النفق الكمومي ومبدأ الريبة

الجهاز الذي تقرأ به هذا التقرير موجود أمامك، صحيح؟ تأكّد من ذلك رجاءً، لأنه بحسب ميكانيكا الكمّ هناكَ احتمالية طفيفة بأنه على سطح القمر وليس أمامك!

يبدو الأمر غريبًا بعضَ الشيء، لكن مع ذلك هذه ميكانيكا الكمّ، ولا غرابةَ أبدًا في نطاقها.

ظَهرت ميكانيكا الكمّ من أجل الإجابة على أسئلة لم تتمكّن الميكانيكا الكلاسيكيّة من حلّها. واحدة من هذه الأسئلة كانت إمكانية اختراق جسم لحاجز ما، والتواجد خلفه بمكان لا يفترَض بها التواجد به!

في الميكانيكا الكلاسيكية مثلًا، إذا رميتَ الكرة على الحائط ستخترقه فقط إذا كانت تمتلك طاقة أعلى من الطاقة الوضعية للحائط، لكن هذا الأمر مختلف تمامًا بالنسبة لميكانيكا الكم، فأي جسيم ليس موجودًا في مكانه بالضبط، هناكَ احتمالية أن يكونَ بمكان آخر بالقربِ من المكان المفترض تواجده فيه، أي نحن بوضعية عدم يقين من وجود الجسيم في مكان معين.

عند وصول الجسيم إلى حاجز الجهد، ولنقل حائطًا من الجهد، يصبح هناكَ احتمالية أن الجسيم يتواجد وراء الحائط «كأنّهُ يمرّ بنفق غير مرئي خلال الحائط» حتى لو كانت طاقته لا تكفي لاختراق هذا الحائط، ويصبح هناك احتمالية اختراق الجسيم لهذا الحائط، وكلّ هذا طبقًا لمبدأ الريبة لهايزنبرج:

(∆X ∆P ≥ ħ/2)

وهنا المبدأ يشير إلى ريبة دائمً في مكان جسيم ما، كذلك في حركته.

بالشكل الآخر لنفس المعادلة:

(∆E ∆t ≥ ħ)

وبعبارة أخرى، أي أنّه خلالَ زمن معيّن يمكن للجسيم أن يمتلك طاقة أعلى من الحاجز وبالتالي يخترقه!

حسنًا، كيفَ نتأكد من أن هذا المبدأ ممكن، بدون الدخول في نقاشات كمومية محيّرة؟

إنّ الشمس تستمدُّ طاقتها من اندماجات نووية بين نويّات الهيدروجين داخل باطنها، لكنّ نويّات الهيدروجين هي بروتونات، وللبروتونات شحنات متماثلة، بالتالي ستتنافر بعيدًا عن بعضها قبل أن يحدثَ الاندماج. تنافرها هذا يحدث بسبب تواجد حاجز حولَ كلّ شحنة، يسمى بحاجز كولومب، ويعمل هذا الحاجز على دفع وجعل الشحنات المتماثلة تتنافر في حال اقترابها من بعضها، لذلكَ يجب تسريع الجسيمات لتتخطى هذا الحاجز وتندمج.

لكن عندما قمنا بقياس درجة حرارة الشمس، تبيّن لنا أنها ليست عالية بدرجة كافية لتسريع نويّات الهيدروجين والضغط عليها لتخترق حاجز كولومب وتندمج، إذاً كيف تقترب من بعضها وتندمج؟

عن طريق ضغط الجسيمات قليلًا وتسريعها، وطبعًا بسبب مبدأ الريبة من الممكن للنويّات أن تكون بأماكن قريبة من بعضها لدرجة أنّها تندمج، بالتالي هي ليست بحاجة لطاقة أعلى تجعلها تندمج. أي ستندمج باختراق حاجز كولومب عن طريق النفق الكمومي دونَ أن تحتاج لطاقة أعلى من طاقة هذا الحاجز فعليًّا.

هذا جيد جدًا بالنسبة لنا كبشر، أليس كذلك؟

لولا الشمس لما كنّا على قيد الحياة، حسنًا لا تستعجل بالحكم على هذه الظاهرة، لأنّه من الممكن لهذه الظاهرة أن تكون سبب مرض السرطان. لكن كيف؟

مرض السرطان هو خطأ يحدث عند انقسام خليّة ما، مما يجعلها تنقسم دون سيطرة الجسد على انقسامها، وهذا الخطأ يحدث عند استنساخ الحمض النووي (DNA)، فعند استنساخ الحمض النووي يتم إعادة توزيع الذرّات، وعند إعادة توزيعها ممكن جدًّا أن يغير بروتون محل تواجده بالحمض النووي، ويرتبط بمكان آخر من الحمض النووي. بهذه الحالة تحدث طفرة بالحمض النووي ممكن أن تسبب مرض السرطان.

هذا التغيير بالموضع يحدُث بسبب عدم اليقين في مكان البروتون الحقيقي، وبالتالي يتسبب بتشوّه الحمض النووي، بهذا تنتج خلية سرطانية أو طفرات أخرى!

لم يتم تأكيد هذه المعلومة بعد، إذ أنّ الأمر يتطلب اختبارات وتجارب أكثر على هذه الفرضيّة، لكنها بحسب ميكانيكا الكمّ ممكنة جدًا.

في ميكانيكا الكم وببساطة «نحن لا يمكننا معرفة المستقبل، لأننا لا نعلم الحاضر» أي أنّه لا يمكننا معرفة ما ستفعله الجسيمات بدقّة، لأننا في ريبة بحالتها في اللحظة الآنية!

ترجمة: ايشو سمير

تدقيق لغوي: لؤي حاج يوسف

المصادر: 123456

المزيد