ما هو مفهوم الغباء علمياً؟ وكيف تتم صناعته؟

القوانين الـ5 الأساسية للغباء البشري:

«يدمرون غيرهم، لا لمصلحة لهم في ذلك، بل يدمرون أنفسهم مع الآخرين؛ الأغبياء يفسدون للإفساد فقط»

هل قابلت أحدًا هكذا من قبل؟ ربما نعم، وربما لم يحالفك الحظ. لا تقلق الأغبياء كُثرٌ حولنا؛ حتما قابلت أحدهم في العمل أو خارجه. إليك تقريرًا نشره موقع «ريل كليرانس» يعرض فيه الكاتب مجموعة من القوانين الأساسية للغباء البشري. فكما اجتهد العلماء منذ القدم لوضع قوانين تفسر علاقة الجسيمات على مستوى الذرة وصولًا للكواكب والمجرات، ها نحن الآن نتعرف على قوانين تفسر غباء البشر.

يقول الكاتب إن في أوائل القرن السابع عشر، وضع «يوهانس كبلر» الفلكي الرائد ثلاثة قوانين جديدة لحركة الكواكب، والتي قدمت للمرة الأولى وصفًا دقيقًا مصحوبًا بالأدلة لحركة الكواكب حول الشمس في النظام الشمسي.

وبحلول نهاية ذاك القرن، انتهج «إسحاق نيوتن» نهج كبلر ووضع بدوره ثلاثة قوانين بنفسه، واصفًا العلاقة بين الكائن والقوى المؤثرة عليه، واضعًا بذلك أسس الميكانيكا الكلاسيكية.

في وقت لاحق، بعد مرور ثلاثمائة سنة تقريبا، قدم «كارلو م سيبولا» – أستاذ التاريخ الاقتصادي في جامعة كاليفورنيا، بيركلي – مجموعة من القوانين لا تقل في ثوريتها عن قوانين كبلر أو نيوتن: القوانين الأساسية للغباء البشري.

على الرغم من أن تلك القوانين لا تدرس في المدرسة الابتدائية، فإنها تحوي دروسًا تستحق التدبر في عصرنا هذا. الغباء اليوم منتشر أكثر من أي وقت مضى – سواء على شاشات التلفاز، موقع يوتيوب أو حتى في شوارع المدينة التي تتردد عليها باستمرار، ولكي تحمي نفسك من ذلك السلوك الغبي، فإن أفضل ما تتسلح به أولًا هو أن تفهمه جيدًا. وتعد مجموعة قوانين «سيبولا» الثاقبة المكونة من خمسة قوانين مرشدًا جيدًا.

1. القانون الأساسي الأول:

« دائمًا وأبدًا ما يستهين الجميع بعدد الأغبياء من حولنا»

هذا القانون الأول يعدك لمواجهة ما يحدث، والذي باختصار يتمثل في أن هناك جحافل من الناس الذين يقومون بأشياء غبية، ودون أن تلاحظ ذلك في كثير من الأحيان؛ فهناك دائمًا المزيد منهم «أكثر بكثير مما تعتقد».

2. القانون الأساسي الثاني:

«احتمالية أن يكون شخص ما غبيًا هو أمر منفصل تمامًا عن أية سمات شخصية لنفس الشخص»

يرى «سيبولا» – حسب القانون الثاني – أن أي شخص، سواء مفكر أو جاهل، من ذوي الياقات الزرقاء – العمال – أو البيضاء – الموظفين والنخبة – سواء لديه ذكاء دراسي من العلم والكتب أو ذكاء حياتي من خبرات الحياة أم لا، يمكن أن يكون غبيًا. علاوة على ذلك، تمتد الحماقة بنسب متساوية تقريبًا في جميع مستويات المجتمع؛ معدل الغباء الموجود بين الحائزين على جائزة نوبل مرتفع بنفس النسبة الموجودة بين السباحين الذكور في المنتخب الأولمبي للولايات المتحدة.

