ما هي حقيقة كوننا نستخدم فقط 10% من دماغنا؟

ثلثي العامة وتقريبا نصف المعلمين يعتقدون أننا نستخدم فقط 10% من عقولنا، فكرة أن الناس تستخدم فقط نسبة قليلة جدا من عقولها وتبقى النسبة الأكبر كطاقة كبيرة مخزنة وإذا استطعنا أن نستغل هذه الطاقة فإن عقولنا ستصير أكثر قوة وسنصبح جميعا عباقرة!

نقدر على فهم أغلب الأشياء حولنا، نستطيع أن نتذكر مئات الأرقام بل ويمكننا أيضًا أن نحصل على قوى خارقة كتحريك الأشياء عن بعد! فكرة قد تصلح لبعض الأفلام الخيالية أو البطولية (كالفيلم Lucy وكثير قبله) ولكن حقيقتها أنها “خرافة تثير الضحك”.

ليس هذا التوصيف هو وصفي الخاص ولكنه وصف باري جوردون طبيب الأمراض العصبية في مدرسة هوبكنز للطب في بالتيمور فيقول “قوة هذه الخرافة تنبع من تصورات ومدى إدراك الناس لكيفية عمل عقولهم، فيرون قصورهم أو نقائصهم كدليل على وجود مادة رمادية – جزء من العقل – غير نشطة، هذا افتراض خاطئ وحقيقة الأمر أنه من الممكن في لحظة ما من حياة أي شخص ربما يستخدم فقط 10% من عقله وعلى الرغم من ذلك فقد أظهرت الأبحاث أننا على مدار وقت زمني فإننا نستخدم تقريبًا كل جزء من الدماغ 100%“

الأدلة توضح بالقطع أنك في يوم واحد تستخدم 100% من عقلك، يحتمل أن هذه الخرافة نشأت عن طريق مقولة ويليام جيمز مؤسس علم النفس الأمريكي “معظمنا لا يستخدم إمكانياته العقلية بالكامل” وهي مقولة طبيعية ومنطقية، ثم قام بعض الكتاب بتحريف هذه المقولة إلى نسب مئوية والكتابة عن هذا الموضوع في كتبهم في أوائل الثلاثينيات، احتمال آخر هو أنه في ذلك الوقت كانت معرفة وظائف أماكن محددة في المخ أمر معقد للغاية وتلف بعض المناطق في المخ مع استمرار الوظائف بطريقة طبيعية كان يطرح أسئلة كثيرة وهذا ترك العلماء الأوائل يتساءلون ما هي وظيفة تلك المناطق؟

عقل الإنسان يمثل تقريبا 2% من وزن الجسم (1.5 كيلوجرامًا) ويستهلك حوالي 20% من طاقته، بالنسبة للأطفال يزداد هذا المعدل إلى 50% وفي الرضع قد يصل إلى 60%، المخ يستهلك قدرًا محددًا من الطاقة فهناك مناطق محددة من المخ هي التي تكون مفعلة في أية لحظة زمنية، نسبة من حوالي 1% إلى 16% يجب أن تكون مفعلة في أية لحظة زمنية وهذا الحد الأدنى من الطاقة من أجل أن يكون الشخص في وعيه، ولكن عقولنا لديها خطة كاملة لتوفير الطاقة المستخدمة ولذلك معظم عمليات المخ تتم بدون وعي على الإطلاق، وبسبب محدودية الطاقة هذه لا نستطيع أن نؤدي أكثر من مهمة في نفس اللحظة وإذا حاولنا فعل ذلك نقوم بكل مهمة بفاعلية أقل.

أحد أهم الألغاز عن العقل كيف تعمل مجموعة من الخلايا العصبية في مناطق مختلفة من عقل الإنسان على تكوين وعيه وإدراكه، لا يوجد دليل على أن هناك مكان محدد مسؤول عن الوعي ولذلك يعتقد العلماء أنه يأتي من خلال عمل جميع الخلايا كمجموعات، أحد الألغاز الأخرى تقع في اللحاء cortices وهو أن 10% من خلايا المخ هي خلايا عصبية والباقي خلايا دبقية glial cells التي تعمل على تغليف ودعم الخلايا العصبية وأغلب وظائف هذه الخلايا ما زالت غير معروفة.

قد يكون السبب في وجود مثل هذه الخرافات ليس أننا نستخدم 10% من عقولنا بل لأننا رغم كل التقدم العلمي ما زلنا لم نستطع فهم كيفية عملها بالقدر الكافي.

الأدلة باستخدام التصوير بالرّنين المغناطيسي الوظيفي، والتصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني، تشيرُ إلى أنّ الإنسان على مدار ال،24 ساعة يستخدم 100% من دماغه. حتّى خلال النوم، يبقى الدماغ كله نشطًا، ولو قليلا. إلى الآن، العلماء لم يعثورا على أي جزء غير نشط من الدماغ، فكل جزء له وظيفة، وإن كانت بعض الوظائف لاتزال غامضة للعلماء.

ويقول جوردون إن صمود هذه الخرافة ينبع من فكرة البشر عن أدمغتهم؛ فهم ينظرون إلى عيوبهم ونقائصهم على أنها دليل على وجود مادة رمادية غير مُستغلَّة. وهذا في الواقع اعتقاد خطأ، والصحيح هو أنه في أوقات معينة من حياة كل إنسان، مثل أوقات الاسترخاء والتفكير، فإنه ربما لا نستخدم أكثر من عشرة بالمئة فقط من أدمغتنا.

