ربما في يوم من الأيام سيكون الآباء ملزمين أخلاقيًا بتعديل جينات طفلهم

بينما يصبح التعديل أو التحرير الوراثي واقعًا، يقول البعض أنه سيكون من الخطأ عدم استخدامه لعلاج المرض.

يوضح الطبيب للزوجين الشابين أنه قام بفحص أزواج الحمض النووي للأجنة المخصبة فالمختبر واختار منهم تلك التي لم يكن لديها امراض وراثية كبيرة، وقد حدد الزوجين انهم يرغبون بابنًا ذو عيون عسلية وشعر أسود داكن وجلد حسن المظهر، وبعد ذلك أعلن الطبيب عن أنه أخذ الحرية في محو عبء الميل الوراثي للصلع وقصر النظروإدمان الكحول والسمنة والعنف المنزلي.

جاوبت الأم المستقبلية بأنهم لم يريدوا تلك التنقيحات أعني الامراض، نعم لكن قفز زوجها ليقول: «كنا نتسائل فقط إذا ما كان من الجيد أن نترك بعض الأشياء للصدفة».

ولكن الطبيب يذكر الآباء المحتملين بسبب مجيئهم إليه في المقام الاول فهم يريدون إعطاء طفلهم “أفضل بداية ممكنة”.

هذا مشهد من فيلم غاتاكا_ (Gattaca) الذي عُرض لأول مرة منذ عشرين عامًا في أكتوبر، ولكن بفضل التطورات الحديثة في أدوات تحرير الجينات مثل تقنية كريسبر/كاس9 أصبح التعديل الجيني للأجنة البشرية واقعًا.

سرعان ما ستصبح الاطفال المُصممة كما وُصفت في ذلك الفيلم إلزامًا اخلاقيًا كما يقول بعض علماء الاخلاق.

يخبرنا راوي غاتاكا أن هذا النوع من التلاعب الجيني بالاجنة المخصبة في المختبر أصبح “الطريقة الطبيعية للولادة” في المستقبل القريب المُصور في الفيلم، وقد خلق أيضًا طبقة تحتية او سُفلى من الناس الذين لم يشتري الآباء فيها تلك المزايا الجينية لأطفالهم.

حتى وقت قريب كان هذا النوع من التلاعب بالحمض النووي البشري فقط مجرد خيالًا علميًا أو رمزيًا، تحذيرًا ضد نوع جديد من تحسين النسل والذي من الممكن أن يتعمق في الميزات والعيوب الجينية ضد بعضنا البعض، وفي ندوة نظمها مركز هاستينغز في 26 أكتوبر / تشرين الأول قبل المؤتمر العالمي للصحفيين العلميين في سان فرانسيسكو، استكشف علماء الأخلاق والصحفيون الجانب الآخر من تلك المناقشة:ما إذا كان الآباء ملزمين اخلاقيًا بان يجعلوا أطفالهم أفضل من خلال الهندسة الوراثية.

سريعًا تصبح التكنولوجيا التي تقوم بتغيير جينات الطفل واقعًا. هذا العام قام العلماء باستخدام تقنية كريسبر/كاس9 في أجنة بشرية قابلة للحياة لإصلاح التغييرات أو الطفرات التي تسبب اضطرابات في القلب والدم.

تعمل تقنية كريسبر/كاس9 كمقص جزيئي والذي يقوم بتعديل الحمض النووي بسهولة ودقة نسبيًا. قام العلماء بشحذ وتطوير الأداة فيما يقرب من خمسة أعوام مما أدى إلى خلق عدد لاحصر له من الفئران والأسماك والأبقار والخنازير والنباتات وغيرها من المخلوقات المُعالجة بتقنية كريسبر، لكن استخدامها في الإنسان مازال يُناقش بحرارة. هل ينبغي لنا ذلك؟أم لا؟!