كتب «سيبولا» أن «نتائج (القانون الأساسي الثاني) مخيفة»، فهذا القانون يدل على أنه لا يهم ما إذا كنت من بين نخبة متميزة أو كنت جزءًا من مجموعة صيادين في بولينيزيا، سواء عزلت نفسك في دير أو قررت قضاء بقية حياتك في صحبة النساء الجميلات والعاهرات، فلابد وأن تقابل دائما نفس نسبة الأغبياء -التي (وفقًا للقانون الأول) ستتخطى دائما كل توقعاتك.

لكنك قد تتساءل «كيف يمكن أن يكون ذلك صحيحًا؟» حسنا، قد يصبح الأمر منطقيًا أكثر في ضوء تعريف الغباء، والذي يوضحه «سيبولا» في القانون الثالث، إذ أنه تناول ذلك المصطلح من منظور اقتصادي. (انظر الشكل أدناه للحصول على شرح مرئي لهذا التعريف).

3. القانون الثالث:

«الشخص الغبي هو ذلك الشخص الذي يتسبب في خسائر لشخص آخر أو مجموعة من الأشخاص، في حين أنه لا يعود عليه أي استفادة من ذلك بل ربما تجعله يتكبد خسائر فادحة»

يسترسل سيبولا مؤكدًا أن الشخص الغاشم الذي يبدأ شجارًا في حانة أو لاعب كرة القدم الذي يرتكب خطأ شخصيًا جسيمًا، الشخص الذي يلعب ألعاب الفيديو ويصاب بنوبة غضب تجعله يقرر تدمير فريقه، كل هؤلاء يعدون أناسًا «أغبياء»؛ أفعالهم طائشة تمامًا وغير مبررة لدرجة يجد فيها الأفراد العقلانيين صعوبة في فهمها.

يقول «سيبولا»: «تتألف معظم حياتنا اليومية من حالات نخسر فيها شيئًا مما يلي (المال، والوقت، والطاقة، والشهية، والبهجة، والصحة الجيدة) بسبب فعل منافٍ للعقل غير متوقع من كائن ما لا يستفيد بطريقة أو بأخرى من التسبب لنا بكل ذلك الحرج أو الضرر أو الأذى. لا أحد يعرف أو يفهم، أو ربما يمكن أن يفسر لماذا يفعل هذا المخلوق ما يفعله؟ في الواقع ليس هناك تفسير، أو في الحقيقة هناك تفسر واحد فقط: أن الشخص المعني بالسؤال هو شخص غبي».

4. القانون الرابع:

سيبولا – في قانونه التالي – يعاتب أفراد المجتمع الذين يشجعون الغباء ضمنيًا، وعليه سنكتشف أننا جميعًا مذنبون.

«دائمًا ما يستهين الأشخاص غير الأغبياء بالقوة المدمرة لدى الأشخاص الأغبياء، فعلى وجه الحضور نجد أن الأشخاص غير الأغبياء ينسون باستمرار أنه في كل زمان ومكان وتحت أي ظرف من الظروف -تضطرهم إلى التعامل مع أشخاص أغبياء- يتكلفون الكثير مقابل ذلك الخطأ»

يرثي سيبولا حالنا قائلًا إنه «بالرغم من أن لدينا فكرة جيدة عن من هم الأفراد الأغبياء حولنا، نجد أننا مازلنا نتسكع معهم، حتى مع معرفتنا أن ذلك ضد مصلحتنا».

يذكر التقرير أنه على مر القرون وآلاف السنين، سواء في الأماكن العامة أو في الحياة الخاصة، هناك عدد لا يحصى من الأفراد الذين فشلوا في أخذ القانون الأساسي الرابع بعين الاعتبار، ولقد تسبب هذا الفشل الذريع في خسائر فادحة للبشرية كلها.

