العلم يثبت أن هناك صلة بين الإبداع والجنون

كان يطلق عليه اسم “العبقري المجنون”. هو عالم الرياضيات الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد جون ناش، الذي ابتكر نظريات عدة غيّرت مجرى الاقتصاد الحديث، وكان في الوقت نفسه يصارع مرض التوحد والهلوسات السمعية والبصرية والشخصيات الخيالية، التي كانت تعيش في عالمه الخاص.

لا بد من أن نتساءل كيف يمكن للعبقرية والإبداع أن يجتمعا مع المرض النفسي والجنون؟ وهل القول السائد إن العبقرية والجنون تفصل بينهما شعرة دقيقة صحيح؟

إليكم حكايات أبي حيان التوحيدي، وصلاح جاهين، ومؤنس الرزاز وغيرهم من المبدعين مع الجنون.

نحن أصحاب الصنعة كلنا مجانين

من المتعارف عليه بين عامة الناس أن العبقري غريب الأطوار يعيش في عالم خاص به، ويحمل أفكاراً لا يفهمها من هم حوله. هو شخص استثنائي، لا يشبه بقية الناس في طريقة لبسه وسلوكه واهتماماته. ولو كان شخصاً عادياً، لما كان مبدعاً أو استثنائياً.

الفكرة السائدة حول أن العبقري لا بد أن يتسم بالجنون، تعود إلى آلاف السنين. وقد أشار إليها فلاسفة اليونان القدماء، وكانوا أول من تحدث عنها، كما ذكر الطبيب النفسي والأستاذ في جامعة السوربون فيليب برينو في كتابه العبقرية والجنون.

كانوا ينعتون أنفسهم بالمجانين، وكان أفلاطون ينصح سكان مدينة أثينا بعدم تقليده في أفعاله وتصرفاته، في حين جزم تلميذه أرسطو بأنه لا يوجد عبقري لا يعاني مسّاً من الجنون، مؤكداً أن العبقرية تبدأ بالوحدة والعزلة، وتنتهي بالصرع والجنون، إذا لم يرافقها العمل والإبداع. ويقول الفيلسوف بيرن: “نحن أصحاب الصنعة كلنا مجانين”.

بالعودة إلى تاريخ العظماء في العالم، لم يكن جون ناش العبقري الوحيد الذي عانى من اضطرابات وأمراض نفسية. فقد أجمع المؤرخون على أن إسحاق نيوتن مكتشف قانون الجاذبية ومخترع التلسكوب، كان يعاني من مرض التوحد والاكتئاب. وأينشتاين الذي طور النظرية النسبية، كان يعاني من حالة من حالات التوحد، وكان منعزلاً، يتعامل مع الأشياء أكثر من تعامله مع الأشخاص، وعرف بتصرفاته الغريبة، فكان يرتدي ملابس رثة في مناسبات راقية، ويلقي محاضرات صعبة لا يفهمها معظم الحضور.

كذلك كان الرسام الهولندي فان غوغ معروفاً بتصرفاته الغريبة والمرضية، فعندما أحب فتاة قطع أذنه وقدمها لها هدية، وكان يعاني من نوبات صرع عنيفة، كاد في إحداها أن يقتل زميله الفنان بول غوغان.

وجعله الاكتئاب المزاجي الذي كان يعانيه، يحمل حماساً شديداً للرسم، فكان ينهي لوحات صعبة ومعقدة في فترة زمنية قصيرة، ليدخل بعدها في فترة اكتئاب طويلة، دفعته للانتحار بعد فشل عدة محاولات.

كذلك اشترك الملحن والموسيقي العالمي بيتهوفن مع من سبقه بإصابته باضطرابات نفسية عنيفة، جعلته يعاني من اكتئاب حاد وحزن دائم، حاول جاهداً السيطرة عليه وتناسيه بتعاطي الكحول والمخدرات. أما الروائي الإنكليزي تشارلز ديكنز، كاتب رائعته “قصة مدينتين”، فأصيب بنوبات اكتئاب في عمر الـ34، وكان غريب الأطوار، يخرج من منزله ليلاً، ويسير خمسة أميال في الليلة الواحدة، ويدخل منازل أصدقائه من نوافذها بحجة مفاجأتهم.