فيقول جوردون: “لقد تبين رغم ذلك أننا نستخدم فعليًّا كل جزء من أجزاء الدماغ، وأن معظم الدماغ يكون نشطًا في معظم الأوقات. دعنا نصغها بشكل آخر: يشكل الدماغ 3% من وزن الجسم لكنه يستخدم 20% من طاقة الجسم”.

يزن دماغ الإنسان في المتوسط 1.5 كجم تقريبًا، ويتكون من الدماغ الكبير، الذي يمثل الجزء الأكبر وهو المسؤول عن الوظائف الإدراكية العليا، والمخيخ المسؤول عن الوظائف الحركية، مثل تنسيق الحركة والتوازن، وجذع الدماغ المسؤول عن الوظائف غير الإرادية كالتنفس. وتُستخدَم معظم الطاقة التي يستهلكها الدماغ في الإطلاق السريع لملايين الخلايا العصبية التي يتواصل بعضها مع بعض. ويعتقد العلماء أن إطلاق الخلايا العصبية والتواصل بينها هو ما يقف وراء كل الوظائف العليا للدماغ. بينما تُستخدم باقي الطاقة للسيطرة على الأنشطة الأخرى؛ الأنشطة اللاشعورية مثل ضبط معدل نبضات القلب، والشعورية منها مثل قيادة السيارة.

على الرغم من صحة فكرة أنه في أية لحظة من اللحظات يمكن ألا تكون جميع مناطق الدماغ تطلق الخلايا العصبية بصورة متزامنة، فإن الباحثين المتخصصين في دراسة الدماغ أثبتوا عبر استخدام تكنولوجيا تصوير الدماغ أنه على غرار عضلات الجسم، تكون معظم مناطق الدماغ نشطةً على مدار اليوم. فيقول جون هنلي -عالِم الأعصاب لدى مايو كلينيك في روتشستر بولاية مينيسوتا-: “تثبت الأدلة أنه على مدار اليوم، يستخدم الإنسان مئة بالمئة من الدماغ”. ويشرح هانلي قائلًا إنه حتى في أثناء النوم، فإن بعض المناطق مثل القشرة الجبهية التي تسيطر على أشياء مثل المستويات العليا من التفكير وإدراك الذات، أو المناطق الحسية الجسدية المسؤولة عن إحساس الأشخاص بالبيئة المحيطة بهم تكون نشطة.

انظر مثلاً إلى عمل بسيط مثل صب القهوة في الصباح: السير باتجاه إبريق القهوة، والوصول إليه، وصب الشراب في الفنجان، وترك بعض الفراغ في الكوب من أجل إضافة الكريمة؛ من أجل إنجاز هذا العمل البسيط فقط يجب أن يكون الفص القذالي والفص الجداري والقشرة الحركية الحسية والحسية الحركية والعقد القاعدية والمخيخ والفصوص الأمامية، جميعها نشطة. إنها بمنزلة عاصفة رعدية من نشاط الخلايا العصبية تمر بالدماغ كله تقريبًا خلال فترة زمنية لا تتجاوز بضع ثوان.

ويضيف هنلي: “لا يعني هذا أنه إذا تأذى الدماغ فلن يستطيع المرء أداء الوظائف اليومية؛ فهناك أشخاص أصيبوا بأضرار دماغية أو حتى تمت إزالة أجزاء من أدمغتهم ولا يزالون يحيون حياة طبيعية إلى حد كبير، ولكن يرجع هذا إلى قدرة الدماغ على التعويض والتأقلم من خلال التأكد من جعل الأجزاء المتبقية تتولى مسؤولية أداء تلك المهام”.

إن القدرة على تحديد أماكن المناطق المختلفة من الدماغ ومعرفة وظيفة كلٍّ منها تمثل جزءًا أساسيًّا من فهم الآثار الجانبية المحتملة في حال بدأت إحدى تلك المناطق في الفشل في أداء وظيفتها. يدرك الخبراء جيدًا أن الخلايا العصبية التي تؤدي وظائف متشابهة تميل إلى أن يتجمع بعضها مع بعض. على سبيل المثال، نجد أن الخلايا العصبية المسؤولة عن التحكم في حركة الإبهام تنتظم إلى جوار تلك التي تتحكم في السبابة. ومن ثم، فعند إجراء جراحة في الدماغ، يتجنب الجراحون بحذر التجمعات العصبية المرتبطة بالرؤية والسمع والحركة، مما يتيح للدماغ الحفاظ على أكبر قدر ممكن من وظائفه.

لكن الأمر غير المفهوم بعد هو كيف يمكن لتجمعات خلايا عصبية من مناطق مختلفة من الدماغ أن تتعاون لتشكيل الوعي. حتى الآن لا وجود لأي دليل يشير إلى ارتباط منطقة بعينها بالوعي، مما يدفع بالعلماء إلى اعتقاد أن الوعي يمثل جهدًا عصبيًّا جماعيًّا حقًّا. وما زال هناك سر آخر يختبئ خلف قشرة الدماغ المجعدة، وهو أن عشرة بالمئة فقط من كل خلايا الدماغ هي خلايا عصبية، في حين أن التسعين بالمئة الباقية من الخلايا هي خلايا دبقية تعمل على إحاطة تلك الخلايا العصبية ودعمها، لكن وظيفتها لا تزال مجهولة بشكل كبير. وفي النهاية، الأمر ليس أننا نستخدم 10 بالمئة فقط من الدماغ، ولكن أننا ربما لا نفهم سوى 10 بالمئة تقريبًا فقط من طريقة عمله.

إعداد: أنمار رؤوف

المصادر: 12