5. القانون الخامس:

ثم يأتي القانون الأخير لـ«سيبولا» لا لبس فيه على النحو التالي:

«الشخص الغبي هو الأكثر خطورة على الإطلاق»

يصر «سيبولا» على أن الأغبياء هم بالتأكيد أكثر خطورة على المجتمع، حتى من قطاع الطرق (يمكنك الرجوع إلى الشكل أعلاه)، فقاطع الطريق قد يكبد الآخرين خسائر فادحة ولكن على الأقل يجني فوائد لنفسه؛ أما الأغبياء فهم يلقون بالمجتمع كله إلى الهاوية.

يؤكد التقرير على أن «الأغبياء يلحقون الأذى بالآخرين دون أية منفعة تعود عليهم في المقابل، وبالتالي يكون المجتمع ككل في حالة إفقار».

وربما الدرس المستفاد من التعرف على القوانين الخمسة للغباء هو أن المسؤولية كبيرة وثقيلة على الجميع، وخاصة الأذكياء، للعمل على إبقائهم – الأغبياء – تحت المراقبة.

الدراسات والبحوث العلمية:

دراسة حديثة قامت بها جامعتي Johns Hopkins وNebraska ونشرت في الأكاديمية الوطنية للعلوم (pnas.org)، مفادها أنَّ فيروس يدعى Chlorovirus ATCV-1 موجود منذ القدم وتم اكتشافه مؤخراً ويعيش في الطحالب الخضراء في بحيرات المياه العذبة، يسبب قلة الإدراك والقدرة على التحليل لدى الناس، ويزيد من الغباء لديهم.

وأوضح العلماء أن 44% من البشر يحملون هذا الفيروس ذو التأثير طويل الأمد، والّذي يعمل على بلادة العقل. وأشار الباحثون أن هذا الفيروس يعيش في حلق الإنسان.

أجريَت دراسة على أشخاص يحملون هذا الفيروس وظهر أنهم يعانون من مشاكل في اختبارات الذكاء مع أخذ العمر والتحصيل الأكاديمي في الحسبان، والتفسير لهذه الدراسة هو التغيرات الجينية الّتي تحدث في الدماغ بسبب هذا الفيروس.

ولكي يتأكد الباحثون من هذه النتجة قاموا بتجربتها على الفئران المخبريّة، وبعد أن وضعوهم في متاهة وجدوا انخفاضاً لديهم في الذاكرة المعرفية إلى جانب وظائف دماغية أخرى، وأن الفيروس تغلغل في الدم والأنسجة وغيّر نشاط الجينات لدى أدمغة الفئران ومن ضمنها تلك الّتي تنتج الدوبامين Dopamine.

وقال البروفيسور روبرت يولكين Robert Yolken: ”هذا الاكتشاف يوجهنا إلى طريق آخر، نحاول من خلاله تحسين القدرات العقلية والإدراكية للبشر“.

«الغباء» أيضًا تتم صناعته:

طوال الوقت يشكو الناس من انتشار الغباء، يرجعون كل المشكلات الإنسانية التي تمر بهم إلى أفعال غبية تصدر من أناس أغبياء، فهل الغباء هو قصور عقلي فطري أم أمر مكتسب يصل إليه الإنسان بعد مرور ببعض الخبرات والتجارب الحياتية؟!

بداية هذا هو أحد تعريفات الغباء الذي حاول الكثير الوصول لتفسيره.

يُنظر إلى الغباء باعتباره حالة عقلية، لا ينقصها علم أو دراسة وهذا ما يميزها عن الجهل، إلا أن كلا من الجهل والغباء يؤدي إلى سوء التكيف مع الواقع والتصرف في عكس اتجاه المصلحة وذلك تحت ظروف اختيارية حرة دون قسر أو إجبار، فيفقد الإنسان التأقلم مع المعطيات الجديدة وبالتالي تصدر أفعاله منافية للمنطق وللمصلحة.

