقظة والمزاج والقوة البدنية ومتى نحتاج إلى النوم وحتى خطر حدوث نوبة قلبية.

ويساعد الضوء الساعة البيولوجية في الحفاظ على معرفة الوقت، ولكن الحياة العصرية مع الضوء الصناعي والمنبهات والهواتف الذكية غيرت عادات النوم لدينا.

وقال الدكتور كينيث رايت من جامعة كولورادو بولدر لبي بي سي “نحن نستيقظ في وقت تقول لنا فيه الساعة البيولوجية إنه يجب أن نظل نياما”.

ويقول إن ذلك أمرا ضارا بالصحة، فهناك دراسات تشير إلى ارتباط ذلك باضطرابات المزاج وداء السكري من النوع الثاني والبدانة. كما أنه ببساطة يجعلنا نشعر بالدوار والنعاس عندما نحاول الاستيقاظ في الصباح.

زر إعادة الضبط:

لذلك نظم الدكتور رايت سلسلة من رحلات التخييم لمجموعة صغيرة من المتطوعين، وكان عليهم ارتداء ساعات خاصة سجلت مستويات الضوء، كما خضعوا لاختبارات دم لتحليل هرمون النوم (الميلاتونين).

وكان الضوء الصناعي الوحيد المسموح لهم به هو وهج نار المخيم، فحتى المصابيح اليدوية تم حظرها.

وأول شيء تعلموه هو أنه في رحلة تخييم تستمر أسبوعا في الشتاء يتعرض الناس للضوء 13 ضعف ذلك الذي يتعرضون له في المنزل، على الرغم من أنها أحلك فترة في السنة.

وبدأت مستويات الميلاتونين ترتفع لديهم أبكر بساعتين ونصف عن المعتاد، كما أنهم ذهبوا إلى الفراش أبكر أيضا.

المخيمون نائمون الآن ويستيقظون بتناغم مع ساعات أجسامهم.

وأظهرت رحلة تخييم أخرى أنه يمكن الحصول على معظم هذه الفائدة بمجرد الذهاب في رحلة في عطلة نهاية الأسبوع.

وقال الدكتور رايت “نحن لا نقول التخييم هو الجواب، ولكن يمكننا تقديم المزيد من الضوء الطبيعي في الحياة الحديثة. إنه شيء يمكننا كمجتمع تنظيمه دون أن يضطر الناس إلى تغيير سلوكياتهم”.

وقال إنه يعتقد بإمكانية إعادة تصميم المنازل والمكاتب والمدارس للسماح بمزيد من الضوء الطبيعي.

ويمكن أيضا استخدام الجيل الجديد من المصابيح الكهربائية التي يمكن أن تكون أكثر سطوعا في النهار وباهتة ليلا.

ومع ذلك، وفي الوقت الراهن، فإن الساعات البيولوجية للناس تبدأ في العودة إلى إيقاعها القديم بمجرد العودة من رحلة التخييم.

ومن أجل الاستمرار في الاستفادة من إعادة ضبط الساعة البيولوجية بفضل رحلة التخييم، فإن الناس بحاجة للحصول على كمية كبيرة من الضوء في اليوم، وذلك على سبيل المثال عن طريق الخروج للنزهة قبل العمل، وتقليل الضوء في المساء باستخدام ضوء صناعي أقل.

ويقول الدكتور رايت إنك إذا كنت ترغب في مشاهدة برنامجك التلفزيوني المفضل في المساء “قم بتسجيله”.

اختلافات شتوية:

وتوصل الباحثون أيضا لأدلة على أن الساعات البيولوجية لدينا تتغير خلال السنة مما قد يؤثر على وظائف الجسم.

ففي خلال أسبوع التخييم الصيفي تم تغيير إنتاج الميلاتونين لساعتين أما في فصل الشتاء فتم تغييره لـ 2.6 ساعة الأمر الذي يشير إلى أن أجسامنا تتفاعل بشكل مختلف بناء على طول اليوم سواء كان طويلا أم قصيرا.

ونحن نعرف بالفعل أن بعض الناس يعانون من تدني الحالة المزاجية مع الاضطرابات العاطفية الموسمية.

الساعة البيولوجية تساعد الأشخاص على الشفاء:

في الواقع، كل خلايا الجسم لديها ساعتها البيولوجية الخاصة، والتي تتزامن مع درجة الحرارة، والهرمونات، وغيرها، فيما تُنسق سيمفونية عمل الساعة من قبل موصل واحد، أي ساعة الدماغ البيولوجية الأساسية.

