ماهي الفلسفة العبثية أو المذهب العبثي؟

تشير كلمة “العبثية” في الفلسفة إلى الصراع بين ميل الإنسان للبحث عن الحقائق الكامنة ومعنى الحياة وبين عدم قدرة الإنسان على الوصول لأي منها. وفي هذا المجال فإن كلمة “العبثي” لا تعني أن الأمر “مستحيل منطقيا”، ولكن تعني بالتحديد أنه “مستحيل بالنسبة للإنسان”. وإن هذا العبث ليس بسبب أي من الكون أو عقل الإنسان، ولكن على خلاف ذلك فإن هذه العبثية تنشأ من الطبيعة المتناقضة القائمة بينهما.

على كل حال، فإن العبثية مدرسة فكرية في الفلسفة ترى أن جهود الإنسانية في الوصول إلى الحقيقة الكامنة ستفشل في النهاية، لأن الكم الهائل من المعلومات فضلاً عن المساحة الكبيرة من عدم القدرة على تأكيد أي منها تجعل الأمر مستحيلا.

وترتبط العبثية بشكل كبير مع مذهبي الوجودية والعدمية، وقد بدأت جذورها في القرن التاسع عشر لدى الفيلسوف الدنماركي سورين كيركيغارد والذي اختار أن أن يواجه الأزمة التي تواجه البشرية في هذه الحياة العبثية من خلال تطوير فلسفة وجودية. وقد ولدت العبثية كنظام اعتقادي في الحركة الوجودية الأوروبية التي انطلقت خاصة بعد أن رفض الكاتب والفيلسوف الفرنسي الجزائري ألبرت كامو بعض المفاهيم من الخط الفلسفي ونشر مقالة “أسطورة سيزيف”. وقد قدمت نتائج الحرب العالمية الثانية البيئة الاجتماعية التي نشطت وجهة النظر العبثية وسمحت لها بالتطور وخاصة في دولة فرنسا المدمرة.

وفي التناقض بين ميل الإنسان للبحث عن معنى الكون، وبين انعدام المعنى له، يظهر للإنسان طرق ثلاث لحل هذه المعضلة وفقاً لما قدمها كل من كيركيغارد وكامو في أعمالهم “المرض حتى الموت 1849″ و”أسطورة سيزيف 1942”.

– الانتحار “الهرب من الوجود”: وهو الحل الذي ينهي به الإنسان حياته الخاصة. وقد رفض كل من كيركيغارد وكامو جدوى هذا الخيار، ويرى كامو أن الأمر لا يواجه العبثية، بل يصبح أكثر عبثية بإنهاء الإنسان لحياته.

– المعتقدات الدينية والوروحية المجردة التي تتحدث عن عالم متعال: وهو الحل الذي يؤمن به الشخص بوجود واقع أبعد من كل هذا العبث، وعلى هذا النحو واقع له معنى. وقد ذكر كيركيغارد أن الإيمان بأي شيء أبعد من الواقع العبثي يتطلب معتقدات دينية غير عقلانية ولكن لربما تكون ضرورية في مثل هذا الشيء غير القابل للإثبات الملموس والتجريبي. إلا أن كامو اعتبر هذا الحل “انتحاراً فلسفياً”.

– القبول بالعبثية: وهو الحل الذي يتقبل فيه الشخص عبث هذه الحياة ويتابع في حياته على الرغم من ذلك. وقد أيد كامو هذا الحل مؤمناً بأن تقبل هذه العبثية يمكن أن يحقق للإنسان الحرية المطلقة، وذلك من خلال تفهم عدم وجود القيود الدينية أو الأخلاقية ومن نخلال التمرد على العبثية في الوقت نفسه الذي يتقبل أنها شيء لا يمكن إيقافه، يمكن للمرء أن يكون محتوى عن المعنى الشخصي المكون خلال هذه العملية. إلا أن كيركيغارد على الضفة الأخرى، اعتبر هذا الحل “جنوناً شيطانياً”.

ووفقاً للعبثية فإن البشر يحاولون تاريخياً العثور على معنى لحياتهم، وغالبا ما تودي نتائج هذا البحث تقليدياً إلى إحدى نتيجتين: إما أن الحياة لا معنى لها، أو أن الحياة تحوي في داخلها على غرض منصوص من قبل سلطة أعلى، مما يدفع للإيمان بوجود الله والانضمام لدين معين أو مفهوم مجرد مشابه.

فلسفة الانتحار عند ألبير كامو:

كان الفيلسوف والروائي العبثي ألبير كامو، يرى عدم وجود معنى للحياة، وبالتالي عدم وجود جدوى لكل ما يفعله الإنسان من عملٍ أو مجهود، فكل ذلك في رأيه كان سيضيع سدىً بما أن نهاية البشر في الأخير هي العودة من جديد إلى العدم أو اللاشيء..