من خلال هذا التعريف فالشخص الغبي هو الذي يفقد القدرة على الربط بين الواقع الربط الصحيح ليصل إلى نتائج صحيحة ويتخذ القرارات التي تصل به إلى الفائدة المرجوة وصولًا إلى تحقيق المصلحة لمجتمعه وبيئته. فما هي الأمور التي تجعل الإنسان يفقد هذه القدرة على الربط العقلي بين الأمور فيصبح حكمه مشوشًا وأفعاله تتسم بالغباء؟

الإنسان ابن بيئته كما يقال، منذ الساعات الأولى لولادته يقع الفرد تحت تأثير الأسرة مرورًا بتأثير دولته المتمثل في المدرسة والإعلام وبيئة العمل، إلى جانب حياته الشخصية وتواصله مع الأصدقاء عبر الواقع الفعلي والواقع الافتراضي المتمثل في الإنترنت.. وعلى هذا سوف نستعرض أهم الأمور التي يتعرض لها الفرد خلال هذه البيئات المختلفة وتؤدي به إلى التصرف بغباء بمرور الوقت.

1- الآباء يشعرون بالفخر والأطفال يتحولون إلى ‹‹أغبياء›› صغار (التقليد)

يشعر الأهل دومًا برغبة حقيقية في تحقيق مستقبل باهر لأطفالهم منذ اللحظات الأولى، ربما يطلق البعض ألقابًا على أطفالهم بمجرد خروج الجنين إلى نور الدنيا، فمنهم من يرى في طفله الطبيب الناجح أو المهندس الشهير، أو رجل الدين المفوه، أو الفنان المميز.

يتحدثون عنه طوال الوقت ويخلقون في الطفل رغبة أن يصبح مثله، لنجد مؤخرًا بعض الأطفال الصغار يظهرون على شاشة القنوات التليفزيونية كصور منسوخة من مشاهير كبار، يفتخر الأهل بهم ويتم تقديمهم باعتبارهم أطفالًا أذكياء وأصحاب مواهب. والحقيقة أنه قد تم قتل الإبداع بداخلهم وتم تحويلهم إلى نسخة من شخص آخر، يتحول بمرور الوقت إلى أداة تعمل وفق ما يطُلب منها.

2- لا وقت للأسئلة، التلقين هو الطريق الأسرع للغباء

يخرج الطفل من أسرته مُستقبِلًا عالمًا جديدًا هو المدرسة، المدرسة التي تجيد اكتشاف مهارات الطفل وقدراته التي ربما عجز الأهل عن اكتشافها لعدم فهم أو تقصير. يحمل الطفل في داخله مئات الأسئلة الحائرة تبحث عن إجابات، عشرات الأفكار تبحث عن فرصة للتنفيذ. ولكنه لا يجد الوقت المناسب، فالعملية الدراسية معتمدة على مناهج لابد أن تنتهي قبل انتهاء العام، ثم يأتي الامتحان ليحدد مستوى التلقين والحفظ، اكتشاف المواهب والقدرات ليس مكانها المدرسة. فالمدرسة هنا خُلِقت كي تسير في خط مستقيم يخلق منه أداة جديدة تجيد العمل وفق إطار محدد وفقط. بمرور الوقت يفقد الطفل الشغف وتضيع الأسئلة والقدرة على فهم الواقع ومتغيراته.

3- الإعلام أيضًا يجعلنا أغبياء

من المفترض أن يقوم الإعلام بدور نشر التوعية والمعرفة، فالمعلومة هي أول مدخلات العملية الفكرية والتي يتم بناءً عليها الوصول للنتائج والقرارات. فماذا يفعل الإعلام في أغلب الأوقات:-

التضليل الإعلامي:

نشر المعلومات الخاطئة أو الناقصة يؤدي إلى تشويه في العملية الفكرية، فيصل الفرد إلى نتائج خاطئة إما أن يظل ضحية التصور الخاطئ طوال الوقت أو يصل لمعلومات متضاربة فيصل به إلى حالة من التشوش بين المعلومات. ومع وجود فشل في فهم الواقع وإدراكه يلجأ كثير من الناس إلى الإيمان بالأفكار الخاطئة بدلًا من البحث وإرهاق الذهن بين معلومات متضاربة.