أما جائزة نوبل الممنوحة لثلاثة علماء أمريكيين ركزوا أبحاثهم على البيولوجيا الجينية والجزيئية لإيقاعات الساعة البيولوجية، فتشير إلى مدى تأثيرها على صحتنا. وأوضحت الأستاذة في جامعة روكفلر والباحثة في مختبر الدكتور مايكل يونغ ألينا باتكي، أن الإيقاعات اليومية لا تتحكم فقط في السلوك البشري وعلم وظائف الأعضاء، بل أيضا في الحيوانات والنباتات وحتى الفطريات.

وأظهرت الدراسات أن اضطرابات ايقاعات الجسم تساهم في الإصابة بأمراض متنوعة مثل السرطان والسكري. وقد بدأ العلماء في الآونة الأخيرة يتساءلون عما إذا كان العكس قد يكون صحيحاً أيضاً: أي هل يمكن أن نسترشد الشفاء من خلال إيقاع الجسم؟

ويُذكر أن دراستين جديدتين تدعمان هذه الفكرة. وأشارت دراسة جديدة نُشرت في مجلة علوم الطب الانتقالي إلى أن الجروح، مثل الحروق والإصابات، تُشفى بنسبة 60 في المائة أسرع عندما تحصل الإصابة خلال النهار بدلاً من الليل.

وحلل علماء من مختبر مجلس البحوث الطبية لعلم الأحياء الجزيئية في كامبريدج بإنكلترا سجلات 118 مريضاَ اُصيبوا بحروق وتم رعايتهم في إنجلترا وويلز.

ووجد الباحثون أن الحروق التي تحصل خلال فترة الليل، تستغرق وقتاً أطول للشفاء من الحروق التي تحصل خلال النهار، أي بمعدل 28 يوماً مقارنة بـ17 يوماً، إذ أشاروا إلى أن أحد أسباب هذا الشفاء السريع خلال فترة النهار هو أن خلايا الجلد تتحرك بسرعة أكبر لتُصلح موقع الإصابة، وداخل الخلايا الفردية، فإن هذه السرعة مدفوعة بزيادة نشاط البروتينات التي تشارك في حركة الخلايا وإصلاحها.

وقال المؤلف الرئيسي للدراسة نيد هويلي إن الباحثين وجدوا أن الهندسة المجهرية للخلية، أي الهيكل الخلوي للاكتين، تتفاعل على مدى 24 ساعة، مضيفاً أن “إحدى الوظائف الرئيسية لهذه الخلايا هي الاستجابة للإصابات عن طريق الانتقال إليها وإفراز البروتينات لإصلاح الضرر”.

ويعتقد الباحثون أن عملية الشفاء مدفوعة بساعات الساعة البيولوجية الداخلية للخلايا الفردية وليس الإشارات المرسلة في جميع أنحاء الجسم.

كما تكهن هويل بأن وقت إجراء العملية الجراحية، يمكن تحديده ليتزامن مع الوقت البيولوجي لكل مريض، أي النهار أو الليل.

ونُشرت دراسة جديدة أيضاَ الشهر الماضي في مجلة “لانسيت” إذ أوضحت أيضا أن التوقيت قد يكون ضروريا للرعاية الصحية.

وبعد خضوع عدداً من المرضى لجراحة القلب المفتوح، عانى بعضهم من حالات صحية أثرت سلبياً على النتائج وزيادة خطر الوفاة. وحاولت “لانسيت” معرفة ما إذا كانت هذه النتيجة السيئة تتأثر بالوقت الذي تحدث فيه العملية خلال اليوم.

وقام المؤلف الرئيس للدراسة والأستاذ في جامعة ليل في فرنسا الدكتور ديفيد مونتيغني بالإضافة إلى زملائه، بفحص السجلات الطبية التي شملت 596 شخصاً، خضعوا لجراحة استبدال صمام القلب بين كانون الثاني/يناير 2008 وكانون الأول/ديسمبر 2015. وخضع نصف عدد المرضى لعملية جراحية خلال فترة الصباح، فيما خضع نصفهم الآخر لعملية جراحية خلال فترة ما بعد الظهر.

وقال الباحثون إن الأشخاص الذين أجروا عملية جراحية خلال فترة ما بعد الظهر، واجهوا خطراً صحياً أقل بنسبة 50 في المائة خلال 500 يوم من إجراء عمليتهم مقارنة بالأشخاص الذين أجروا عملية جراحية خلال فترة الصباح. ومن بين 298 مريضاَ خضعوا لعملية خلال فترة ما بعد الظهر، فإن 28 مريضاَ عانوا من حالات مرضية مقارنة بـ54 مريضاَ من بين 298 خضعوا لعملية جراحية خلال فترة الصباح.

إعداد: جمال علي

المصادر: 1234