بالنسبة لكثير من الناس الخوف من فئة البشر المعدلة وراثيًا يعتبر سببًا كافيًا لعدم العبث بالحمض النووي للخلايا الجرثومية البشرية والبويضات والحيوانات المنوية والأجنة وكذلك الخلايا التي تؤدي إلي تكون البيض والحيوانات المنوية، يقول هؤلاء الناس :« بكل الوسائل يجب تصحيح الامراض، ولكن لايجب إضافة إضافات او التدخل بالصفات التي ليس لها علاقة بالصحة، كما دعمت لجنة من علماء الأخلاق عقدتها الأكاديميات القومية الأمريكية للطب والعلوم هذا الموقف في فبراير، وحكمت بأن هندسة الخلايا البشرية الجرثومية قد يُسمح به يومًا ما من أجل تصحيح الامراض ولكن هذا فقط إذا لم يكن هناك أية بدائل أخرى وليس للتحسينات.

«والسؤال هل ينبغي لنا ذلك؟ لن يهم لوقت أطول من ذلك» هكذا توقعت جوزفين جونستون من مركز هاستينغز في الندوة،وأضافت:« مع تقدم العلم وارتياح الناس أكثر للتعديل الجيني سوف تسقط القوانين التي تحظر تعديل الاجنة، وسيكون متاح للآباء المستقبليين اتخاذ قرارتهم بأنفسهم في إذا ماكان تحرير جينات طفلهم أمرًا إلزاميًا أم لا».

بالنسبة لجوليان سافوليسكو وهو عالم أخلاقيات في جامعة أُكسفورد فالإجابة هي نعم حيث يقول:«إن الآباء ملزمين بان يتخذوا خطوات للحفاظ على صحة أبنائهم، وهذا يتضمن تطعيمم وإعطائهم الدواء حينما يكونون مرضى، والتقنيات الوراثية ليست مختلفة، فإذا كان باستطاعة هذه التقنيات أن تجعل الأطفال للإصابة بالعدوى أو السرطان أو السكري لذا فالآباء ملزمين باستخدامها.»

فهو يحذر في الواقت الراهن من أنه لم يتم الإعتراف بسلامة وفاعلية تقنية كريسبر لذا لايجب على الآباء ان يُعرضوا أبنائهم للمخاطر، ويشير أيضًا إلى أنه كذلك هذا النوع من التحرير يتطلب الإخصاب في المختبر والذى هو مكلف بالنسبة لكثير من الناس. (وقد ينسى الأزواج الكثير عن الحصول على طفل عن طريق الجماع الجنسي، فالمصممين الأعزاء سوف يخلقونه في المختبر).

ولكن في يوم من الأيام ربما قريبًا من الممكن أن يصبح التحرير الجينى تدخل طبي حيوي، فكما يقول سافولسكو:«إذا ماكانت كريسبر آمنة وغير مكلفة للغاية فنحن ملزمين أخلاقيًا ان نستخدمها لمنع وعلاج الأمراض».

استخدام تقنية التعديل الجيني لعلاج الأمراض الوراثية هو شىء يوافق عليه عالم أخلاقيات الأحياء المتقاعد (رونالد جرين) من كلية دارتموث، فيقول جرين في الندوة:«إنني أؤيد تمامًا الاستخدام التناسلي لتقنية التحرير الجيني من اجل منع ومحو الأمراض الوراثية الخطيرة»، وأضاف:«إذا ما كان باستطاعتنا استخدام التحرير الجيني لإزالة التتابعات في الجنين التي تسبب مرض الخلايا المنجلية أوالتليف الكيسي فغنني أود ان أقول ليس فقط أننا قد نفعل ذلك بل اننا في حال الأمراض الخطيرة مثل هذه الامراض فغننا ملزمين اخلاقيًا بفعل ذلك».

ويُكمل جرين: « وهنا حيث يتوقف التزام الآباء، فلايُطلب من الآباء ولا الأخصائيين الطبيين أن يُعززوا الصحة أو أن يجعلوا أفضل من الجيد أو أفضل مما هم عليه».