القوالب الجاهزة:

في أحيان كثيرة يقدم الإعلام قوالبَ جاهزةً عن رجل الدين أو البطل أو اللص أو فتاة الليل وغيرهم، يخلق النموذج ويقدمه للجمهور بشكل يحتمل التعميم فيتلقى الفرد القالب ويتصرف وفقه، دون محاولة تحليل أو تجزئة. فنجد على سبيل المثال انتشارًا لفكرة أن الملتحين إرهابيون وأن الاشتراكيين ملحدون وما إلى ذلك.

خلق تصورات عن السعادة والنجاح:

وذلك من خلال الإنتاج الدرامي والسينمائي، يتم تقديم نماذج عن الأشخاص الناجحين في الحياة، تفاصيل حياتهم اليومية ومستواهم المادي، تصورات عن الحب أو العلاقة بين الزوجين. هذه التصورات تنتقل لعقل المتلقي ليتم التعامل معها باعتبارها النموذج الغائي دون اعتبار لمعطيات الواقع أو قدرات الفرد الشخصية.

نظرية المؤامرة .. لا وقت للتفكير:

دائمًا هناك عدو خلف الستار يعمل على هزيمتك، أنت رائع بما فيه الكفاية لتهدد من حولك، ولا تقع في أي أخطاء. فقط احذر أعداءك. هذا التصور الجاهز الذي يتم تقديمه طوال الوقت في الإعلام ليؤكد على أن نقد الذات من غير الضروريات. فتجد الجمهور يتناقله بصورته العامة ويطبقه في حياته اليومية، وفي أدق تفاصيل يومهم.. هناك مدير متربص أو زميل يتلاعب بك. لا داعي لتحليل الموقف والبحث عن الأسباب الحقيقية. فقط تصرف وفق هذا التصور.

الأصدقاء لا يخطئون والأعداء لا يفعلون صوابًا أبدًا:

يقدم الإعلام تصورات متطرفة طوال الوقت، فالبشر إما أصدقاء أو أعداء.. والشخصيات إما عظيمة أو فاشلة، وطنية أو عميلة.. لا وقت للتدقيق والتحليل الهادئ المتأني. فالحياة كذلك أبيض وأسود لا تُضِع وقتك في البحث عن ألوان وسيطة.

4- الإنترنت والانفصال عن الواقع:

تحدث حادثة ويتم تناقلها بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي، تتشابه التعليقات وردود الأفعال فتشعر في النهاية أن هناك شخصًا واحدًا تم تكراره بأكثر من صورة. حاول أن تتذكر قليلًا؛ كم موقف مرَّ وشعرت أن رد الفعل تحول إلى “موضة” الكل يتبناها ويؤيدها دون تحقيق أو تأكد من صحة الحادثة أو الخبر؟ يمر قليل من الوقت لتختفي كل ردود الأفعال حتى يحين موعد ظهور حادث جديد. هذا ما يحدث طوال الوقت يتحول كل رواد المواقع إلى نسخ مكررة من نفس الشخص، تحولهم القضية أو الحادثة إلى وجوه مكررة كل منهم يرى في نفسه التفرد والتميز. التعليقات الساخرة، الدعوات، حملات موجهة ضد شخصية عامة أو مسئول كبير. بشكل أو بآخر نتحول بمرور الوقت إلى نفس الشخص في استقبال المعلومة والتعامل معها بل والشعور بها.

هدم ‹التابوهات› يتم لبناء أخرى:

التمرد والتحرر هو أهم ما يميز مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، فالقديم لم يعد ذا أهمية بالنسبة لهم، والجديد محل شكوك طوال الوقت، أمر جيد ومُنافٍ تمامًا لمفهوم الغباء ولكن في الواقع الصورة لا تنتهي إلى هذا الحد، فالهدم يأتي خطوة أولى لبناء مقدسات جديدة ومشاهير جدد وتمجيد من نوع آخر يتحرك فيه الرواد كالقطيع للدفاع عن أفكارهم ورموزهم بشكل لا إرادي.

