ما هي النظريات التي قد تكون مهمة للنمو المستقبلي للعلاج النفسي، وما هو الدور الذي يلعبه نيكولاي بيرديايف في هذا التطور؟

وجهات نظر جديدة للعلاج النفسي: تعريف بـ نيكولاي بيرديايف

أحيانا نكون مطاردين من حلم مريع. ونرى بدايات الفجر مع الإنسان الضابط العالم…هو لم يختف.

-نيكولاي برديايف

الماتريكس يحيط بك من حولك.

-فيلم الماتريكس (The Matrix 1999).

تتشكل النظريات النفسية القائمة على طرائق مختلفة من ممارسة العلاج النفسي من توتر أساسي متأصل في خطاب علم النفس ككل، علم النفس هو في نفس الوقت قاعدة علمية وتفسيرية. وستعتمد طبيعة الإطار النظري الذي تقوم عليه الممارسات العلاجية لمختلف الطرائق على موقعها على هذا الطيف.

الجانب الأول منه للمقاربات المعرفية السلوكية التي تتجه نحو الاستبعاد الكامل للبعد التفسيري، وفي الجانب الآخر على سبيل المثال التطورات في التنظير ما بعد يونغ Jung مثل علم النفس النموذجي لجيمس هيلمان James Hillman والتي تتجه نحو الاستبعاد التام للبعد العلمي لصالح التفسيري. بالمضي قدما على هذا الجانب من الطيف، تظهر للبعض تلك المجموعة الملونة من الإنسانية وعلوم النفس ما وراء الشخصية، على أنها تسقط من أعلى الجرف تجاه ذاتانية لا محدودة.

ولكن مهما مال مؤيدوا علم النفس العلمي القائم على بيانات البحث القابلة للقياس الكمي إلى السخرية من غموض أولئك الذين يفضلون التفسيرات، فإن الأخصائيين النفسيين سيتعاملون في النهاية دائماً مع أشخاص حقيقيين. إن الإقصاء التام للبعد التفسيري يمكن أن يؤدي إلى عدم فهم شامل تقريبا لهذا البعد الوجودي، والذي هو أساس في الظاهراتية الفعلية لتجاربنا. على الأقل، كما يقول مارتن Martin، سوغرمان Sugarman وطومسون Thompson في كتابهم (Psychology and the Question of Agency)، علينا أن ندرج بعض مفاهيم العمالة في نماذجنا النظرية لأن “هؤلاء العملاء والمجتمعات الذين يطلبون الخدمات الاحترافية للأخصائيين النفسيين يطلبون المساعدة غالبا بشكل عمالي” (Martin, Sugerman, Thompson 2003: 5).

بالنظر إلى الديناميكيات الثقافية الحالية، يبدو مبرراً لي الاهتمام المستجد بمفهوم العمالة وبمفهوم الشخص: “يتصور البعض وقتاً حيث ستذوب فيه لغاتنا وممارساتنا الثقافية في عالم أكثر تنميقاً، وعلمياً في طريقةٍ أكثر صحة للتحدث عن التجارب والإجراءات بطرق ليس فيها إلا مكانٌ ضئيلٌ للعمالة أو للأفكار المرتبطة بها”. والمثال الصارخ على هذا الاتجاه السائد هو ج. بولوك J. Pollock الذي يقول في كتابه “كيفية بناء شخص” (How to build a Person) ما يلي: “دعوتي هي أن بناء شخص هو ذات الشيء كبناء نموذج حاسوبي دقيق لأسلوب البناء العقلاني الإنساني” ( Pollock 1989: 112)

كان كل من منظري التفكير العلمي ومنظري ما بعد الحداثة ذو تأثير كبير على آخر فكر في المعالجة النفسية والتحليل النفسي، الحلم النهائي “موت الذات”. من المفترض أن تقدم لنا ما بعد الحداثة أدوات حاسمة للتصدي للمذهب العلمي، وللمركزية اللغوية، وللعنصرية، وللجنسانية، ولتهميش الأقليات، وأيضا لتوعيتنا بسياقية خبراتنا والتعددية والكون المتعدد الثقافات في الخارج. بل اعتقد البعض أنه قد يمكننا “من خلال إعادة فحص أو تفكيك تعريفات وافتراضات العلاج النفسي، العودة إلى مفهوم “الروح”، كبديل للمفهوم العلمي أو الطبي السائد للعقل” (Loewenthal, Snell 2003: 73). وهذه إنجازات إيجابية وبالتأكيد لا أريد رفضها. إن تفكيك أشكال مختلفة من قصر النظر الثقافي يمكن أن يكون صحياً فحسب. ولكن إجراء ما بعد الحداثة يذهب أبعد بكثير من ذوقي: العملية ناجحة، المريض ميت.

