ماهي السادومازوخية فلسفياً ونفسياً؟

إنَّ الزواج الناجح هو ذلك الذي يحدث بين رجل سادي وامرأة مازوخية.

عبارة شهيرة للغاية قرأتها في أحد الكتب، وعَلِقت بذهني لفترة لا بأس بها، وإن كانت تشير إلى علاقة التكامل التي من المفترض أن يكون الزواج قائمًا على أساسها؛ فإنَّها من الناحية العلمية (النظرية) صحيحة للغاية.

ولكن ما هي السادية؟ وما هي المازوخية؟ وهل يمكن تطبيق العبارة السابقة من الناحية الطبية والأخلاقية؟؛بحيث يضع كل سادي في مواصفات فتاة أحلامه أن تكون مازوخية!.

في الواقع إنَّ ذلك السؤال لا يمكن الإجابة عليه بتلك السطحية؛ ولذلك وَجب علينا بعض التدقيق في تلك المسألة.

ماذا تعني السادية والمازوخية؟ وما هي المظاهر التي نستطيع الحكم من خلالها على هذه الظاهرة؟ وماهي الفلسفة السادومازوخية؟ ثم ما هي علاقة السادية والمازوخية بظاهرة إقبال الناس في معظم الحضارات والأزمان على التوسع والحروب؟ وهل تعتبر الحروب واستخدام أدوات العنف والأسلحة أحد مظاهر السادية؟ ولماذا يقدم بعض الناس على رياضات خطيرة قد تصل خطورتها لإلحاق الأذى بالنفس؟ ثم لماذا نتألم؟ هل فعلا ننبذ الألم و نمقته؟ ما هي الدوافع التي كانت وراء القصائد والمعلقات عند الشعراء العرب في العصور السابقة؟ أحقاً لم يحظ قيس بفرصة فعلاً لنيله ليلى وجميل من بثينة؟ ألم يكونوا جميعاً يتلذذون وراء هذا الألم الذي سببته لهم هذه المعاناة وإن اختلفت الأسباب والظروف والبيئات المحيطة؟ ثم ألا يوصف الشعب الألماني بأنه مارس سادية مطلقة على باقي شعوب أوروبا أيام هتلر؟ وألم يكن على قدر كبير من الفخر بتفوقه على باقي الأعراق؟ هل السادية والمازوخية فعلاً مرض يقتصر على الشذوذ الجنسي؟

أتت كلمة السادية (Sadism)، وهي الظاهرة التي تجعل الإنسان يتلذذ في إيذاء الغير، لا لغايات جنسية فحسب كما هو شائع، بل لغايات أخرى لا يبدو فيها أي غرض جنسي. ومن هذه الدوافع أو الأغراض المتعددة والتي تختلف حسب الشخص على سبيل المثال الشعور بالأنا وتحقيق الذات والفخر. وهو مذهب اشتق اسمه من الكاتب الفرنسي الماركيز دي ساد.

وكلمة المازوخية من (Masochism) ، ويكتب أحيانا الماسوشية أو المازوكية، والذي يعبر عن حالة الفرد في رضاه وتقبله لما يمكن أن يقع عليه من ألم أو إيذاء جسمي أو نفسي من شخص آخر واستمتاعه بهذا الألم، وينسب هذا المصطلح إلى الكاتب الروائي النمساوي الذي ارتبطت باسمه هذه الظاهرة وهو ليبولد زاخر مازوخ (1895-1836)، روائي وصحفي نمساوي درس القانون والتاريخ وتعلق بالأدب، كتب العديد من الروايات والقصص، كان مثقفاً وكاتباً كبيراً ومناضلاً شارك في بعض الثورات والحروب التي عصفت بعصره.

والمازوخية العامة تصنف كإحدى حالات ما يصطلح عليه في علم النفس بالسلوك الهادم للذات (Self-Defeating Behavior) وهي أن يقوم الشخص بأمور أو يضع نفسه في مواقف قد يعلم مسبقاً بأنها ستعود عليه بالفشل والحرمان والإذلال، ومع ذلك يجد هذا الشخص متعة وراحة خفية في القيام بهذه الأمور، أي أنه يعشق تمثيل دور الضحية والمظلوم والمحروم رغم شكواه وتذمره الظاهري من ذلك.