ومع ذلك يوسع سافولسكو دائرة الإلتزام بالنسبة للآباء لتمتد وتشمل الحالات اللامرضية والتي من الممكن أن تمنع الطفل من ان يحظي بالفرص الكاملة في الحياة فعلى سبيل المثال الأطفال الذين يعانون من ضعف التحكم في النبضات من الممكن أن يواجهوا مشكلة في النجاح في الحياة والدراسة يُوصف عقار الريتالين أحيانًا لهؤلاء الأطفال. يقول سافولسكو:«إذا كانت تقنية كريسبر يمكن ان تفعل مايفعله عقار الريتالين وتحسن التحكم بالنبضات وتعطي الطفل حيز أكبر من الفرص فوجب القول باننا لدينا نفس الإلتزام الاخلاقي لاستخدام كريسبر مثلما نفعل ذلك لتوفير التعليم، النظام الغذائى المناسب، أوتوفير الريتالين».

رفض جرين فكرة أنه ينبغي على الآباء أو حتى انهم يستطيعون تأمين حياة أفضل لأبنائهم من خلال التعديل الجيني .لم يحدد العلماء بعد كل الجينات التي تساهم في جعل الحياة جيدة غير انه هناك الكثير من العوامل التي تتخطى علم الوراثة ولاتى تجعل الإنسان سعيدًا وناجحًا، وقال جرين: «إن الجينوم البشري الطبيعي لديه تنوع كافٍ للسماح لأي طفل بالتجول حول العالم بنجاح وتحقيق نظرته أو نظرتها الخاصة للسعادة.(نُشرت نسخة من ملاحظاته على منتدى أخلاقيات البيولوجيا في مركز هاستينغز).

قالت مارسي دارنوفسكي المدير التنفيذي لمركز علم الوراثة والمجتمع في بيركلي بولاية كاليفورنيا: «إن العديد من الصفات التي من شانها أن تساعد الشخص على جني المزيد من الأموال أو عيش حياة أسهل مرتبطة بالتحيز والتمييز الإجتماعي. فالناس الطوال وذوي البشرة حسنة المظهر يميلون لجني المزيد من الأموال فإذا ماقام الىباء بهندسة أبنائهم لكي يحصلوا على هذه الصفات فأنا أعتقد أننا سنقوم بإدراج هذه الانواع من التمييز التمييز الإجتماعي في علم الأحياء»، وأضافت: «إننا نصل إلى المياه المضطربة بسرعة كمجتمع بمجرد ان نبدأ هذا الطريق».

يقول دارنوفسكي: «إن خلق فئة من الناس ذوي القدرات الجينية كما يسمي جرين الناس المعززة جينيًا من شأنه أن يزيد من مستويات عدم المساواة الصاعقة وهو اعتراض غاتاكا الذي غالبًا ماأحصل عليه كما يقول سافوليسكو».

نعم، فهو يقر:«أنه يمكن أن يخلق المزيد من عدم المساواة فلا شك في ذلك، فكلما كان الأمر متعلق بالمال، فإن الناس الذين لديهم مال أكثر يستطيعوا أن يتحملوا علاجات أفضل وأنظمة غذاء وأنماط حياة صحية، وسوف يكون هناك تفاوتات أو عدم مساواة، يقول سافوليسكو: «هذا أمرحتمي لا مفر منه»، ويمكن للبلدان التي لديها نظم وطنية للرعاية الصحية أن توفر هذه الخدمات مجانا، فإن هذه التدابير من شأنها أن تصحح أوجه عدم المساواة الطبيعية.

تخشى جونستون من أن التلاعب الجيني يمكن أن يغير ديناميات الأسرة، قفقد يصاب الآباء بخيبة أمل إذا لم يصبح طفلهم المُصمم كما يرغبون، هذا هو الاختلاف في المشكلة القديمة من عدم تحقق توقعات الوالدين، ويقول سافوليسكو:«إنها مشكلة تستحق الاهتمام، لكنها ليست مشكلة تستحق حظر كريسبر».

ترجمة: إسراء سامي

المصادر: 1