وضع حد أدنى للأجور من قبل الدولة قد يضرها ويضر المنتفعين، تعرفوا على السبب وراء ذلك

هل تسائلت يوما لماذا تحمل الدولة ميزانيتها نفقات إضافية وتدفع إعانات بطالة للعاطلين من أبنائها رغم كونهم أعضاء غير منتجين في المجتمع! أو لماذا قد يسبب وضع حد أدنى للأجور مشكلة للعمال أنفسهم وللدولة ككل!

هذه المصطلحات الواردة بالأسئلة مثل البطالة وإعانات البطالة والحد الأدنى للأجور، جميعها مصطلحات تتردد على مسامعنا في المحيط الاقتصادي باستمرار، وربما تساءلت إلى ماذا ترمي هذه المصطلحات أو ما الذي يجمعها معا في قالب واحد له ملامح تفهم من خلاله؟

بداية، إذا تحتم عليك فهم شيء واحد فقط في الاقتصاد فإن هذا الشيء بالتأكيد هو العرض والطلب. ويشار إلى العرض عموما بالكمية التي يكون المنتجون على استعداد لإنتاجها وبيعها من سلعة أو خدمة عند سعر معين، وإلى الطلب بالكمية التي يكون المستهلك على استعداد لشرائها من سلعة أو خدمة ما وقادر على ذلك عند سعر معين.

وفي هذا الموضوع خصوصا فالعرض يمثل كمية خدمات أو أعمال ينتجها العامل عند سعر معين، والطلب يمثل كمية الخدمات التي تدفع المؤسسة للعمال مقابلها عند سعر معين. ذلك بالإضافة إلى قانوني العرض والطلب المشهورين، وبشكل مبسط، يشير الأول إلى زيادة الكمية المعروضة من السلعة أو الخدمة عندما يرتفع السعر والعكس، ويشير الثاني إلى انخفاض الكمية المطلوبة من السلعة أو الخدمة عندما يرتفع السعر والعكس. وكالعادة في حالتنا يحكم قانون العرض باتجاه الأيدي العاملة بكثرة إلى سوق خدمة معينة عندما يرتفع الأجر المدفوع مقابل هذه الخدمة والعكس، وفي المقابل يحكم قانون الطلب بانخفاض المطلوب من خدمة معينة عندما يرتفع الأجر المدفوع مقابلها والعكس.

في ظل النظام الرأسمالي وفي حالات المنافسة الكاملة، تحكم هذه القوانين والأفكار حركة الأسعار والكميات المنتشرة في السوق من السلع والخدمات، فعندما يتقاطع العرض مع الطلب تمثل نقطة التقاطع تلك نقطة توازن السوق وهي بدورها تناظر سعر التوازن وكمية التوازن، أي السعر والكمية السائدين في سوق تحت ظروف معينة بالنسبة لسعلة أو خدمة ما، وبالطبع يكون ذلك في ظل سيادة السوق الحر وعدم التدخل الخارجي متمثلا في قرارات الحكومات، ويوضح هذه الحالة الشكل (1) أدناه.

وقد تتدخل الحكومات في بعض الأحيان لعدة أسباب قد تكون حماية فئة من المستهلكين وذلك بفرض حد أقصى للسعر بقيمة أقل من سعر التوازن وينتج عنه فائض طلب؛ ويؤدي بدوره لظهور السوق السوداء، لكن سرعان ما تقوم الحكومة باستيراد السلعة وضخها في السوق بالسعر المحدد لتلبية الكمية المطلوبة والتي تكون بطبيعة الحال أكبر من الكمية المعروضة.

وقد تتدخل بفرض حد أدنى للسعر بقيمة أعلى من سعر التوازن ويصاحبه فائض عرض وغالبا ما تتدخل الحكومة مرة أخرى هنا لشراء هذا الفائض المعروض وتصديره أو تقديمه كمعونات. وبالنسبة لسوق العمل، يتحكم العمال في الطلب وتكون المؤسسات مسؤولة عن العرض، وتناظر نقطة التوازن كمية العمل التي ينتجها العمال وتدفع المؤسسات مقابلها عند أجر معين. وأحيانا تتدخل الحكومة بفرض حد أدنى للأجور كما هو موضح في الشكل (2).