بعد هذا العرض السريع لتعريف كل من المصطلحين الذي وجب ذكرهما.

ماهي الفلسفة السادية والفلسفة المازوخية؟

لقد ارتبط هذان المصطلحان بداية بالجنس، واستخدمتهما مدرسة التحليل النفسي في تفسير الكثير من مظاهر السلوك البشري. ولكنهما قد انتقلا بعد ذلك إلى علم النفس الاجتماعي، ثم إلى علم الاجتماع، وأخيراً إلى ميدان الفلسفة السياسية.

تحولت السادية والمازوخية إلى نظرية في علم النفس على يد سيجموند فرويد (1856-1939). وتحولت كذلك إلى نظرية في الأدب، فأصبح مصطلح السادية مثلاً يدل على الفلسفة المادية الحسية التي اعتنقها كثير من أدباء القرن الثامن عشر في فرنسا، ولا سيما فلاسفة الموسوعة من أمثال كوندروسيه ودنيس ديدور وغيرهما. وهي فلسفة تذهب إلى أن العالم عبارة عن مادة في حالة حركة مستمرة، وليس في استطاعة الإنسان أن يدركها إلا من خلال حواسه. ومن ثم فعلى الإنسان في رأي هذه الفلسفة أن يدرب حواسه باستمرار ليكون على دراية تامة بطبيعتها، ولكي يدرك المبدأ الحقيقي للإنسان.

فهذه الفلسفة مظهر من مظاهر سعي الإنسان وراء الحقيقة في ضوء فطرته. ويرى الماركيز دي ساد أن الإنسان بفطرته ليس خيّراً. وإنما هو بالطبيعة عنيف وقاسٍ، والعودة إلى الطبيعة تعني الارتداد إلى هذه القسوة بإثارة ما في كوامن النفس من غرائز عنيفة.

والملاحظ أن هذه الفلسفة تعدت حدود القرن الثامن عشر، وأثرت على الحركة الرومانسية في أوروبا حتى العقد الأخير من القرن التاسع عشر. ولعبت دوراً مهماً في المدرسة الرمزية في فرنسا كذلك. فالسادية لم تكن كلها ممارسة جنسية عملية يسودها العنف فحسب، بل كان لها جانب نظري، وتمثل ذلك في مؤلفات الماركيز دي ساد ذات المحتوى العنيف، وأهم هذه المؤلفات روايته الشهيرة جوستين وجوليت والمعروفة أيضاً باسم لعنة الفضيلة ونعمة الرذيلة. وهذا على حد سواء مع المازوخية وروايات مازوخ وكتاباته.

وهناك أمثلة كثيرة على قادة وحكام مارسوا الفلسفة السادية وطبقوها. فخير مثال على ذلك تاريخياً هولاكو، حيث كان تنكيله بالبلاد التي مر بها جيشه تجسيداً لساديته. ويقال عن هتلر كذلك بأنه مارس الفلسفة السادية طوال فترة حكمه، حيث طمح أن يعلي من مكانة العرق الآري وضرورة سيادته وتفوقه على الأعراق الأخرى في العالم، والتي هي أقل شأناً منه بالضرورة.

وربما كانت هذه العلاقة أوضح ما يكون في حقل السياسة، وقد صورها الأديب الأمريكي هيمنجواي بالحاكم الظالم الجبار على شعبه، فيقرر الشعب ترك المدينة له، والذهاب للعيش في غابة، فيستيقظ الحاكم ليجد نفسه وحيداً ويعلم أن شعبه يعيش في الغابة، فيذهب إليهم ويلح عليهم في العودة واعداً ألا يعود أبداً إلى الظلم مرة أخرى فهو بدونهم لا يكون ملكاً ولا حاكماً (كما تروي القصة أيضاً إحدى مسرحيات فيروز). وهي كلها أفكار مأخوذة من فكرة هيغل عن جدل السيد والعبد طوال التاريخ.

