ما هو السبب وراء إختيار مهندسي الفضاء لرقع معينة من الأرض لإطلاق الصواريخ؟

هل تساءلت يوماً عن السبب الذي يدفع مهندسي الفضاء إلى اختيار رقعةٍ معينةٍ من الأرض كمنصةٍ لاقلاع الصواريخ؟ ما الذي يميز هذه الأماكن تحديداً ويجعلها أكثر ملائماً لإطلاق صواريخ الفضاء؟ فعلى الرغم من توفر المساحة للحكومة الروسية إلا أنها اختارت كازاخستان لتنشئ قاعدتها الفضائية فيها! أما الولايات المتحدة فاختارت جزيرةً غير مستقرة الأجواء! إن تحديد المكان المناسب لإطلاق المركبات الفضائية أو الصواريخ يخضع لحساباتٍ دقيقةٍ تعتمد على حركة الأرض، الوقت، المكان، حالة الطقس، ويخضع لحساباتٍ هندسيةٍ دقيقةٍ، وسوف نتحدث بشيءٍ من التفصيل في هذه المقالة عن أسباب اختيار هذه المواقع عن غيرها، وما هو تأثير بقية العوامل الاخرى عند إطلاق الصواريخ، وسنشير كذلك إلى أسباب هذه الاختيار في الدولتين الرائدتين في السباق التقني نحو الفضاء.

قبل التطرق لسبب اختيار هذه الاماكن المحددة، لا بد لنا أن نتذكر حقيقةً مهمةً وهي أن الأرض متحركةٌ، حيث أن كوكبنا يدور حول محوره (نفسه) باتجاه الشرق كل 24 ساعةً تقريباً بسرعةٍ تبلغ 1600 كيلومترٍ في الساعة تقريباً، وأن الأرض تدور أيضاً حول الشمس كل 365 يومٍ بمدارٍ محددٍ بسرعةٍ تبلغ 108 ألف كيلومترٍ في الساعة تقريباً. أما بقية الاجسام الأخرى في الفضاء فهي متحركةٌ أيضاً كما نحن في قاربنا الأزرق، حيث لا يوجد جسمٌ ثابتٌ لا يتحرك في الفضاء، فكل الاجسام تتأثر بجاذبية جسمٍ آخر وتدور حوله بطريقةٍ ما أو بأخرى.

تحركات عديدة لا نشعر بها لأننا فعليا نتحرك معها بنفس السرعة. كما نحن عندما نقود السيارة او نركب الطائرة لا نشعر بهذه الحركة. فحسب النظرية النسبية لآينشتاين. إن الاجسام التي تحمل أجساما أخرى تكتسب نفس مقدار التحرك التي تفرضه عليها وبالتالي لا نشعر بها.

الآن وبعد الحديث عن جميع هذه التحركات الفلكية، نأتي للحديث عن الجزء المهم وهو كيفية استفادة العاملون من حركة الأرض للحصول على أكبر قوةٍ لدفعٍ الصاروخ المتجه نحو الفضاء. ولقد ذكرنا سابقاً ان الأرض تدور حول نفسها وحول الشمس، فماذا سيحدث لو استغلينا هذه الحركة لمصلحتنا؟ تمكن مهندسو وكالات الفضاء من فعل ذلك بإطلاق الصاروخ باتجاه الشرق، مما يضيف للصاروخ قوة دفعٍ ناتجةً عن حركة الأرض حول نفسها باتجاه الشرق بسرعة 1600 كم/س، كذلك سيعطي إطلاق الصاروخ في نفس اتجاه حركة الأرض حول الشمس بسرعة 108 ألف كم/س قوةً إضافيةً أيضاً تمكنه من الانفلات من الجاذبية الأرضية بفاعليةٍ أكبر.

هذا بالنسبة إلى الاستفادة عن عنصر “حركة الأرض” لإطلاق الصاروخ، أما عنصر “الوقت” من السنة واليوم فتكون الاستفادة منه بناءً على وجهة الصاروخ او المركبة الفضائية. ولتوضيح ذلك انظر إلى الصورة المرفقة بالأسفل.

من الناحية النظرية من الممكن إرسال صاروخ إلى الفضاء من أيّ نقطة على الكرة الأرضية، فخارطة القواعد الفضائية الأساسية تؤكد أنّها تتوزّع بشكل جيّد في جميع أنحاء العالم، مع ذلك، تبقى بعض الأماكن أكثر مناسبة من غيرها لتركيب قاعدة الإطلاق.

