ما التفسير العلمي لعدم قدرة معظمنا على تغيير نفسه والاستمرار لإنجاز الأهداف التي ينوي تحقيقها؟

سواءاً كانت ممارسة رياضة الجري كل يوم عطلة، أو التوقف عن تناول الحلويات في المساء، غالباً لا يستطيع الإنسان المواظبة على مثل هذه الأمور سوى بضع أسابيع معدودة، ولكن الباحثون لديهم توضيح لذلك.

عند رأس كل سنة وفي منتصف الليل، عندما تُقرَع الكؤوس وتنطلق الألعاب النارية المشتعلة في السماء، يكون معظمنا قد قام مؤخراً بتحديد أهداف ونوايا للسنة الجديدة: سواءً كان الإقلاع عن التدخين، فقدان الوزن، تنمية ذاتنا، إنجاز مهامنا بدون تأخر، الاتصال بالأصدقاء القدامى، عدم التأخر على المواعيد, إثبات أنفسنا بشكل أكبر أمام مديرنا في العمل أو التعامل مع الحياة بشكل أكثر انفتاحاً.

ولكن للأسف غالباً ما تصبح هذه الأهداف بعد بضعة أسابيع هباء منثوراً، لأن الواقع بشكل أو بآخر يختلف عما نريد.

أغلبنا ليس لديه أي مشكلة في انتقاد شيء ما في شخصيته، ولكن الغريب أن محاولتنا لتغيير هذا النقص في الغالب تكون شكلية فقط.

ألسنا الكائن الوحيد الذي يتميز على بقية المخلوقات بأن لديه الحكمة في العقل، والتي تعكس شخصيته في تصرفاتٍ هو قادر على اختيارها عن طريق إرادته الحرة؟

إذاً يفترض أن يكون من السهل على الإنسان صنع حلول لهذه الآلية النفسية التي تمنعنا من التغيير.

على أرض الواقع يبدو أن تلك القدرة على التغيير صعبة جداً ولكن أسباب ذلك يتعامل معها علماء النفس، الأطباء والبيولوجيون بطريق صحيحة. فقد قاموا باكتشاف وتحري الكثير عن كيفية تطور الشخصية، وعن العوامل الجينية, وعوامل ما قبل الولادة والعوامل الاجتماعية التي تؤثر بها وعن كيفية تأثير كل ذلك على الكيمياء الحيوية للمخ وأنسجة الأعصاب فيه.

وسائط كيميائية في الدماغ:

كما يؤكد علماء الجينات فإن قسماً كبيراً من شخصيتنا يتم تكوينه وراثياً عن طريق جيناتنا.

الدراسات على التواءم والأبناء المتبنين أثبتت أن ما يقارب 50 بالمئة من جوانب شخصيتنا يتم إرجاعه للعوامل الوراثية.

حتى وقتنا الحاضر فإن جزءً بسيطاً فقط من هذه العوامل الوراثية تم اكتشاف تأثيره الدقيق على ملامح الشخصية وكيف أنها تقود إلى اختلاف الناس في طباعهم.

الجينات المسؤولة عن ذلك هي في الدرجة الأولى تلك التي تنظم الوسائط الكيميائية في الدماغ وتضبط الهرمونات التالية:

الأدرينالين، الدوبامين، السيروتونين والأوكسايتوسين.

هذا الهرمونات تؤثر على مدى اندفاعنا، حساسيتنا العاطفية، خوفنا وسلوكنا الاجتماعي.

واحد من الجينات يساعد على إزالة السيروتونين الذي يتم إفرازه في الدماغ. ولكن مع أحد أنواع هذا الجين لا يعمل هذا الأمر كما ينبغي والوسيط الكيميائي يستغرق وقتاً أطول للعمل عند الإنسان الذي يتوفر لديه هذا الجين.

النتيجة: كل شخص يرث هذا الجين من والديه (أمه أو أبيه أو كليهما) يميل أكثر للكسل, اللافعالية ، الخوف، ولديه حساسية تجاه الضغوطات أكثر من غيره، إضافةً لسهولة تأثره بالعوامل الخارجية مقارنةً بغيره.

ولكن ليس فقط هذه الجين، وإنما هناك أيضاً عوامل أخرى قبل الولادة تؤثر على شخصيتنا التي تتكون لاحقاً . واحد من هذه العوامل هو مقدار الضغوطات التي تواجهها الأم أثناء حملها. الهرمونات التي يتم إفرازها أثناء الإجهاد مثل الكورتيزول تؤثر على دماغ الجنين بصورة مستدامة.

هكذا أطفال يصبحون لاحقاً أكثر انفعالية، يواجهون صعوبة بالتخطيط لأفعالهم بشكل سليم ويعانون بصورة متكررة من مشاكل عاطفية.

تأثير البلوغ:

لا شك بأن الجينات و تطور الجنين داخل الأم يلعب الدور الأكبر في تكون شخصية الإنسان لاحقاً.

ولكن بعد الولادة وفي السنوات الأولى للطفل هناك عامل آخر أيضاً وله تأثير على جوانب عديدة لشخصية الطفل، ألا وهو كيفية تعامل الأشخاص من حوله معه و مقدار الحنان والاهتمام الذي تمنحه الأم له إضافة للتجارب الاجتماعية التي يمر بها خلال هذه السنوات.
أما الصقل النهائي لشخصية الطفل يتم خلال سنوات الطفولة اللاحقة ومرحلة البلوغ، حيث تشكل هذه المرحلة (ما قبل البلوغ والبلوغ) ما يقارب 20 بالمئة من شخصية الطفل.

هكذاً إذاً تنشئ جوانب شخصياتنا في مرحلة الطفولة المبكرة ، وتتفاوت لاحقاً أثناء البلوغ لتترسخ في النهاية في مسيرة حياتنا اللاحقة.

في العمر ما بين 30 و 60 عاماً تبقى سمات الشخصية مستقرة إلى حد ما. ومن ثم تتغير جزئياً بشكل بسيط. لهذا يكون الكثير من المسنين أقل انفتاحاً على التجارب جديدة مما كانوا عليه أثناء شبابهم، ولكن بالمقابل يصبحون أكثر تحملاً اجتماعياً وهذا أيضاً مثال على التغيير الذي يطرأ.

ولكن على الرغم من أن سمات شخصيات البشر تتغير بشكل بسيط جداً على مدى الحياة إلا أنها تبقى دائماً وفية للشخصية الأساسية.

ما يمكن أن يسبب تحولاً في الشخصية هي على الأغلب مؤثرات خارجية درامية كخسارة شريك حياة أو مكان عمل، مرض خطير أو مصائب قد مر بها الإنسان. ولكن وكما يقول باحث الدماغ الألماني Gerhard Roth في كتابه “الذات، القرار والسلوك” فإنه وبغض النظر عن المؤثرات الخارجية ، من الصعب جداً تغيير حياة الشخص بشكل جذري. الإمكانيات لذلك محدودة جداً.

ترجمة: حسين المزعل

المصادر: 1