فإن السادية والمازوخية يمثلان ضرباً من ضروب الحكم السياسي والذي يقوم على أساس المتسلط وهو الحاكم، والخاضع وهو المحكوم. أي أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين المصطلحين أو بين النزعة السادية المتسلطة التي تفرض سيطرتها على شخص أو مجموعة من الأشخاص، وبين النزعة المازوخية التي تستسلم، بل وتستعذب الألم الذي يقع عليها. وهذا ما يبرر جمعهما في مصطلح واحد هو ما نسميه بالعلاقة السادومازوخية، وهي العلاقة التي يكون فيها الطرف الأول قوة مسيطرة متسلطة تفرض إرادتها، في حين يكون الطرف الثاني شخصية مستسلمة خاضعة.

وقبل ذلك قد أثار سقراط في القرن الرابع قبل الميلاد، في إحدى محاوراته والتي عرفت بمحاورة فيدون، والتي تربط بين اللذة والألم، هذه العلاقة الثنائية بين السادية والمازوخية من زاوية فلسفية. وسواء اتفق العلم أو اختلف مع آرائه، فقد فتح مصطلحا السادية والمازوخية باباً واسعاً للتأمل في ظاهرة قديمة وملازمة بدرجة أو بأخرى للحياة الإنسانية. فلا بد والقول أن هناك فلسفة في تلقي الألم والمعاناة أو إلقائها، فقسم من الناس يختار ذلك ويستسلم للظرف الذي هو فيه، وهذا ما يندرج تحت كلمات كالتضحية أو اليأس أو الواجب أو اللامبالاة.

وبالكفة الأخرى كذلك، قسم يعتريه شعور العظمة والفخر والقيادة وتعظيم الأنا. إن شعوري الهزيمة والنصر ليسا –فقط- نتيجة عن عدم تساوي القدرات المادية بين الطرفين، أي بين الأقوى والأضعف، بل يأتي المقام الداخلي في قرار الهزيمة أوالنصر داخل كل منا أمام ظروف الحياة هو المعيار الأساس لكليهما.

إن في السادية والمازوخية فلسفة، لا تقل أبداً لا على مستوى التحليل والملاحظة والواقع عن غيرها. إنها قريبة ونكاد نلامسها يومياً، وإن تراوحت نسبتها ومقدارها ومدولاتها. يصنف بعض الكتاب والمحللين المختصين بدراسة طبيعة الشعوب قائلين أن هناك شعوب خلقت لتسود وتحكم، وأخرى خلقت لأن تخضع و تنفذ الأوامر. إن هذا التصنيف -وقد اختلف عليه المفكرون بين مؤيد ومعارض له- لا يكاد يخلو من الصحة إن رأيناه ضمن دائرة واسعة تجعلنا نتجرد من فكرة أن السادية أو المازوخية هي مرض واضطراب نفسي وشذوذ جنسي، وهذا بالطبع إن كانت ردود الفعل ضمن الإطار المعقول.

هل تساءلنا يوما لماذا أكبر عظماء التاريخ مروا بمحن مختلفة تتباين في قسوتها، وعلى الرغم من ذلك تابعوا حياتهم وحققوا نجاحات باهرة!!، بينما أشخاص آخرون لديهم نفس مستوى القدرات العقلية، مروا بحياتهم في مطبات مختلفة، قد اعتزلو الحياة والعمل!!. لكل منهم استراتيجيته، لعمل ما يراه صحيحاً وذلك مع ما يتواءم مع شخصيته. وليس بعيداً عن هذا السياق إن ذكرنا الشعراء العرب الذين ذاع صيت قصصهم العاطفية مع محبوباتهم.