وقد يكون قد حان الوقت لكي ننظر إلى ما وراء ما بعد الحداثة، دون أن نقلب إنجازاتها. وقد أشار المحلل النفسي دون فريدريكسون Don Fredrickson بشكل مدروس إلى أوجه القصور في مرحلة ما بعد الحداثة: ” بالنظر إلى مفهوم ما بعد الحداثة، يبدو أن لدينا الآن تحليل نفسي ذاتي من دون الذات، وتحليل نفسي شخصي من دون الشخص، بل وحتى علاج نفسي من غير النفس. في هذه العملية، استبدل منظروا ما بعد الحداثة أشكالاً جديدة من الحتمية بالحتمية النفسية للتحليل النفسي الكلاسيكي والتي يرفضونها أساساً.

في الواقع، فإن مرحلة ما بعد الحداثة قد دعت إلى التشكيك في كامل مشروع المعرفة الذاتية. ولكن إن لم يكن هناك ذات، ولا شخص، ولا نفس، ما الذي يفترض الأطباء تحليله؟ (in Fire, 2003: 204). يقترح أنه من المفيد استكشاف أفكار مجموعة صغيرة من الفلاسفة الشخصانيين الروس (مثل: بولغاكوفS. Bulgakov، فلورنسكي P. Florensky، باكتين M. Bhaktin، سولوفيف V. Solovyev، فيشيسلافتسيف Vysheslavtsev، وبرديايف N. Berdyaev) لبعض الحاجة لإعادة التوجه.

وأعتقد بأن بيرديايف تحديدا (1874-1948) هو صاحب الأهمية الكبيرة هنا من بين أولئك المفكرين. وقد أشار ميخائيل إيبشتاين Mikhail Epstein، المفكر والمنظر الثقافي، إلى أن بيرديايف هو أحد أسلاف النمط الروسي الخاص لفلسفة “ما بعد الإلحاد”. ويشير إلى أنه: “… يمكن تمييز ثلاثة ميول في الفجر الضبابي لمجتمع ما بعد الإلحاد الأول للأرض. الأول هو التقليدية … والثاني هو الوثنية الجديدة …. والثالث هو الدين “الضعيف” أو “الأدنى” … والثالث، الميل الحداثي، مستوحى من نيكولاي بيرديايف، وقد صدر من المفهوم التنزيهي للحرية الصرفة، التي تضع ذاتها بشكل مسبق لله وفعل الخلق. وهو يفترض مسبقا توحيداً مسكونياً لجميع الأديان “(Epstein 1999).

إبشتاين، لائم نفسه مع هذا الاتجاه الثالث المستوحى من بيرديايف، وأخذ يسعى إلى تطويره إلى شكل آخر من أشكال ما بعد الحداثة وسمي “تفاعل الثقافات”. “تفاعل الثقافات” يتجاوز الحدود والانقسامات. وهو مفتوح لكل من الوعي البيئي والروحانية دون الحد من الجو الثقافي للإبداع البشري الحر طبيعياً كان أم روحياً. بالتوافق مع الجهود التي يبذلها برديايف، فإنه يسعى إلى خلق مساحة للإبداع البشري الحر. هذا النهج “تفاعل الثقافات” يأخذ الدوافع البارزة لما بعد الحداثة في حين أنه يقاوم إغراء “قتل المريض” من خلال الوقوع في فخ تعزيز سبب تقدم تفكيك الشخصية المتفشي في مجتمعنا المفترض حالياً. وكما أشار فعلا مارشال ماكلوهان Marshall McLuhan، بأن الزيادة الحالية للعنف على سبيل المثال يمكن تفسيرها بشكل مفيد بأنها نتيجة لتفكك الشخصية هذا . إذا كنت أشعر بالعجز والزيف، فقد يكون العنف محاولة لاسترداد الشعور بالهوية.

يطمح ابشتاين إلى منظور يكون متكاملًا دون أن يكون شمولياً، ومتعدد الثقافات دون الغرق في النسبية التي اتضح في نهاية المطاف أنها تنتهي إلى تفكيك الشخصية والتجريد من الإنسانية. يقدم فيلم الماتريكس The Matrix استعارة قوية لتفكيك الشخصية هذا والتي وجدت صدى لسبب وجيه. كمعالجين إذا ما أصغينا بانتباه لعملائنا فإن أهمية هذا الاستعارة تصبح جلية.