ماذا تقول الأبحاث في هذا الموضوع؟

في التقرير الأخير لدراسة دامت لمدة أربعين سنة على 1.2 مليون شخص من السويد وجد _باستثناء المصابين بالاضطرابات ثنائية القطب_ أن المرض العقلي الكامل لايزيد من احتمال الإبداع _حتى الاستثناء الخاص بالاضطرابات ثنائية القطب أثر فيهم المرض بزيادة قليلة بنسبة 8%_ لكن ماكان ملفتاً للنظر هو أن أشقاء المرضى المصابين بالتوحد والأقارب من الدرجة الأولى لمرضى الفصام واضطراب ثنائي القطب وفقدان الشهية العصبي كانوا متميزين جداً وبشكل ملحوظ في المهام التي تتطلب إبداعاً!

هل من الممكن أن يكونوا قد ورثوا نسخة مخففة من المرض العقلي يؤدي إلى الإبداع مع تجنب أعراض المرض العقلي الكامل المدمرة؟!

يدعم البحث فكرة أن الأقارب السليمين نفسياً لمرضى الفصام لديهم وظائف إبداعية بشكل غريب وهوايات غريبة ويميلون إلى إبداء درجات عالية من سمات الشخصية الفصامية، مقارنة بالناس العاديين (لاحظ أن سمات الشخصية الفصامية ليست مرض الفصام ذاته) بل هي مجموعة من الصفات الشخصية التي تبدو واضحة لدى الجميع:

هي سلسلة من الخصائص الشخصية والخبرات التي تتراوح بين حالات الخيال العادية إلى حالات أكثر تطرفاً متعلقة بالذهان (فقدان الاتصال بالواقع)، كأن تكون شخصاً عادياً مع العديد من الأفكار المجنونة المتطرفة غير المألوفة.

ويمكن تقسيم سمات الشخصية الفصامية إلى “إيجابية” تشمل التجارب الإدراكية غير العادية، والروابط العقلية الضعيفة بين النفس والآخرين وعدم الانسجام القهري والمعتقدات الخرافية.

وصفات فصامية “سلبية” منها الفوضى المعرفية وانعدام الملذات المادية والاجتماعية حيث يعاني صاحبها من صعوبة من الاستمتاع بالتفاعلات والنشاطات الاجتماعية الممتعة لمعظم الناس.

وقد لوحظ بروز الصفات الإيجابية أكثر من السلبية منها للمتمتعين بسمات الشخصية الفصامية.. ولهذا انعكاسات هامة على الإبداع، حيث وجد أن التجارب غير العادية وعدم الانسجام القسري مرتبطة بشكل ملحوظ بالتقييم الذاتي الإبداعي، كاالشخص الواثق صاحب الرؤية المتفردة والاهتمامات الواسعة غير التقليدية، وأيضا بالإنجازات الإبداعية اليومية ككتابة قصة قصيرة أو تصميم مواقع الويب الخاصة بك أو تأليف قطعة موسيقية.

العثور على رابطٍ جينيًّ بين الأمراض العقليّة والإبداع:

ويبدو أنّ خيطًا رفيعًا هو حقًّا ما يفصل بين العبقريّة والجنون.

تقترح أبحاثٌ جديدة، أنّ أمراضًا نفسيّة كالفصام والاضطراب ثنائي القطب قد تشترك مع الإبداع ببعض الجذور الجينية.

وبعد الاطّلاع على بيانات جينية مأخوذة من أكثر من 15،000 شخص، وجد الباحثون أن لأولئك العاملين في المهن الفنية والإبداعية احتمالٌ أكبر لأن يكونوا حاملين لجيناتٍ تجعلهم معرَّضين لخطر الإصابة بالأمراض العقليّة، من الذين يعملون في مهن غير خلاقة.

لكنّ الدّراسة التي نُشِرت في Nature Neuroscience قوبِلت بالكثير من التّشكيك، وكان أحد أهم دواعي ذلك التّشكيك هو “تعريف” الباحثين للإبداع”.

هذه ليست المرة الأولى التي يُقتَرَح فيها وجود رابطٍ جينيّ بين الأمراض العقليّة والإبداع.