فعندما اختار جميل البعد عن بثينة والوقوف على أطلال ذكرياتهما، لم يكن نتيحة معارضة أهلها من تقربه منها فقط، بل كان له ولها يد في ذلك حيث تكون شعلة الحب والمعاناة من وراء ذلك متقدة. إنه لغريب، نعم. فهناك عدة روايات تؤكد مثلاً لقائهما سراً وقدرتهما على الهرب في أسوأ الأحوال ولكن ذلك لم يحصل. وعدا عن ذلك لماذا يقدم البعض على رياضات قاسية فيها حد كبير من الخطورة والمجازفة قد تصل للموت وتقام على ذلك احتفالات وتحقق بها مقاييس عالمية!!

نستخلص في نهاية مقالنا أن الفلسفة السادية والمازوخية والتي شملت ميادين واسعة من العلوم وأنتجت روايات وكتب ونظريات أنها موجودة فعلاً ولها مآثر إيجابية عديدة. والذي نظر علم النفس في البداية إلى هذه العلاقة بين السادية والمازوخية على أنها تمثل انحرافاً، مخالفاً لما يعتبرها معظم علماء النفس الآن فيعتبرونها نزعات طبيعية عند البشر، رغم أنها قد توجد بصورة منحرفة عند بعضهم. فيقول أريك فروم (1900-1980) أن النزعات السادومازوخية موجودة عند البشر بدرجات متفاوتة في الأشخاص الأسوياء والمنحرفين على حد سواء. فهذه الفلسفة ومظاهرها لامستنا تاريخياً وأدبياً وسياسياً ورياضياً ونفسياً.

سايكولوجيا السادومازوخية:

نظريّات مبكرة:

وضع الطبيب الألماني، يوهان هاينريش ميبوم، أول نظريّة للمازوخية في كتابه “أطروحة استخدام الضرب بالسوط في الطب والجِماع” (1639).

رأى ميبوم أن ضرب ظهر الرجل بالسوط يقوم بتدفئة المِنى في كليتيه، ما يؤدي إلى الإثارة الجنسية عند تدفق المِنى لأسفل إلى خصيتيه.

وتحدثت نظريات أخرى حول المازوخية عن تدفئة الدم أو استخدام الإثارة الجنسية للتخفيف من الألم البدني.

في كتابه “الاعتلال النفسي الجنسي” (1886)، وهو ملخص لتاريخ حالات وجرائم جنسية، لم يدمج كرافت إيبنج السادية والمازوخية معًا، إذ رأى أن كلًا منهما ينبع من منطق جنسي وشهواني مختلف.

وفي كتابه “ثلاث مقالات في النظرية الجنسية”، أشار فرويد إلى أن السادية والمازوخية يظهران معًا عادةً عند نفس الأشخاص، ولذا فقد جمع المصطلحين معًا.

رأى فرويد السادية تشوهًا للمكون العدائي في غريزة الرجل الجنسية، والمازوخية نوعًا من السادية ضدّ الذات، وشذوذًا أخطر من السادية البسيطة.

أشارَ فرويد إلى أنّ الميل لإنزال الألم أو تلقيه في أثناء الجِماع هو “أكثر صور الانحراف شيوعًأ وأهميةً”، وعزاها شأنها شأن الكثير من الأمور الأخرى إلى قصور التطور النفسي أو انحرافه في الطفولة المبكرة.

ولم يهتم فرويد كثيرًا بالسادومازوخية لدى النساء، إما لأنه من المُعتقَد أن السادية تصيب في الغالب الرجال، أو لأنه يُعتقَد أن المازوخية هي ميل عادي وطبيعي لدى النساء.

وذهب الطبيب البريطاني هافلوك إليس (1859-1939)، في كتابه “دراسات في سيكولوجية الجنس”، إلى أنه لا يوجد فارق واضح بين جوانب السادية والمازوخية، وقَصر السادومازوخية في إطار الشهوانية، ومن ثم فصل بينها وبين الاعتداء والقسوة.

أما الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز (1925-1995)، فكان رأيه مختلفًا.

