لماذا تعيش النساء مدة أطول من الرجال وفقاً للعلم؟

تنعم النساء، في جميع أنحاء العالم، بأعمار أطول من الرجال. الصحفي “ديفيد روبسون” يتحقق من الأسباب وراء ذلك، ومما إذا كان يمكن للرجال أن يفعلوا شيئاً حيال هذا الأمر.

ما معنى أن كوني رجلاً سيجعلني أموت على الأرجح في عمر أصغر من أقراني من النساء حولي؟ وهل يمكنني القضاء على هذه اللعنة التي تلحقني بسبب أنني ذكر؟ ومع أن هذا الفرق المحير صار معروفاً منذ عقود من الزمن، لكننا بدأنا مؤخراً نقترب أكثر من معرفة بعض الأجوبة المتعلقة به فقط.

أحد الأدلّة على أنّ النساء يمتلِكْن مدة حياةٍ أطول:

تحتوي قاعدة بياناتٍ للوفيّات البشرية على جداولَ لأعمار رجالٍ ونساءٍ من 38 دولةً والتي تعود لعام 1751 في السّويد، وعام 1816 في فرنسا.

“مِن المثير للإعجاب، وبحسب قاعدة البيانات تبيّن أنّه لجميع الدول الـ 38 وفي كلّ سنة، العمر المتوقع للإناث عند الولادة يتجاوز العمر المتوقع للذكور”.

هذا ماكتبه ستيفن أوستاد – Steven Austad البروفيسور البارز ورئيس قسم الأحياء في كلية العلوم والآداب في جامعة ألاباما في برمنجهام، ومعه كاثلين فيشر – Kathleen Fischer أستاذ مساعد وباحث في علم الأحياء

توقُع العمر الطويل للإناث يتم عبر النظر خلال مراحل الحياة، وذلك في وقتٍ مبكرٍ من العمر (من الولادة حتى سن 5 سنوات)، وعند عمر 50 عام، وأيضًا عند نهاية الحياة.

أظهرت بياناتٌ من عدة أبحاثٍ في علم الشيخوخة أنّ النساء تُشكّل 90% من هؤلاء الذين يعمرون لـ 110 سنوات أو أكثر.

قدّمت آيسلندا مثالًا حيًا على ميزة طول العمر للإناث، وذلك بحسب أفواج الولادات من منتصف 1800م وحتى أوائل 1900م.

وهذا البلد يُعتبر صغيرًا ومتجانسًا جينيًا (سكانه من نفس الأصل الجيني)، والذي عانى من كوارث طبيعية، ومجاعاتٍ، وأوبئة

وخلال تلك الفترة، انخفض متوسط العمر المتوقع عند الولادة ليصل إلى 21 عامًا أثناء الكوارث، وارتفع ليصل إلى 69 عامًا في الأوقات الجيّدة، ولكن في كل عام، وبغض النظر عن توفر الغذاء والأوبئة، نجت النساء وعمّرت في كل من المراحل الأولى والأخيرة من الحياة بشكلٍ أفضل من الرجال.

أجرى أوستاد – Austad وزملاؤه في عام 2011 بحثًا استقصائيًا يتألف من 118 دراسة على الفئران المخبرية، من بين هذه الدراسات أخبرت 65 دراسة أنّ الذكور عاشت أطول من الإناث، بينما أخبرت 51 دراسة أخرى أنّ الإناث عاشت أطول من الذكور، وأظهرت اثنتان أنّه ليس هناك فرقٌ بين الجنسين في طول مدة الحياة.

إحدى الآراء القديمة هي أن الرجال يرهقون أنفسهم بالعمل، فيحفرون قبورهم بأنفسهم مبكراً. سواء كانوا يعملون في منجم، أو في حراثة الأرض، فإنك تراهم يعرضون أجسامهم إلى مجهود إضافي، ثم يكدسون الإصابات التي تعرضوا لها لتظهر في أواخر أيامهم.

لكن لو كان هذا صحيحاً، لكان الفارق قد تلاشى بين الجنسين لأن كليهما يستقران في أعمال متشابهة حاليا، ويعتمدان فيها على الجلوس كثيرا.