تاريخيًّا، فإن العديد من أكثر العقول عبقرية في المجتمع كافحوا أيضًا مع مشاكل نفسيّة، ممّا يساعد على فرض الصّورة النمطيّة للـ”الفنّان المعذَّب”، وساعدت مجموعةٌ من الدّراسات على مدى سنوات أيضًا في دعم وجود ذلك الارتباط.
ومع ذلك، فقد كانت الأدلّة الجينيّة غير مكتملة إلى حدٍّ ما، حتى هذه اللحظة.

في البحث الجديد، قام فريقٌ من العلماء من شركة الأدوية الحيوية deCODE Gentics في أيسلندا بالاطّلاع على بياناتٍ مأخوذة من 86،000 شخصٍ أيسلندي.

وجد الباحثون أنّ الأفراد الذين يعملون في مهنةٍ فنّيّة أو الذين ينتمون إلى المجتمع الفنّي الوطني كانوا مرجحين لحمل المتغيرات الجينية المرتبطة بالاضطراب ثنائي القطب أو الفصام بنسبة 17 في المئة أكثر من أفراد آخرين من عامّة الشعب.

ثمّ عمل الفريق على تكرار أبحاثهم باستخدام البيانات المأخوذة من الناس في هولندا والسويد، ووجدوا أنّ في هذه المجموعة الثانوية، كان رجحان احتماليّة حمل المبدعين لجينات الاضطرابات العقليّة أكبر بحوالي 25 في المئة من أقرانهم غير المبدعين.

وكتب مؤلفو الدراسة في Nature Neurocience: “لم يكن ممكنًا تعليل ذلك عن طريق الربط المتزايد بين المبدعين والذين يعانون من الذهان، الذي يشير إلى أنّ الإبداع والذهان يشتركان في الجذور الوراثية”، لكن منتقدي هذه الدراسة يشكّكون الآن فيما إذا كنّا نستطيع حقًّا تصنيف الشخص المبدع ببساطة من خلال مهنته، وعمّا إذا كانت الرّوابط الجينية الموجودة هي فعلًا بتلك الأهمّيّة، كما كتبت أريل دوهيم روس Arielle Duhaime-Ross لموقع The Verge:

“لكن هنا تكمن القصّة: الزّيادة في احتمال التعرض للأمراض العقليّة يمكن أن تكون أمرًا مضلِّلًا نوعًا ما.

والمتغيرات المستخدمة في الدّراسة، مع بعضها، تفسّر فقط حوالي 6 في المئة من الفصام و 1 في المئة من الاضطراب ثنائي القطب، وفقًا لرسمٍ بيانيٍّ في الدّراسة.

وهذه المتغيّرات نفسها تفسّر فقط نحو 0.25 في المئة من القدرة الفنية”.

وبعبارة أخرى، فإنّ الجينات التي تتنبّأ باحتمال الإصابة بالأمراض العقلية قد تساهم في جعل النّاس أكثر إبداعًا بمقدارٍ بسيط، لكنَّ شيئًا آخر – سواء الجينات أو العوامل البيئية – يجب أن يشارك لمساعدتهم على قطع بقيّة الطريق.

وقال عالم الوراثة السكانية ديفيد كلتر من جامعة إيموري Emory University في الولايات المتحدة، الذي لم يشارك في الدراسة، لدوهيم روس: “هناك ارتباط، وهو ضعيفٌ بشكلٍ مدهش على النحو الذي من شأنه أن يهمّ الناس”.

ومع ذلك، يأمل الرئيس التنفيذي لـ(deCODE) كاري ستيفانسون أنّ النّتائج سوف تساعد على وضع الأمراض العقليّة في صورة إيجابية ولو لمرّة.

وقال ستيفانسون لإيان سامبل عبر صحيفة الغارديان: “لتكون مبدعًا، عليك أن تفكّر بطريقةٍ مختلفة”، وأضاف: “وعندما نكون مختلفين، يصبح هناك ميل لأن نُدعى بالغريبين، المخبولين وحتّى بالمجانين”.