ففي مقاله الجفاء والقسوة، ذهب دولوز إلى أن “السادومازوخية” مصطلح مصطنع، والسادية والمازوخية ظاهرتان منفصلتان في الواقع، وقدّم آراء جديدة عن السادية والمازوخية، لكنني غير قادر للأسف على فهمه على نحو كامل.

تفسيرات:

يمكن قول الأمر نفسه عن السادومازوخية بوجه عام، فالسادومازوخية يصعب فهمها.

اطرحُ هنا بعض التفسيرات لها.

وعلى الرغم من أنّ بعض هذه التفسيرات يسري في بعض الظروف دون غيرها، فلا ينفي أيٌ منها التفسيرات الأخرى، فلا شك أنّ أقوى مشاعرنا لا تنبع من دافع واحد فقط.

فمن الجلي أن الشخص السادي قد يستقي متعته من مشاعر القوة والسلطة والسيطرة، ومن “معاناة” المازوخي، يمكن أيضًا أن يكنّ السادي رغبة لا واعية لمعاقبة مَن يشعر تجاهه بانجذاب جنسي لأنه أثار رغبته، ومن ثم أخضعه له، أو في بعض الحالات يمكن أن يعاقبه لأنه أحبطَ رغبته أو أثار غيرته.

من خلال التعامل مع الشريك بوصفه شيئًا لا بشرًا، لا يضطر السادي إلى التعامل مع الجانب العاطفي لذلك الشريك، ويمكن أن يخدع نفسه بأن الجنس ليس ذا مغزى كبير؛ فما هو إلا تصرف نابع من الشهوة، لا من الحب الحميمي والهادف.

يصبح الشريك غنيمة، مجرد ألعوبة، ويمكن للمرء امتلاك لعبة، وربما ضربها، لكنه لا يمكن أن يقع في حبها أو يشعر بالانجراح أو الخيانة منها.

يمكن أن تمثل السادية، أيضًا، نوعًا من الإزاحة النفسية أو التضحية بكبش فداء؛ فيُزيح السادي مشاعر مزعجة مثل الغضب والذنب ويسقطها على شخص آخر، أما التضحية بكبش فداء، فهي دافع وسلوك قديم ومتأصل في النفس البشرية.

وفقًا لسفر اللاويين، أمر الرب موسى وهارون بالتضحية بعنزتين كل عام، على أن تُذبَح العنزة الأولى ويُرَش دمها على تابوت العهد، ويضع الكاهن الأعلى، بعد ذلك، يديه فوق رأس العنزة الثانية ويعترف بخطايا الناس.

وعلى عكس العنزة الأولى، لا تُذبَح تلك العنزة الثانية المحظوظة، وإنما يُطلَق سراحها في البرية مع ما تحمله من خطايا، ومن هنا عُرِفت باسم “كبش الفداء”، والمذبح الموجود في هيكل أية كنيسة هو أثر رمزي أو تذكير بهذه الممارسة المتعلقة بالتضحية، مع كون يسوع هو المثال الأعظم للتضحية، بالطبع.

أما فيما يتعلق بالشخص المازوخي، فلعب دور الخاضع والمغلوب على أمره يمكن أن يمنحه متنفسًا لما يعاني منعه من ضغوط أو أعباء المسؤولة أو الذنب، ويمكن أيضًا، أن يثير بداخله مشاعر طفولية تتعلق بالاتكالية والسلامة والحماية، التي يمكن أن تحلَّ محل الحميمية.

علاوةً على ذلك، يمكن أن يستقي المازوخي متعة من الحصول على استحسان السادي، والاستحواذ على اهتمامه بالكامل، والتحكم فيه على نحو ما.

أما فيما يتعلق بالسادومازوخية، فيمكن اعتبارها وسيلة لإضفاء مزيد من القوة على العلاقات الجنسية العادية (فيؤدي الألم إلى إفراز الإندروفين وغيره من الهرمونات الأخرى)، من خلال إعادتها إلى حالة أكثر بدائية أو حيوانية، أو اختبار الحدود، أو اللهو.

