لماذا لا نسمع عن أمراض سرطان القلب، وهل نحن محصنون من سرطان القلب؟

الأورام القلبية هي أمراض نادرة جداً حيث لا تتعدى أعداداً قليلة ًمتفرقة ًحول العالم، بينما الأمراض القلبية الأخرى كاحتشاء العضلة القلبية مثلاً شائعة الحدوث بشكل كبير وتعتبر سبباً شائعاً للوفاة، يعود ذلك إلى الدورة الخلوية في القلب التي تتوقف في وقت مبكر من حياة الشخص.

وبالتالي تتوقف الخلايا العضلية القلبية عن الانقسام ويكون النمو بزيادة الحجم لا بزيادة العدد الخلوي، هذه الدورة الخلوية المحكمة هي سيف ذو حدين فهي تضعف احتمال الإصابة بالورم إلى حد بعيد، ولكنها تجعل القلب من النسج غير القادرة على تجديد الخلايا التالفة وهذا ما يفسر النسبة الكبيرة من الوفيات نتيجة الأمراض القلبية غير الورمية.

كان السرطانُ ولا يزال واحداً من أهمِّ المواضيعِ التي تشغل اهتمامَ الباحثين، حيث قامت دراساتٌ لا حصر لها بدراسةِ أسبابِه وكيفيةِ نشوئِه وأماكنِ توضُّعِه، والأهمُّ إمكانياتُ علاجِه بشكلٍ فعَّال. وباستعراض هذه الأبحاثِ ستجد أن تلك التي تتناول سرطانَ القلبِ تقتصر على عددٍ متواضعٍ من الدراساتِ المتفرّقة. فلماذا هذا الغموضُ والنُّدرةُ في الحديث عن هذا الموضوع؟ وهل قلوبُنا فعلياً لا تُصاب بالسرطان؟

بدايةً لا بدَّ من الإشارةِ أنّ كلاً من الأورام البِدْئيةِ (التي تنشأ من أنسجة القلبِ نفسِه) والانتقاليةِ يمكن أن تصيبَ القلبَ، وعلى الرّغمِ من ندرة كليهما فإن الغالبيةَ العظمى من الأورام المكتشَفةِ هي من النوع الثاني، أي عبارةٌ عن نقائلَ ورميةٍ يمكن أن تَرِدَ من البُنى التشريحيةِ المجاورةِ للقلب (كالرئةِ مثلا) أو حتى البعيدةِ عنه، حيث تشُقُّ الخلايا الورميةُ طريقَها إلى القلبِ عن طريق انتقالِها في الدم، علماً أن تلك الأورامَ تصيب عادةً الجانبَ الأيمنَ من القلب (الذي يتلقى الدمَ من مختلف أنحاءِ الجسم).

وبالانتقال إلى الأورامِ البدئيةِ فيَغلُب أن تكونَ سليمةً، ويُعدُّ أشيعُها عند البالغين الورمُ المخاطيُّ Myxoma ، أما عند الأطفالِ فالأشيعُ هو الورمُ العضليُّ المخطَّطُ Rhabdomyoma (يشاهَد بشكل نموذجيٍّ في سياق تناذُرِ التصلّبِ الحَدَبِي¹ tuberous sclerosis).

وتشكل الساركوما الوعائيةُ angiosarcoma النوعَ الأشيعَ بين الأورامِ البدئيةِ الخبيثةِ (الساركوما بشكل عام هي الأورامُ التي تنشأ على حساب النُّسُجِ الرخوة). وفي إحدى الدراساتِ التي شملت تشريحَ جثثِ حوالي 12000 شخصٍ، عُزِلَ من 7 منها فقط ورمٌ بدئيٌّ (بنسبة مئويةٍ تُقدر بأقل من 0.1%).

هنالك ثلاثةُ عواملَ تلعب دوراً في جعل قلوبِنا محصَّنةً نسبياً من الإصابة بالسرطان وهي:

  1. طبيعةُ خلايا العضلةِ القلبية.
  2. نُدرةُ النسيجِ الدُّهنيِّ في القلب.
  3. الحمايةُ التي يوفرها التامورُ المحيطُ بالقلب.

أولاً، تعتبر خلايا العضلةِ القلبيةِ متمايزةً بشكلٍ نهائي أي أنها توقفت عن الانقسام الخَلويِّ ويقتصر نموُّها على الزيادة في حجم الخليةِ وليسَ الزيادةَ في عددها، وهذه السِّمةُ تجعل القلبَ غيرَ قادرٍ على إصلاح أيِّ أذيةٍ نسيجيةٍ، ومن جهة أخرى تجعله مقاوِماً لنشوء الأورام، حيث أنّ هذا الضعفَ في النشاط الانقساميِّ يجعل احتمالاتِ حدوثِ خللٍ في حَرَكيّاتِ الدورةِ الخلوية (التي تشاهَد في سياق نشوء الأورامِ المختلفة) منخفضاً جداً.

و يرى الدكتور ميتشل غاينور Dr. Mitchel Gaynor، الأستاذُ المساعدُ في جامعة ويل كورنيل Weil Cornell Medical College ، أنّ مورّثاتِنا تلعب دوراً مهماً أيضاً في تفسير ندرةِ الأورامِ القلبية.

فكما أصبح معروفاً أن التعبيرَ الوراثيَّ أو الجينيَّ قابلٌ للتعديل خلال الحياةِ وهذا بدوره يلعب دوراً في نشوء السرطان. حيث تلعب البيئةُ المحيطةُ بنا بما تحويه من موادَّ مَسرطِنةٍ موجودةٍ في البيئة أو الأطعمةِ التي نتناولها دوراً مهماً في تفعيل المورّثاتِ أو كبحِها.