كلّما كانت قاعدة الإطلاق أقرب إلى خط الاستواء ازدادت فاعليّتها، والسبب أنّ السرعة الخطّية لدوران الأرض تكون أكبر عند خطّ الاستواء منها عند سواه.

على سبيل المثال في الرسم البياني أدناه نستعرض نقطتين إحداهما بالقرب من القطب الشمالي (خط العرض 60° شمالًا مثلًا) والأخرى عند خط الاستواء؛ عندما تدور الأرض حول نفسها، تنتقل النقطتان بنفس السرعة الزاوية، ولكن النقطة التي عند خط الاستواء تقطع مسافة أكبر، مما يعني أنّ سرعتها الخطية أكبر بكثير من السرعة الخطّية للنقطة القريبة من القطب الشمالي.

ميزة هذه السرعة الأكبر عند خطّ الاستواء هي أنّها ستضاف إلى قوّة الدفع التي نقدمها للصاروخ أثناء الإقلاع.

فالأمر أشبه بالوثب من حافة باب دوّار وهو يدور، سرعة الباب الدوّار ستضاف إلى اندفاع قدميك ممّا يسمح لك بالقفز أبعد قليلًا، وهو نفس ما يحدث للصاروخ عندما يقلع من خطّ الاستواء، وهكذا كلّما كانت قاعدة الإطلاق أقرب من خطّ الاستواء كلّما استفاد الصاروخ أثناء إقلاعه أكثر من السرعة الإضافية من دوران الأرض، وهو ما يسمح بوضع حمولة أثقل لكمية الوقود نفسها.

هذا يجعل موقع إقلاع الصواريخ كورو Kourou بغينيا الفرنسية والتابع لوكالة الفضاء الأوروبية أفضل من موقع بايكنور Baïkonour الروسي.

فموقع كورو يقع على بعد خمس درجات فقط شمال خطّ الاستواء وله سرعة دوران تقدّر بـ 1670 متر في الساعة، في حين أنّ موقع بايكنور يبعد عن خطّ الاستواء بـ 45 درجة وبسرعة دوران 1160 متر في الساعة.

عندما يقلع صاروخ سويوز Soyouz من محطّة كورو، بإمكانه حمل ثلاثة أطنان إذا وضع في المدار الجغرافي الثابت، في حين أنّه الصاروخ نفسه لن يستطيع حمل أكثر من 1.7 طن إذا أقلع من قاعدة بايكونور، وفق أرقام قدّمها موقع المركز الوطني للدراسات الفضائية CNES.

هنالك عامل آخر حاسم في عملية اختيار موقع قاعدة الفضاء وهو ما يحيط بها.

لا يجب أن ننسى أنّ خزانات الصاروخ تحمل عدة مئات من الأطنان من الوقود النفاث، والتي عند الاحتراق بدورها تولّد في بضع دقائق تفاعلًا كيميائيًا انفجاريًّا هائلًا، لذلك و لأسباب أمنية(وبسبب الضوضاء أيضًا) من الأفضل تجنب تثبيت محطات الإقلاع بالقرب من المناطق المكتظة بالسكان.

كذلك يجب الحذر من الحطام الذي يمكن أن يسقط على الأرض، فباستثناء بعض شركات الفضاء ك SPACE X و BLUE ORIGIN التي تعمل على التخلّص من الطابق الأول من صواريخها بعد إقلاعها، فإن مختلف طوابق الصواريخ تسقط على الأرض بعد إنجاز مهمّاتها.
وفي هذه النقطة أيضا تمتاز محطة كورو التي تطلق صواريخها فوق المحيط ٠ في حين أنه في روسيا أو الصين تسقط طوابق الصواريخ في المناطق الصحراوية التي من الممكن أن تقع فيها حوادث إذا ما أصبحت مأهولة تدريجيا.

كما أن القاعدة التي حولها منطقة صحراوية شاسعة تكون قادرة على قذف صواريخها باتجاه الشرق (لبلوغ المدار الجغرافي الثابت)، أو إلى الشمال للوصول إلى مدار قطبي.

إعداد: جمال علي

المصادر: 123