وقد طرحت رومانا بايرن، في كتابها الجديد “الجنسانية الجمالية”، فكرة لم يذهب إليها أحد قبلها تشير إلى أن ممارسات السادية والمازوخية يمكن أن تنبع من أهداف جمالية معينة مرتبطة بالذوق والمتعة والهوية، ومن ثمَّ يمكن مقارنتها بالفن.

الأسباب:

هناك عدد من الأسباب قد توضح لماذا تجد الشخصيات السادية أو المازوخية فيممارساتها تلك نوعًا من المتعة، يعتمد الأمر بشكلٍ كبير للغاية على الفرد نفسه؛ فبالنسبة لبعض الأفراد المازوخيين لعب أدوار الامتثال والعجز تُقدِّم شكلًا من أشكال الهروب العلاجي من ضغوط الحياة ومن المسؤولية أو من الشعور بالذنب، وبالنسبة لآخرين فوجودهم تحت سلطة قوية تتحكم في تصرفاتهم يثير مشاعر الأمان والحماية المرتبطة بالطفولة، وأيضًا فإنَّها قد تشعر بالارتياح عند ظهور الرضا عند الطرف الآخر الناتج عن هذا الشكل من الخضوع.

أمَّا بالنسبة للساديين فإنَّ الشعور بالقوة والهيمنة هو الذيقد يضمن لهم الاستمتاع؛ وبالرغم من ذلك فإنَّه ليس واضحًا بالكليَّة الدوافع الابتدائية التي قد تؤديإلى الرغبة بعلاقات عاطفية من النوع السادومازوخي.

من المتفق عليه عادةً عند علماء النفس أنَّ التجارب المختلفة خلال النمو الجنسي المبكر يمكن أن يكون لها تأثير عميق على طبيعة الحياة الجنسية للفرد في وقت لاحق في الحياة؛ ولكن على الرغم من ذلك فإنَّه ييبدو أنَّ الرغبات السادومازوخية قد تتباين في طريقة تشكُّلها على مدى واسع من الأعمار؛ فهناك تقارير تُفيد أنَّها بدأت تتشكل عند بعض الأفراد قبل سن البلوغ، وهناك تقارير أخرى تفيد تشكُّلها لاحقًا بعد هذا السن، ووفقًا لأحد الدراسات فإنَّ نسبة(53%) من الذكور قد طوَّروا اهتمامهم السادومازوخي قبل سن الخامسة عشر، في حين أنَّ نسبة(78%) من الإناث طوَّروا ذلك الاهتمام بعد ذلك السن.
ومِثل كل المثيرات الجنسية فإنَّ السادومازخية قد يتم تعليمها من خلال المحاولات المستمرة للتكيُّف في هذا السياق، مع الربط التكراري للمتعة الجنسية بشيء أو مُحفز ما.

العلاج:

لسوء الحظ، فإنَّ الشخص المصاب بالسادية الجنسية أو المازوخية نادرًا ما يطلب المساعدة حتى يصاب شريك العلاقة إصابة خطيرة أو يفقد رغبته في استمرارية تلك العلاقة، وللأسف فإنَّ خطورة وشدة هذه السلوكيات غالبًا ما تزيد بمرور الوقت.وبالنسبة لتوقعات التحسُّن فهي تختلف اعتمادًا على عمق المحرك والدافع للمريض. كما هو الحال مع أنواع أخرى من المشاكل، والتحسُّن يعتمد إلى حد كبير على رغبة الأشخاص في التغيير.

تمَّ العثور على أنواع مختلفة تفيد في علاج السادومازوخية، ويتضمن ذلك العلاج النفسي، والعلاج السلوكي المعرفي، والعلاج الواقعي، والأدوية، والعلاج الهرموني، والتجديد وتقنيات إعادة الهيكلة.هناك طريقة أخرى للعلاج تعتمد على التدريب على المهارات الاجتماعية، وتعتمد تلك الطريقة -جزئيًا- على إصابة بعض الناس بالسلوك السادومازوخى بسبب عدم قدرتهم على تكوين علاقات صحيَّة، سواءً جنسية أو لاجنسية مع الآخرين.