حالة من التعقّد:

في الجهة المقابلة يرى بعض الباحثين أن العلاقة بين الاضطراب العقلي والإبداع ليست بذلك الوضوح، خذ مثلا تجارب بوست إف (Post F) في التسعينيات، والتي أشارت إلى أن شيوع الاكتئاب في المبدعين كان مرتبطا بشيوع نوع آخر من الاضطراب وهو إدمان الكحوليات، وهو ما يثير شكوكا حول ما إذا كان الاضطراب العقلي مرتبطا فقط بإدمان الكحول دون ارتباط بالإبداع نفسه، كذلك تشير دراسة بوست أن حالات الانتحار لم تكن بالوضوح الكافي في مجموعة ضمّت 291 مبدعا، ولم تظهر إلا في خمسة فقط (هيمنغواي، بولتزمان، فان جوخ، هتلر من السياسيين، وتشايكوفسكي في الموسيقى).

في الفيلم الشهير “التضحية ببيدق” (Pawn Sacrifice) نتعرض لحالة غاية في العجب يصر خلالها بطلي العالم بوبي فيشر وبوريس سباسكي في بطولة العالم بآيسلندا (أغسطس/آب) 1972 أن هناك من يراقبهم عبر أجهزة تنصّت، فيشر -الذي تدهورت حالته بالفعل فيما بعد- يطلب إقامة المباراة في غرفة تنس الطاولة لأن الكاميرات وهمهمات الجمهور تصدر أصواتا تمنعه من التركيز.

ويظن سباسكي أثناء المباراة أن كرسيه يحتوي على أجهزة تصنت فيطلب فحصة بالأشعة السينية، للوهلة الأولى تظن أن الفيلم فقط يطعّم الحكاية الحقيقية ببعض المشاهد لرفع المتعة، لكن في الحقيقة لقد حدث ذلك بالفعل! لكن حينما نسأل عن أسباب ذلك قد نتحيّر قليلا، هل العلاقة بين الإبداع وتلك الحالات من جنون الارتياب ذات مصدر بيولوجي، أم أنها فقط الضغوط السياسية في الحرب الباردة التي أثقلت كتفي بطلينا وترافقت مع عمل يتطلب التركيز الشديد والعزلة هي ما أنتج تلك الحالة؟

ليس كل عبقري مصاب بالاضطراب العقلي، وليس كل مصاب بالاضطراب العقلي عبقري، لكن نسب حدوث بعض الأنواع من الاضطرابات العقلية والمزاجية في جمهور المبدعين تقع عند نقطة أعلى من الجمهور العام.

نعم، يميل هذا المجال البحثي أن يرجح كفّة وجود علاقة واضحة بين الإبداع والاضطراب العقلي، لكن نحن فقط لا نعرف بعد “من سبب من؟”. يرى البعض أن السبب في ذلك هو ارتباط مناطق الإبداع في الدماغ بنفس المناطق التي يصيبها الاضطراب العقلي، ويرى البعض الآخر كما يوضح د. عبد الستّار ابراهيم في كتابه “الحكمة الضائعة” الصادر في سلسلة عالم المعرفة (أبريل/نيسان) 2002 أن الارتباط هنا له سبب ثالث يقع في خلفية كل من الإبداع والاضطراب العقلي.

قد يكون لذلك علاقة بنمط حياة المبدعين القاسي نفسيا والمرتبط بالزج بذواتهم في أعمالهم، أو بسبب ارتباطهم الدائم بتغيرات مهنية واجتماعية، أو ربما لأن ذلك النمط من العمل يتطلب العزلة مما يدفعهم للإدمان، أو فقط لأن المبدع كما يقول أرثر ميللر الأديب الأميركي الحاصل على نوبل أن “الكاتب دائما في تعب وكرب، ليس فقط لأنه يكتب، ولكن في كل شؤون الحياة، في الزواج، والمعاملات الخارجية، والمال، وكل شيء”.

بالطبع يواجه ذلك النطاق البحثي العديد من المشكلات التي تدور معظمها حول قصوره في القدرة على تحديد نتائج واضحة، ما نمتلكه دائما هو دلالات إحصائية تشير إلى ميل احتمالي فقط، كذلك تفتقر بعض الاصطلاحات الأساسية في التجارب إلى التحديد، خذ مثلا تعريفنا لاختبار الذكاء (IQ) أو سؤالنا عن: “ما الإبداع؟ العبقرية؟”، أو حتّى التعريف الواضح لبعض الأعراض الجانبية للاضطرابات النفسية.