وقد ظهر أنه حيثما توجد وفرةٌ من النسيج الدُّهنيِّ يمكن أن تتواجدَ العديدُ من المواد السامةِ toxins ² (كما هو الحال في الثدي) وعلى الرغم من كوننا مزوّدين بوسائل دفاعيةٍ لمواجهةِ مثلِ تلك العواملِ المؤذيةِ، كوجود أنزيماتِ نزعِ السمّيةِ والمغذّياتِ زهيدةِ المقدار micronutrients ³ التي تعمل على تفعيلِ مورّثاتٍ كابِتةٍ للورم tumor suppressor genes، إلا أنّ بعضَ السمومِ الخطيرةِ في النسيج الدهني تبقى قادرةً على تعديل المورّثاتِ وفي النهاية نشوءِ السرطان. ومن هنا نرى كيف أنّ فقرَ قلوبِنا بالدُّهنِ وفّرَ لها حمايةً إضافية.

و أخيراً يؤمّن التامورُ (وهو الغشاءُ المحيطُ بالعضلة القلبية) حمايةً لهذا العضو النفيسِ “القلب” (علماً أن التامورَ يمكن أن يُصابَ بدورِه بالأورام).

وبذلك نجد أنه وعلى الرغم من حماقاتِ القلبِ عند الوقوع في الحب إلى أنه يتمتع بذكاءٍ يحميه من الإصابةِ بأكثر الأمراضِ خطورةً وخُبثاً!

قال الطبيب جاكلين بارينتوس: “هناك أورام تظهر في القلب، لكنها ليست شائعة لذلك لا نسمع بها”

أورام القلب الخبيثة التي تعرف باسم Rhabdomyosarcomas نادرة جداً، بنسبة لا تتجاوز 0.1 بالمائة، حسب دراسة مبنية على 12000 حالة تشريحية، تم فيها تشخيص سبع حالات فقط وجد فيهم نوع من أنواع الأورام القلبية الأولية (يقصد بها الأورام التي توجد في القلب دون أن تنتشر إليه من أي مكان آخر من الجسم).

وهذا يعني أن أغلب السرطانات التي توجد في القلب تنتشر إليه من أنسجة أخرى، أي أنها أورام ثانوية، ولفهم ذلك يجب علينا العودة إلى الوراء في مفاهيم السرطان الرئيسية..

حسناً، في الحالة الطبيعية يقوم العدد الهائل من الخلايا التي يحتويها جسمنا (37.2 ترليون خلية) بعمليات تتشارك فيها بحمل العبء الهائل الذي يترتب عليها بتنظيم بيئة أجسامنا، فتنمو، تنقسم، وتموت في وقت محدد ليتم استبدالها بغيرها، والسرطان هو اختلال هذه العمليات باختصار.

يبدأ السرطان – كما نعلم – عندما تنمو الخلايا بشكل غير مُتحكم به، أو غير مُسيطر عليه، وهذا بسبب تضرر الــDNA، وفي الحالة الطبيعية تقوم الخلية بإصلاح أي ضرر يحدث في الـ DNA، أو تموت دون أن تنقسم..

لكن الخلايا السرطانية لا تقوم بإصلاح العيب في الـDNA، كما لا تموت، بل تتابع الانقسام مشكلة المزيد من الخلايا ذات الـDNA المشوّه، وبهذه الانقسامات تستطيع أن “تغزو” الأنسجة الأخرى، بينما لا يمكن للخلايا الطبيعية أن تقوم بذلك، وعندما ذكر الأطباء أن السرطان يأتي من قسم آخر من الجسم، كان هذا ما عنوه.

وذكر الأطباء أن معظم الأورام الثانوية التي تغزو القلب تأتيه من الرئتين، المريء، الكبد، المعدة، وحتى الأعشاش الخلوية لسرطان الدم تشكل السرطان في القلب، وأغلب هذه الأنواع من السرطانات تنتشر باتجاه القسم الأيمن من القلب، أي في المكان الذي يدخل فيه الدم إليه.

ولكن.. لماذا لا تكون هذه الأورام متشكلة في القلب دون أن تنتقل إليه من مكان آخر؟

يتمكن الأطباء من خلال الفحص المجهري أن يتعرفوا إلى أصل الخلايا السرطانية في كل نسيج تغزوه، فمثلاً إذا انتقلت الخلايا السرطانية من البنكرياس إلى الدماغ وشكلت ورماً، يُمكّن الفحص المجهري من تحديد مصدرها، فيظهر أن هذا الورم لا يشبه الأورام السرطانية التي تحدث في الدماغ، عوضاً عن ذلك ستبدو الخلايا مطابقة لخلايا الأورام البنكرياسية، وتلعب الجينات الدور الأساسي في كون الورم أولياً او ثانوياً.

ويقول الطبيب ميتشل غاينور في كتابه “The Gene Therapy Plan” الذي سيكون مطروحاً للأسواق عام 2015 أن العلماء قد بدؤوا مؤخراً بفهم الآلية التي يتعدل من خلالها التعبير المورثي للـDNA مما يسبب ظهور السرطان، وهذا التعبير المورثي الشاذ يعتمد في عمله على عوامل مسرطنة تأتي من البيئة المحيطة أو من الطعام الذي نتناوله.

وهي تتحكم بالفترة التي يتم تفعيل الجين فيها، وتكرار المرات التي سيعبر فيها عن الصفات التي يحملها، وتوجد هذه العوامل المسرطنة في الثدي عند المرأة بشكل مكثف لأن الثدي غني بالخلايا الشحمية وهي أكثر أنواع الخلايا حملاً للمواد المسرطنة، مما يفسر انتشار سرطان الثدي بكثرة.

إعداد: جمال علي

المصادر: 12