بالرغم من أنَّ التدريب على المهارات الاجتماعية لا يعتبر بديلًا عن الأدوية و العلاج النفسى، فيبدو أنَّ مرافقة ذلك للعلاج التقليدييظهر تحسنًا ملحوظًا، وقد تبيَّن أنَّ برنامج اثنتي عشر خطوة لمدمني الجنس قد يكون مفيدًا في العديد من الحالات، كذلك فإنَّ العلاج الزوجي (Couples therapy)، أو العلاج الأسري مفيد بشكلٍ خاص للمرضى الذين تزوجوا، ولأولئك الذين توترت علاقاتهم وروابطهم الأسرية بسبب اضطرابهم.

• بناءً على السابق ذكره، فإنَّ السؤال الذي طُرح في البداية عن إمكانية وضع طرفي علاقة أحدهما مصاب بالسادية والآخر مصاب بالمازوخية معًا لحل تلك المشكلة هو حل غير منطقي على الصعيد العملي، لعديد من الأسباب قد سبق ذكرها؛ ولكن يبقى السبب الأهم أنَّ طرفي العلاقة في ارتباط كهذا سيظلان معرضان لخطر دائم مستمر من إيذاء أحد الطرفين للطرف الآخر؛ وعليه فإنَّ العلاج سيظل هو الحل الوحيد.

ماذا عنك؟

إنّ بعض السلوكيات “العادية”، مثل التعامل كالأطفال، والدغدغة وعضة الحب، تحتوي على عناصر معينة من السادومازوخية، قد تعتقد عند قراءتك لهذا المقال أن هذا النوع من السلوكيات ينطبق على عدد صغير من “المنحرفين”، لكن الحقيقة هي أن كلًا منا يضمر نزعات سادومازوخية.

فمثلما يقول الكاتب المسرحي الروماني، ترنتيوس: “أنا بشر، ولا أعتبر أي شيء بشري غريب عني”.

في الغالبية العظمى من العلاقات، يكون أحد الطرفين أكثر انجذابًا للطرف الآخر، ما يجعل الشريك الأقل انجذابًا أكثر هيمنةً على الآخر، بينما يصبح الطرف الأكثر انجذابًا كالأطفال ويصير خانعًا في محاولة منه لتهدئة الطرف الآخر وإرضائه وإغوائه.

وفي النهاية، يشعر الطرف الأقل انجذابًا بالاختناق ويبتعد، لكنه إذا بالغ في الابتعاد، يمكن أن يشعر الشخص الأكثر انجذابًا بالجفاء ويصد الطرف الآخر أو يبتعد عنه، ويدفع ذلك الطرف الأقل انجذابًا إلى التغيّر ويصبح الأكثر حماسًا بين الطرفين.

وأخيرًا، يُعيد التوازن تأسيس نفسه، حتى يُقضَى عليه مرة أخرى، وهكذا إلى ما لا نهاية، السيطرة والخضوع عنصران موجودان في معظم العلاقات، لكن ذلك لا يحول دون كون العلاقات متعبة وغير مجدية، وكما يقول فرويد “غير ناضجة”.

بدلًا من لعبة القط والفأر، يجب أن يتمتع المحبون بالثقة والشجاعة ليتساما فوق هذه اللعبة، وليس مجرّد أن يتزوجا، من خلال تعلّم الثقة في بعضهما البعض، يمكن أن يتمكنا من رؤية بعضهما البعض على حقيقتهما بوصفهما بشرًا كاملين، وغاية في حد ذاتهما لا مجرد وسيلة لتحقيق غاية معينة.

الحب الحقيقي يتعلق بالاحترام، والمشاركة، والدعم، والتمكين، لكن كم من الناس يملكون القدرة على هذا النوع من الحب والنضج الكافي له؟

والحب، بالطبع، يحتاج إلى شخصين ليحيا.

إعداد: أنمار رؤوف

المصادر: 12