إذا من هو نيكولاي بيرديايف المفترض أنه يملك ما يستحق الاستماع في الوقت الحاضر؟ كان برديايف مهاجراً روسيا وقد بدأ كثائر ماركسي، ولاحقاً، من بعد إدراكه أن الماركسية والرأسمالية وجهان لعملة واحدة فحسب، ثم تحول إلى المسيحية باعتبارها الثورة الحقيقية الوحيدة الممكنة. كانت هذه الثورة، بالنسبة لبرديايف، “ثورة شخصانية” مع الآثار السياسية المترتبة على “الاشتراكية الشخصانية”.

كانت مسيحية بيرديايف مسيحية حرة، لا عقائدية، ما بعد الطائفية والتي قد استلهمت الكثير من ثيوصوفية يعقوب بوهم Jacob Boehme. كان لفكر بوهم أثر واسع، وإن كان غير مرئي في كثير من الأحيان، على الفكر الأوروبي من هيجل والرومانسية _ويمكن القول_ إلى المواضيع المركزية في نموذج يونغ لعلم عمق النفس. ويستكشف كتاب صدر مؤخراً لكاثرين وود مادن Kathryn Wood Maddenthe، “الضوء المظلم للروح “Dark Light of Soul، علاقة الألفة بين بوهم ويونغ في بعض التفاصيل. في كتاب قادم سيتم نشره في عام 2010، أسعى إلى استكشاف قراءة علم النفس عند يونغ لفكرة التفرد في ضوء فلسفة بيرديايف.

قضى بيرديايف النصف الثاني من حياته في باريس حيث سارتر، ميرليو بونتي وإيمانويل مونيه، وشكل نموذجه الخاص من الوجودية الشخصانية. وعليه فإن فكر بيرديايف يقدم لنا اتحاد أضداد رائع لـ(المسيحية) المحافظة و(الماركسية، النقد الاجتماعي، الوجودية) التقدمية. ولكن، كما أشير سابقا، يشير فكر بيرديايف إلى التقدم في المستقبل ويقدم وجهات نظر جديدة خلاقة حول كيفية تجاوز ما بعد الحداثة.

لدى فلسفته الوجودية الكثير لتمنحه للنظريات النفسية. ومع ذلك، في حين أن العديد من الفلاسفة الوجوديين مثل بوبر، سارتر، ميرليو بونتي وهيدجر قد دخلوا بنجاح في مجال العلاج النفسي الوجودي، فإن بيرديايف بالكاد قد تلقى أي اهتمام حتى الآن. أحد الأسباب ربما أنه في حين العديد من الشخصيات التأسيسية في مجال العلاج النفسي الوجودي جاءت من خلفية فرويدية غالباً، فإن فكر بيرديايف متوافق مع يونغ وتفاعل الشخصية النفسي أكثر مما هو مع فرويد.

قبل فترة طويلة من أساجيولي Assagioli مؤسس التركيب النفسي، حث برديايف على أن يحل التركيب النفسي بدلا عن التحليل النفسي. وقد قدم تحليلاً عن بنية العقل الباطن مشابهة لأساجيولي، وقد تحدث عن الأنا العليا وكذلك عن اللاوعي. وقد اكتسب تفكير بيرديايف بعض الاحترام الأكاديمي الضمني منذ أن أصبحت معروفة بواسطة كين ويلبر Ken Wilber المفكر والمنظر الرائد في هذا المجال على أنه يقدم مساهمة في مجال تفاعل الشخصية النفسي.

كان بيرديايف على دراية بالنظريات النفسية لفرويد وأدلر ويونغ ومع علم النفس الغاشتالتي، والذي يعتبره الأخير متوافق خاصة مع نظرية الشخص. شارك الكثير من القواسم المشتركة مع فلسفة مارتن بوبر التي وجدت بالفعل تطبيقها في المقاربة الحوارية لعلم النفس الغيشتالتي. وعلاوة عن ذلك، كما هو الحال بالنسبة للفلاسفة الروسيين الآخرين الذين ذكرهم فريدريكسون في ورقته، يقترح بيرديايف نظرية المعرفة المتكاملة التي تشمل الشخص كله – ليس فقط الملكات العقلانية – التي “تمثل انتقالا من تفسير المعرفة كموضوع، لفهمها كمشاركة” (Berdyaev 1976: 61) ولهذه أن تقدم مساهمات كبيرة في نظرية المعرفة الجديدة لممارسة العلاج النفسي. ضف إلى ذلك، يظهر مسح لكامل كتاباته صدى مذهل مع علم النفس عند يونغ والذي يقدم طرقا جديدة ومثيرة لاستكشاف عمل يونغ.