وهي جميعها مفاهيم تتطلب تضافر عدد من العوامل غاية في التعقيد لتوضيحها بصورة دقيقة، كما تمتد الآثار الثقافية، والسياسية، والاجتماعية، والاقتصادية للتأثير عليها. يتداخل كل ذلك ليصنع عائقا أمام التأكد، لكن لا ينفي ذلك أن هناك علاقة واضحة بين الاضطراب النفسي والإبداع، ما نواجهه من مشكلات له علاقة بتفسير ذلك الارتباط الذي -في كل حال- لن يتساوى مع تفسير العامة عن مس شيطاني أو عقاب فانتازي على موهبة.

هنا تتضح نقطة أساسية إذن، فليس كل عبقري مصاب بالاضطراب العقلي أو قابل للإصابة به، وليس كل مصاب بالاضطراب العقلي عبقريٌّ أو قابلٌ ليكون كذلك بالمعنى المفهوم، لكن ما نود أن نوضحه هو أن نسب حدوث بعض الأنواع من الاضطرابات العقلية والمزاجية في جمهور المبدعين تقع عند نقطة أعلى مما هي موجودة في الجمهور العام، تعد تلك هي دلالة إحصائية واضحة على وجود تلك العلاقة، لكنها لا يمكن أن تُستخدم للإشارة إلى شخص بعينه على أنه بالضرورة مصاب بالهَوَس أو الاكتئاب مثلا، المبدعون هم أناس طبيعيون يذهبون لمكاتبهم في الصباح الباكر، ربما وتشغلهم نفس المشكلات المتعلقة بزواج الابنة، وأقساط السيّارة، أو ارتفاع أسعار الدولار مقابل العملات المحلّية.

استخدام تلك العلاقة لتحقيق فهم أفضل للإبداع وللمرض النفسي، قد يساعدنا على ابتكار أدوية جديدة لعلاج المرض النفسي حينما نستكشف مناطق من المخ تدعم السلوكين معا.

نحن لا نقول -ولا يستطيع باحث واحد كذلك- إن المرض العقلي هو سبب الإبداع، أو العكس، إن الإبداع هو سبب المرض العقلي، لكننا فقط نحاول أن نفحص علاقة باتت واضحة بدرجات أعلى من المعتاد بين المرض العقلي، كالاضطراب ثنائي القطب بالأخص، أو الاكتئاب، أو نوبات الجنون والفصام بشكل أقل حدّة، وبعض حالات متفاوتة من الإبداع الفنّي والأدبي.

أضف إلى ذلك أننا أيضا لا نحاول أن نصوّر المرض النفسي كما تصوّره بعض الأفلام -“عقل جميل” (Beautiful Mind) أو “برهان” (Proof) مثلا- كحالة من الهوس البديع الساحر، في الحقيقة فإن الأمراض النفسية كالاكتئاب وثنائي القطب والفصام هي حالات غاية قي القسوة تتسبب في تدمير حياة صاحبها، والعبث بنظام نومه، طعامه، وتمنعه عن ممارسة حياته الطبيعية في الحالات الحادة بشكل يوجب أن يوضع المريض بالمستشفى، وربما تدفع صاحبها للانتحار.

ما نحاول أن نفعله إذن -وهو ما يستثير البحث العلمي في تلك النقطة- هو استخدام تلك العلاقة لتحقيق فهم أفضل للإبداع وللمرض النفسي، فربما يساعدنا ذلك يوما ما على ابتكار أدوية جديدة لعلاج المرض النفسي حينما نستكشف مناطق من المخ تدعم السلوكين معا، أو ربما نتمكن من تطوير قدراتنا الإبداعية عبر استخلاص الجانب الشيّق من تلك العلاقة، في تلك النقطة يمكن أن نشير الى اقتباس يدعو للتأمل من الشاعر البريطاني الشهير فيليب إدوارد توماس: “أتساءل، بالنسبة لشخص مثلي جاءته أعظم لحظات الإلهام في أقسى درجات الاكتئاب، هل لدواء يزيل الاكتئاب أن يزيل الإلهام؟”.

إعداد: جمال علي

المصادر: 1234