لذلك، شبّه كامو معاناة الإنسان في هذه الحياة بمعاناة (سيزيف)، وسيزيف هذا هو شخصية يونانية أسطورية عبثت مع ملَك الموت حسب المعتقدات الإغريقية، فغضب منه الإله الأكبر (زيوس) وعاقبه بأن جعله يحمل صخرة كبيرة لأعلى أحد الجبال، ثم ما إن يصل للقمة حتى تعود الصخرة للتدحرج إلى الأسفل، ثم يجبره زيوس على حملها مرة أخرى لأعلى الجبل وهكذا، في عقاب أبديّ ومجهود قاسٍ ليس له أي معنى ولا جدوى.

ويرى ألبير كامو، أنه حتى يخرج الإنسان من مأزق المجهود الروتيني السيزيفي القاتل والخالي من الجدوى، فإن أمام البشر حلّين لا ثالث لهما، إما الانتحار والتخلّص من هذا الألم، أو التمرّد والخروج تماماً عن المألوف، والحل الثاني هو ما يفضّله كامو، بعد أن فصّل في هذه القضية الفلسفية في كتابيه: أسطورة سيزيف، والإنسان المتمرد.

ألبير كامو الذي وصَفَ كتابه (أسطورة سيزيف) بأنه: دعوة سهلة للعيش وسط الصحراء؛ يقول إنه لا توجد قضية يستحق أن يشنق الإنسان نفسه لأجلها، فحتى غاليليو، والذي قاده كهنة الدين إلى المشنقة حين ادّعى أن الأرض تدور، تراجع عن رأيه حين تيقّن أنه سيفقد حياته. يقول كامو وما أهمية أن نعلم أن الأرض تدور أم لا؟ لا أحد يكترث لهذا حين يصل الأمر لفقدان الحياة!

يقول كامو إن معظم المفكّرين المؤيدين لفكرة الانتحار ويصفون هذا الفعل بالشجاعة لم ينتحروا، وعلى رأسهم الفيلسوف الشهير شوبنهاور، والذي كان يكتب عن الانتحار بينما يجلس على مائدة بديعة.

ولكن ما الذي يجعل هؤلاء المفكّرين يُقنعون الناس بالانتحار ولا يقتنعون هم أنفسهم بالانتحار وينتحرون؟

يقول كامو: على الأرجح ليست هناك علاقة بين ما يعتقده البشر وبين أفعالهم، فإن كان تأثير العقل قوياً على البشر، فإن تأثير أفعال الجسم أقوى. لأن الإنسان حصل على الجسم قبل القدرة على استخدام العقل، وإن كان الجسم أقوى من العقل، فهذا يعني أن الجسم يرفض الموت بشكل غريزيّ؛ هذا هو باختصار رأي كامو في سبب امتناع هؤلاء عن الانتحار.

لكن كامو تجاهل عدة شخصيات معروفة صرّحت برغبتها بالانتحار ولكنها انتحرت، أذكر منهم الشاعر المجري العظيم أتيلا يوجيف، والذي عاش يتيماً بائساً، يقول يوجيف: “يعتقد الناس أنني طفلٌ عبقري، لكنني ولدت يتيماً أتسوّل الجمال وحسب!”

العبثية، والفوضوية واللاهدفية عند هايدغر:

مارتن هايدغر هو فيلسوف ألماني (1889 – 1976)، ولد جنوب ألمانيا، درس في (جامعة فرايبورغ) تحت إشراف (إدموند هوسرل) مؤسس علم الظاهريات، في كتاب (العقلانية والمعنوية) يقول (مصطفى مليكان) تعبيرًا عن رأي (هايدغر):

إن أقوالنا وأعمالنا ومواقفنا، كلامنا وصمتنا، فرحانا وحزننا، وكل شيء فينا داخل في نطاق هذه الفوضوية، حتى معلوماتنا التي نكتسبها من المحيط الخارجي تأتينا بشكل فوضوي، ونقوم نحن بتكديسها فوق بعض، ومن ثم ننقلها للآخرين. إن القسم الأكبر من الجهد الذي نقوم به في هذه الحياة هو تجميع مانكتسبه من الآخرين ونقله إلى غيرهم، بدون أن ندرك ماذا اكتسبنا، وماذا نقلنا لغيرنا.

وفي الحقيقة، نحن نستلم ألفاظًا ونحوّلها لآخرين، دون أن نمارس فعل الوعي، على حد تعبير هايدغر. نحن هنا مجرد أدوات ناقلة، تمامًا كالحشرات التي تقف على شيء، وتتعلق بأرجلها ذرات من ذلك الشيء، فتنقلها- لا عن واعي – حينما تطير وتحط على مكان آخر. نحن البشر لدينا قنوات إدخال وقنوات إخراج، ومن خلال هذه القنوات تأتي المعلومات وتذهب دون أن نفقه منها شيئًا. ولا تعتبر هذه الأمور معلومات، وإن كنا نتصور أنها كذلك، لأننا في الواقع لم نقم سوى بعملية تمرير للألفاظ دون أن ندرك معناها.

إعداد: أنمار رؤوف

المصادر: 123