في الحقيقة، إن الفارق العمري قد ظل على ما هو عليه حتى أثناء حصول التغيرات العظيمة في المجتمعات. تأمل السويد على سبيل المثال، وهو البلد الذي يوفر أكثر السجلات التاريخية المعتمدة. في عام 1800، كان متوسط العمر المأمول عند الولادة هو 33 عاماً للنساء و31 عاماً للرجال؛ واليوم أصبح ذلك 83.5 للنساء، و 79.5 للرجال.

في كلتا الحالتين، تعيش النساء بنسبة تقرب من خمسة في المئة أكثر من الرجال. وكما ذكرت إحدى المقالات مؤخراً: “أفضلية البقاء هذه، اللافتة للنظر بثباتها، تعمل لصالح النساء مقارنة بالرجال في مراحل الحياة الأولى والأخيرة أيضا، وفي مجمل الحياة تُلاحَظ في كل بلد وفي كل عام، وحيثما توجد سجلات معتمدة للمواليد والوفيات. لعلنا لا نجد نمطاً أكثر قوة من هذا في علم الأحياء البشري”.

كما لم يصعب إثبات أن الرجال هم أكثر إساءة لأبدانهم. إن عوامل مثل التدخين، وتناول المشروبات الكحولية، والإفراط في الأكل توضح لنا جزئياً سبب إزدياد الفارق الكبير بين الجنسين باختلاف البلدان. فعلى سبيل المثال لا الحصر، يُرجح للرجال الروس أن يموتوا قبل النساء الروسيات بفارق 13 عاماً. ويعود السبب في ذلك، جزئياً، إلى أنهم يدخنون أكثر ويشربون الخمر بكميات أكبر.

إن عوامل مثل التدخين، وتناول المشروبات الكحولية، والإفراط في الأكل توضح لنا جزئياً سبب إزدياد الفارق الكبير بين الجنسين غير أن هناك حقيقة أخرى في عالم الحيوان أيضا؛ فإناث قردة الشمبانزي والغوريلا وإنسان الغاب والجيبون أيضاً تعمر أكثر من الذكور في أصنافها. جدير بالذكر أننا لم نشهد قردة ـ ذكوراً أو إناثاًـ تدخن السجائر، أو تمسك أقداح الجعة في أياديها.

يبدو أن الجواب يكمن في عملية نشوئنا وتكويننا. “بالطبع، للعوامل الاجتماعية ونمط الحياة تأثير، ولكن يظهر أن هناك ما هو أعمق من ذلك، وقد ترسخ في أجسامنا،” كما يقول “توم كيركوود” الذي يدرس الأسس الحياتية للشيخوخة بجامعة نيوكاسل في المملكة المتحدة.

هناك العديد من الآليات المحتملة ـ بداية من مجاميع المادة الوراثية، والتي تُعرف باسم الصبغيات (أو الكروموسومات)، الموجودة ضمن كل خلية. توجد تلك الكروموسومات في شكل أزواج، وللإناث زوجان من الكروموسومات “إكس”، وللذكور كروموسوم “إكس” و “واي”.

لعل هذا الاختلاف هو ما يغير بمهارة الطريقة التي تعمر بها الخلايا. بامتلاك كروموسومين من نوع “إكس”، فإن الاناث يمتلكن نسخاً مزدوجة من كل جين (مُورِثَة)، أي أن لديهن احتياطيا في حال اختلال عمل أحدها.

أما الذكور فليس لديهم ذلك الاحتياطي. النتيجة هي أن عمل العديد من الخلايا قد يصيبه الاختلال عبر الزمن، مما يجعل الذكور معرضين بشكل أكبر لمخاطر الإصابة بالأمراض.

من البدائل المحتملة الأخرى هي فرضية “قلب المرأة الراكض”، وتقول هذه الفرضية إن معدل ضربات قلب المرأة يتسارع خلال النصف الثاني من الدورة الشهرية، مما له نفس منافع القيام بتمارين معتدلة. النتيجة هي تأخير مخاطر أمراض القلب والأوعية الدموية في مراحل لاحقة من الحياة. أو قد تتعلق المسألة ببساطة بالحجم فقط.