باختصار إذن ما هو مفهوم بيرديايف للشخص؟ الشخص بالنسبة لبيرديايف ليس كيانا جامداً، ولكنه عملية ديناميكية (متحركة). نحن أنانيون (egos) لنكون مع، و نحن مدعوون لنكون أشخاصاً. الشخص لا يمكن تشيئه. الأنا أو كما قد نسميها أيضا “الذات الديكارتية” من ناحية أخرى، والتي هي في حد ذاتها نتيجة لتشيئها بقدر ما هي مستمرة، في الواقع هي ذات فقط كالفرد البيولوجي، والممثل المركزي في دراما التحول الرأسمالي الحديث من الفردية المتفشية. فالشخص أساساً هو حقيقة تنزيهية، وهو ما يحيلنا في نهاية المطاف إلى تفاعل شخصي واقعي وحدوي كما هو جذره في الأرض. ويشير مصطلح “التنزيهي” إلى أن لا يمكن معرفته عقلانياً، ولكن يمكن إدراكه فعلياً في عملية التذوت (التحول نحو الذات) فقط، أي تعافي روحانيتنا الكامنة المتأصلة. ويعني هذا التعافي انفتاحاً على كل من العالم ونحو التفاعل الشخصي والأرضية الروحية للشخصانية. `

الروح بالنسبة لبيرديايف ملموسة وشخصية، ليس لها علاقة بالمجرد أو بالمفهوم العقلاني للعقل. إنها ديناميكية (متحركة) وحرة، وقبل كل شيء خلاقة. بيرديايف يعطي شكل لأخلاقيات الإبداع الذي من المحتمل أن يسلط الضوء على البعد الأخلاقي لما يسميه المنظرون المؤيدون ليونغ عملية الفردانية. بالنسبة لبيرديايف “علينا أن نصنع اختراعات أخلاقية فيما يتعلق بالمشاكل التي تحددها الحياة .. […] بالنسبة لأخلاقيات الإبداع، فإن الحرية لا تعني قبول القانون، بل الخلق الفردي للقيم. الحرية هي طاقة خلاقة، وإمكانية بناء حقائق جديدة … أخلاقيات الإبداع هي إحدى الديناميكيات والطاقة” (Berdyaev 1945: 132f).

إن مهمة إدخال فكر بيرديايف في مجال الخطاب النفسي الحالي ليست بالأمر السهل. إن فكره شائع السمعة بطريقة تذكرنا إلى حد ما بنيتشه Nietzsche. في الواقع، فإن أخلاقه للإبداع تدين بالكثير لحواره الحاد مع فكر نيتشه، بقدر ما يفسر علم نفس يونغ، وكما يقول الكثيرون، علم عمق النفس ككل. هذا التقارب والتباين أيضا بين نيتشه وبيرديايف هو حقيقة أخرى تثني عليه، بقدر ما أن نيتشه أكثر من أي فيلسوف آخر هو “الأب المؤسس” لما بعد الحداثة، بقدر ما هو لعلم عمق النفس.

وأعتقد أن الارتباط مع فلاسفة مثل بيرديايف إنما هو ممارسة مفيدة في الوقت الحاضر. إن مفهوم بيرديايف للشخصية يبني بشكل خلاق حقائق جديدة، قادر على استيعاب تأكيد ما بعد الحداثة على الاختلاف (ديريدا) دون أن يؤدي إلى تفكك محتمل للإنسانية، وعلى وجه التحديد لأنه يدل على أكثر من فرد كذرة. هو يدل على عالم صغير متمايز، قادر على استيعاب الغيرية في نموذجه السلس والمنفتح والخلاق للوجود، ولكنه في الوقت نفسه يستمر في نزاهته الأساسية بواسطة جذوره في التسامي: “المثالية في الاختلاف تعني أن تكون مختلفاً ليس فقط عن الآخرين، ولكن أيضا عن الذات الخاصة، لتكبر هوية الشخص ككيان طبيعي، وتصبح شخصية متكاملة يمكن أن تشمل صفات وإمكانيات تجارب الآخرين. ( Epstein 1995: 305).

ترجمة: فيليب العايق

المصادر: 1