ولتحقيق فهم أفضل لهذه الحالة، يجب الأخذ في الاعتبار أن سوق العمل ككل لا يتكون من سوق خدمة واحدة، إنما هي العديد من الأسواق متباينة فيما بينها على أساس الخبرة والمهارة والكفاءة المطلوبة وطبيعة العمل نفسه، ويتم المزج بينها في المؤسسات. وبالطبع يختلف توازن كل سوق عن السوق الآخر، لكن وضع حد أدنى للأجور ينطبق على سوق العمل ككل.

وعند فرض حد أدنى للأجر أعلى من أجر التوازن يؤدي إلى زيادة الكمية المطلوبة من العمل عن الكمية المعروضة منه، ويشكل الفرق بين الكميتين فائض عمل، أي يكون هناك كثير من العمال يعرضون خدماتهم لكن المطلوب من هذه الخدمات عند السعر المحدد يكون بكميات أقل، وتوظف المؤسسات الكميات المطلوبة عند هذا السعر فقط وهو ما ينتج عنه تواجد عدد من العمال بدون عمل أو لنقل ينتج عنه زيادة نسبة البطالة بمقدار الفرق بين الكميتين المطلوبة والمعروضة.

وبشكل آخر، تبقي المؤسسات على ذوي الخبرات العالية أصحاب الأجور المرتفعة الذين يشكلون الطبقة العليا، بالتالي لا يتأثرون بوضع حد أدنى للأجور لأن أجور التوازن لسوق خدماتهم أو نوعية أعمالهم تكون أعلى بكثير من الحد الأدنى. ومن ناحية أخرى تتخلي المؤسسات عن ذوي الخبرات البسيطة أصحاب الأجور المنخفضة لأن أجور التوازن بالنسبة لهم تقع بالقرب من الحد الأدنى، ويكون معظمهم من المراهقين أو المبتدئين والبسطاء. وفي حين أن الحد الأدنى للأجور تضعه الدولة من أجل الطبقة الدنيا هذه إلا أن التأثير أغلبه يقع عليهم؛ ففي فلسفة الرأسمالية وفي ظل هذا الوضع من يستطيع التنافس يحصل على علاوة بسيطة في أجره هي الفرق بين أجر التوازن بالنسبة له والحد الأدنى للأجر المفروض، ولا عزاء لمن لم يستطع فمصيره الانضمام إلى “حزب العاطلين”.

وبما أن الحكومات –وبشكل ما- تكون مساهمة في تعرض هذه الطبقة للبطالة وانعدام دخلهم، فإنها في المقابل تدفع لهم إعانات البطالة لحين عودتهم إلى سوق العمل أو سوق الخدمات مرة أخرى كمنتجين، لكنهم بهذا الشكل يظلون داخل سوق السلع كمستهلكين، أي أن الدولة إن خسرت انتاجهم فإنها تبقي على استهلاكهم مما يسهم في استمرار دوران العجلة الاقتصادية.

من الناحية النظرية، يؤدي فرض حد أدنى للأجور إلى طريق متشعب يحمل بعض النتائج يمكن عرضها تباعا. فأولها، زيادة المؤسسات لمرتبات بعض الموظفين أصحاب المؤهلات العالية ويقع أجر توازنهم بالقرب من الأجر الأدنى المفروض ذلك للحفاظ على فارق الأجور داخل المؤسسة تبعا لطبيعة وصعوبة الوظيفة، وبالتالي ترتفع تكاليف الانتاج، فتقوم المؤسسة بتمرير هذه الزيادة إلى العمال مرة أخرى عن طريق زيادة في الأسعار.