العالم الافتراضي بديلًا عن العالم الواقعي:

شغلت التكنولوجيا الحديثة والإنترنت حياة الناس بشكل متفاقم بمرور الوقت، فتحولت التكنولوجيا بدلًا من وسيلة لمساعدة الناس في تسهيل حياتهم إلى الحياة ذاتها. الكل عاكف على مشاركة حياته من خلالها وتكوين التصورات والقرارات وفق الحياة عبر العالم الافتراضي، الصداقات وعلاقات الحب والزواج كلها تتم من خلال هذا العالم الافتراضي. فيتحول العالم الواقعي إلى مرحلة مؤقتة لا يهتم الفرد باكتشافها أو تحليلها وتعميق نظرته لها. ونجد ردود الأفعال التي تتسم بالبلاهة واللامبالاة والانعزال هي السمة الأبرز.

5- القادة والزعماء لا يحبون الأذكياء:

إن خوف المستبد من نقمة رعيته أكثر من خوفهم بأسه،لأن خوفه ينشأ عن علمه بما يستحق منهم، وخوفهم ناشئ عن جهل؛ وخوفه عن عجز حقيقي فيه، وخوفهم عن توهم التخاذل فقط. عبد الرحمن الكواكبي

دومًا تكمن العقبة الكبرى في تاريخ الزعماء والقادة في السيطرة على الجمهور العريض بتنوع ثقافته وأطيافه، فالأصوات المعارضة تثير الرأي العام وتستدعي التفكير، والتفكير يستدعي النقد، والنقد يستدعي المحاسبة وهو الأمر الذي يراه القادة معرقلات على طريق تعميق حكمهم.

كانت الحرب العالمية هي البداية الحقيقية لدراسة سيكولوجية الجماهير واكتشاف سبل التأثير عليهم، فكانت إستراتيجيات الخوف هي أنجع الطرق في إسكات الأصوات المعارضة. فالوطن المهدد بالعدو والإرهاب هو وطن يحتاج إلى قلب رجل واحد لتخطي الأزمة. وطن لا يريد الالتفات لصغائر الأمور، فكل شيء عدا مجابهة “العدو” هو شيء غير مقبول.

بمرور الوقت تتحول الشعوب إلى أصوات مرتعشة تنتظر تحديد أولوياتها وفقًا لرؤية الدولة وتفتقد القدرة على البحث عن أسباب الفشل والهزيمة. فالبحث عن الأمان مقدم على كل شيء.

6- نمط الحياة السريع يحرمنا التأمل:

يوميًا تزداد الحياة سرعة وتصبح القدرة على التأني والانتظار أمرًا عصيًا، أو بمثابة الرجوع للخلف. أعباء الحياة اليومية ومتطلبات العمل والانشغال بالبحث عن حلول لكل العوارض اليومية تفقد الإنسان لحظات التأمل والتفكر في حياته بشكل عميق، مستبدلًا ذلك بالحلول السريعة الجاهزة والتصورات المنتشرة بغض النظر عن قيمة المصلحة المضافة. فنجد بعض الدراسات التي تنظر إلى الوجبات السريعة باعتبارها أحد مسببات الغباء ليس لما تحتويه من عناصر غذائية ضارة ولكن لما تحتويه من قيمة الحلول الجاهزة البعيدة عن التكفير والإبداع. فيتحول الإنسان بمرور الوقت إلى مستهلكٍ عاجزٍ عن الإنتاج والإضافة.

أمثلة كثيرة يمكن بمجرد التدقيق فيها قليلًا أن نجدها تؤدي بنا إلى الانفصال عن الواقع والإضرار بمصالحنا الشخصية والعامة. وسوف يكون لديكم متسعٌ من الوقت للتفكر في حياتكم لتكتشفوا كيف نتعرض لمثل هذه المؤثرات يوميًا وكيف تعود علينا بالضرر.

إعداد: جمال علي

المصادر: 12

المزيد