للأشخاص الطوال خلايا أكثر في أجسامهم، مما يعني أنهم معرضون أكثر لحصول طفرات ضارة؛ كما تحرق الأجسام الأكبر طاقة أكثر، مما يزيد من البلى داخل الخلايا نفسها. ولأن الرجال يميلون ليكونوا أطول من النساء، وبناءً على ذلك، فهم يواجهون أضراراً أكثر على المدى البعيد.

لعل السبب الحقيقي يكمن في الهورمون الذكري (تستوسترون) الذي يوجه أغلب الخصال الذكرية الأخرى، من خشونة الصوت إلى الصدر المشعر، والرؤوس المتوجة بالصلع.

هناك دلائل أخرى من مكان غير متوقع؛ مثل المحكمة الإمبراطورية لسلالة تشوسون في كوريا.

هناك العديد من الآليات المحتملة ـ بداية من مجاميع المادة الوراثية، والتي تُعرف باسم الصبغيات (أو الكروموسومات).

حلل العالم الكوري “هان ـ نام بارك” مؤخراً سجلات مفصلة لحياة المحاكم تعود إلى القرن التاسع عشر. شملت هذه السجلات معلومات عن 81 من المخصيين الذين أزيلت غددهم التناسلية الذكرية قبل بلوغهم سن الرشد. كشفت تحليلاته أن المخصيين عاشوا لأعمار تصل إلى نحو 70 عاماً. أما معدل أعمار البقية من الرجال في المحكمة فقد كان 50 عاماً فقط.

بشكل عام، كانت احتمالية إحتفالهم بالذكرى المئوية لمولدهم أعلى بنسبة 130 في المئة من معدل الرجال الذين عاشوا في كوريا في تلك الفترة. حتى الملوك ـ أكثر الناس المدللين في القصرـ لم يقتربوا من هذه النسبة.

لم تبين جميع الدراسات التي أجريت على أنواع أخرى من المخصيين مثل هذه الفروق الواضحة. مع ذلك، يبدو على العموم أن البشر (والحيوانات) بدون خصية يعمرون أكثر.

والأسباب الحقيقية لذلك بعيدة المنال، لكن حسب تخمينات “ديفيد جيم” من كلية لندن الجامعية، ربما ينجم الضرر عند نهاية سن البلوغ. ويشير “جيم”، في محاولة لإثبات تخميناته، إلى الحالات المؤسفة للمرضى النفسيين الذين وضعوا في مصحات عقلية في الولايات المتحدة الأمريكية في بدايات القرن العشرين.

فقد أجريت لبعضهم عمليات قسرية لإزالة الخصيتين كجزء من “العلاج”. وكما في حالة المخصيين الكوريين، فقد عاش هؤلاء أيضاً أعمارا أطول من معدل نزلاء المصحات، وكان ذلك فقط إذا كانت العمليات قد أجريت لهم قبل بلوغهم سن 15 عاما.

ربما يقوم الهورمون الذكري بتقوية أجسامنا على المدى القصير، لكن هذه التغييرات نفسها هي التي تتركنا معرضين لأمراض القلب والالتهابات الجرثومية والسرطان في أواخر العمر.

يقول “جيم”: “على سبيل المثال، قد يزيد هرمون التستوسترون من زيادة إفراز السائل المنوي، لكنه يعزز سرطان البروستات؛ أو إنه قد يؤثر على وظيفة الدورة الدموية بما يحسن أداءها في المراحل الأولى من الحياة ولكنه يؤدي إلى إرتفاع ضغط الدم وتصلب الشرايين في مراحل لاحقة من العمر”.

لا يقتصر العمر الأطول للنساء على مخاطر هرمون التستوسترون لدى الرجال فقط. فربما ينتفعن أيضاً من “إكسير الشباب” لديهن، والذي يساعد على مداواة بعض ويلات الزمن. فهورمون “إستروجين” النسوي هو “مضاد للتأكسد”. يعني ذلك أنه يزيل المواد الكيمياوية السامة التي تسبب إجهاد الخلايا.