وثانيها، رفع مرتبات بعض العمال يؤدي إلى اتجاههم إلى الاستهلاك بشكل أكبر وبالتالي زيادة الطلب ومن ثم زيادة الأسعار والكميات المطلوبة. ومن هذه النتائج، انتشار البطالة -كما أشرنا سابقا- وتؤدي إلى نقص الأيدي العاملة المنتجة للسلع وقلة الانتاج ومن ثم نقص المعروض، وتبعا لقانون العرض يؤدي ذلك النقص إلى ارتفاع في الأسعار يقابله كميات أقل معروضة في السوق. وبالنظر إلى جميع النتائج السابقة نظرة شاملة نرى أنها تشير لارتفاع الأسعار وزيادة الكمية المطلوبة من السلع مقابل انخفاض الكمية المعروضة منها، أي أننا نحصل بنهاية المطاف على موجات التضخم، ويكفيك أن تعرف عنه أن الدولة قد ترغب في التعرض لأي شيء .. إلا التضخم.

ولحسن الحظ، فمن الناحية العملية يكون التضخم الناتج في هذه الحالة طفيف لعدة أسباب منها –على سبيل المثال- تقليل المؤسسات لهامش الربح بدلا من زيادة الأسعار لتغطية الزيادة في الأجور، وبشكل عام لا تمثل هذه الزيادة إلا نسبة قليلة من التكاليف ككل.

ورغم أن التضخم هنا ربما يثير بعض المشاكل الاقتصادية إلا أنه لا يؤدي بالدولة مثلا لانهيارها اقتصاديا. وما تزال هذه النقطة محل خلاف بين الباحثين والاقتصاديين وتساؤلهم فيه .. إلى أي مدى يؤثر الحد الأدنى للأجور على الاقتصاد عموما ومعدلات التضخم خصوصا!

وأخيرا، يبدو أن سياسة فرض حد أدنى للأجور عموما ليست بهذا القدر من السوء؛ فنظريا قد لا يكون لها تأثير على البطالة كما في حالات الطلب غير المرن على الخدمة، أي عندما لا يتأثر طلب المؤسسات على الخدمة مهما اختلف الأجر المدفوع مقابلها لأن هذه الوظائف تكون ضرورية وحساسة ولا تستطيع المؤسسة التخلي عنها. وفي حالة أخرى يكون التأثير محدود على البطالة نتيجة تداخل الاحتكار والمنافسة الاحتكارية مع المنافسة الكاملة في السوق في حين أن النتائج السابقة تترتب عن سوق المنافسة الكاملة فقط.

ومن ناحية أخرى ففي الدراسات التي أجريت لرصد نتائج هذه السياسة وجد أنها تؤثر أكثر ما تؤثر على المراهقين؛ فقد أدى رفع الحد الأدنى للأجور بنسبة 10% إلى ضعف عمالة المراهقين بنسبة بين 1-3%، في حين وجد أيضا أنه ليس كل العاملين مقابل الحد الأدنى من الأجور هم أرباب منازل يحاولون الهروب بأسرهم من الفقر، لكن الحقيقة أن أقل من ثلث هؤلاء العاملين فقط ينتمون إلى أسر تقع تحت خط الفقر، في حين أن العديد منهم هم مراهقون ينتمون إلى أسر متوسطة ويعملون بدوام جزئي فقط من أجل الحصول على أموال إضافية للإنفاق، أي أن الطبقة الفقيرة على المستوى الكلي ربما تستفيد أكثر وتتضرر أقل على عكس الطبقة المتوسطة -وخاصة المراهقين منهم- التي تمتص الكثير من الضرر، وبما أن الضرر قائم في جميع الأحوال فقد نلاحظ بعض التحفظ من الدول عند اتباع هذه السياسة، ولكن هل رأيت أحد من هؤلاء الذين يحلقون عاليا بعيدا عن هذا الصراع!

N.G Mankiw, Principle of macroeconomics, 3 ed 2003, p 126-127
 Crash Course Economics #4

المصادر: 1