في تجارب أجريت على الحيوانات، توصل الباحثون إلى أن الإناث اللاتي يفتقدن هورمون الاستروجين يميلن للعيش أقل من اللاتي لم تُجرى لهن عمليات جراحية. ذلك على العكس تماماً من مصير الذكور المخصيين. يقول “كيركوود”: “إذا ما أزلت مبيض إناث القوارض، فإن الخلايا لن تُصلح الأضرار التي تلحق بجزيئاتها كما في السابق”.

يعتقد كل من “كيركوود” و “جيم” أن هذا نوع من أنواع المكافأة لعملية النشوء والتطور بما يعطي للجنسين، الذكور والاناث، أفضل الفرص لتمرير المادة الوراثية لديهما.

أثناء عملية الجماع، من المرجح أكثر للنساء أن ينجذبن إلى ذكور “ألفا”، أي الممتلئين بالهورمون الذكري. ولكن حال ولادة الأطفال، تنتفي الحاجة إلى الرجال، حسبما يقول “كيركوود”.

ويضيف: “ترتبط رعاية واستفادة الذرية بشكل مباشر بصحة جسم الأم. ملخص الكلام هو أن ما يهم الأطفال أكثر هو عافية الأم وجسمها، وليس الأب.”

ذلك عزاء لا يُذكر للرجال في يومنا هذا. والحال كهذه، يقر العلماء بأننا نحتاج إلى الاستمرار في البحث عن رد نهائي محدد.

يقول “كيركوود”: “يتوجب علينا حقاً المحافظة على ذهن متفتح لكي نُعزي الفوارق العمرية إلى إختلاف الهورمونات وغيرها من العوامل الأخرى.”

الاختلافات الدماغية التي تنعكس سلوكياً:

تظهر صور الرنين المغناطيسي لأدمغة الأجنة اختلافات واضحة في البنية الدماغية منذ عمر 6 أشهر ونصف، حيث أن المنطقة الواصلة بين نصفي الكرة الدماغية أكبر لدى الإناث منها لدى الذكور، مما يترجم لاحقاً باستخدام الإناث للدماغ كاملاً للوظائف اللغوية مقابل انحصار النشاط الدماغي اللغوي في النصف اليساري للدماغ لدى الذكور، الذين يعانون عموماً من عدد أكبر من حالات التأتأة (التلعثم في الكلام) ومن صعوبات التعلم كما أن تفوقهم في الرياضيات والهندسة يقابله تفوق أنثوي في مناطق الدماغ المسؤولة عن كبح الغضب والرغبات العدوانية.

بالنتيجة، فالرجال عموماً أكثر تهوراً بكثير من الإناث، حيث يتجهون للأعمال الخطرة أكثر مما يجعلهم الضحايا الأكثر لحالات الموت بحوادث العمل والحوادث المرورية، حيث يميلون للقيادة الرعناء أكثر مع معدلات تدخين واستهلاك كحول أعلى منها لدى النساء. بالمحصلة فاختلاف البنية الدماغية يترجم إلى اختلاف في التفضيلات الحياتية حيث يتجه الذكور للخيارات الأخطر مما يؤدي إلى وفاتهم أكثر وبأعمار أصغر.

العنف، الجرائم والحروب:

بالوصول لعمر 30 سنة، يموت 4 رجال مقابل كل امرأة في حالات العنف، كما أنهم عرضة أكثر لارتكاب الجرائم ضدهم أو لارتكابهم هم للجرائم.

عدا عن كون الذكور دائماً الخاسر الأكبر في الحروب حيث أنهم يموتون بمعدلات كبيرة جداً مقارنة بالإناث فيها حتى في الحروب الأهلية منها.

في النهاية، ما من سبب وحيد يفسر الاختلاف في معدل الأعمار الوسطية للرجال والنساء، لكن مع مجموعة من العوامل المؤكدة أو المحتملة فنحن أقرب لفهم المسببات الأهم لهذا الأمر، وفرصنا أكبر في إيجاد أي أسباب أخرى.

لكن يحدونا الأمل، في نهاية المطاف، أن تدلنا معارفنا على ما يجعلنا جميعاً نعمر لفترة أطول.

إعداد: جمال علي

المصادر: 123