ما هي العواقب الوخيمة المترتبة على الحرمان من النوم وهل هناك ربما فائدة من قلة النوم؟

أظهرت دراسة حديثة أن الحرمان من النوم يوقف خلايا الدماغ عن التفاعل بشكل صحيح، ويؤثر على كيفية رؤية الأشخاص للعالم من حولهم.

ويكشف البحث الجديد، الذي تناول مسألة الآثار الخطيرة على القيادة أثناء التعب، أن أجزاء من الدماغ توقف نفسها عن العمل للحصول على الراحة على الرغم من أن الشخص ما يزال مستيقظا.

وقد أوضح مسح لأدمغة المحرومين من النوم، من قبل العلماء في جامعة “كاليفورنيا لوس أنجلوس”، لأول مرة، أن التعب يعطل سرعة خلايا الدماغ في التفاعل ويمنع الذكريات من الترميز بشكل صحيح، كما أنه يسبب هفوات مؤقتة في الذاكرة والرؤية.

وقال أستاذ جراحة المخ والأعصاب في جامعة كاليفورنيا، الدكتور إسحاق فرايد، إن تأثير الحرمان من النوم قد يمنع الشخص المتعب من ملاحظة وجود مشاة أمام السيارة، وأضاف أن “تجويع الجسم للنوم يحرم الخلايا العصبية من القدرة على العمل بشكل صحيح”.

وتابع قائلا إن “هذا ما يمهد الطريق أمام الفشل الإدراكي في كيفية تصورنا وردنا على العالم من حولنا، حيث أن رؤية المشاة تتباطأ في دماغ الشخص المتعب، إذ يستغرق الدماغ وقتا أطول لإدراك ما يرى”.

وأكد الباحث أن “النوم غير الكافي يعطي تأثيرا مماثلا على الدماغ مثل شرب الكحول بشكل مفرط، ومع ذلك لا توجد معايير قانونية أو طبية لتحديد السائقين المتعبين على الطريق بالطريقة ذاتها التي يتم من خلالها كشف السائقين في حالة سكر”.

وقد درس العلماء 12 مريضا بالصرع ممن حرموا من النوم، والذين لديهم أقطاب مزروعة في الدماغ، وطلب منهم تصنيف مجموعة متنوعة من الصور في أسرع وقت ممكن.

وكان أداء المهمة أفضل كلما تمتع المشاركون بكمية نوم أكثر، وأظهر المسح الدماغي أنه كلما تباطأ المرضى في الرد، كان عمل الخلايا الدماغية بطيئا أيضا.

ويقول الدكتور يوفال نير من جامعة تل أبيب إننا “فخورون بملاحظة كيف يضعف الحرمان من النوم نشاط الخلايا الدماغية”.

كما اكتشف الباحثون أيضا، أن المناطق التي سجلت فيها خلايا المخ تباطؤا أكثر، كانت موجات المخ فيها تسجل تباطؤا كذلك، مما يشير إلى أن هذه المناطق كانت تحاول النوم.

وهذه الظاهرة تفسر الفشل الإدراكي للدماغ بينما يكون الشخص مستيقظا، وقد ربطت الدراسات السابقة الحرمان من النوم بالخطر المتزايد للإصابة بالاكتئاب والسمنة المفرطة والسكري والنوبات القلبية والسكتة الدماغية، فضلا عن ارتباط هذا العامل بالأخطاء الطبية.

تجارب الحرمان من النوم:

النوم هو حالة طبيعية يقوم بها الانسان للاسترخاء، لكن ماذا يحدث عند النوم؟ هل نفقد الوعي او تتغير حالة الوعي ..يوجد العديد من الأسئلة التي تحير العقل من بين هذه الأسئلة ماذا إذا لم ينم الإنسان؟

سؤال محير! ماذا يحدث إذا لم ننم ونكسب ثلث حياتنا الذي تقضيه في النوم مستيقظين!؟

على مر التاريخ سأل بعض الاشخاص هذا السؤال و اجريت عدة تجارب للحرمان من النوم وكان الهدف من ذلك اكتشاف الى اي مدى يتأثر الإنسان بفقدان النوم، وحسب هذه التجارب ان البقاء مستيقظاً لوقت طويل لمدة ثلاثة أو اربعة ايام يؤدي الى نتائج مفزعة ومخيفة جداً، لذلك كان يتقدم الى هذه التجارب متطوعون متحمسون جداُ و يملكون شجاعة عالية المستوى لتحمل النتائج.

خلال الحرب العالمية الثانية في كامب اليوت في كاليفورنيا تطوع ما يزيد عن المائة شخص ليبقوا مستيقظين أكبر وقت ممكن.

السؤال.. ما الذي حدث للأشخاص المتطوعون في ذلك الوقت؟

بعد مرور 24 ساعة اي يوم كامل بدون نوم اصبح الجميع في حالة من الهياج.

بعد مرور 48 ساعة اي يومين كاملين بدأ عدد كبير منهم بالهلوسة.

طبعاً انسحب البعض ولم يستطيعون تحمل أكثر من ذلك وبقي عدد منهم مستيقظ لمدة 90 ساعة الى 100 ساعة حيث ظهرت لدى هؤلاء الاشخاص اعراض ذهانيه واضحة.

بعد مرور ما يقارب 15 عاما اجريت تجربة مشابهة في معهد والتريد لبحوث الجيش في واشنطن حيث تركز البحث في هذه التجربة حول أثر نقص النوم على مهارة الاداة في بعض الأعمال الميكانيكية كمراقبة لوحة التشغيل وضغط الأزرار عند ظهور تنبه معين.
أحد الأشخاص الذين اجريت عليهم هذه التجربة بقي ما يقارب 65 ساعة بدون نوم، من ثم رأى خيوط عنكبوت تتعلق بيديه ووجهه عندما كان يغتسل وكان يحاول أن يتخلص منهم.

كما قال واحد من بين كل خمسة اجريت عليهم التجربة انه شعر بعصابة تضغط على جبهته كأنها يدين قويتين تقوم بذلك وجميعهم حاولوا نزع الشيء الذي يقوم بهذا الضغط مع العلم ان الجميع لم يكن يضع قبعة أو اي شيء اخر.

بعد مرور 90 ساعة قال احدهم..

” انني اشعر بأنني لم اعد نفس الشخص، أشعر كأنني شخص أخر مختلف تماماً، اشعر بأنني غريب وظننت اني شخص اخر فسألت من حولي فقالوا لي بأنه انا“

طبعاً الكثير عانى مثل هذه التفكك في الشخصية عند الحرمان من النوم من بينهم الاشخاص الذين تعرضوا للاستجواب العنيف تحت تأثير نقص النوم.

مثال على ذلك.. بعض ضباط سلاح الطيران الأمريكي الذي عرضهم الكوريون الشماليون لغسيل الدماغ، في ذلك الوقت اضيئت زنازينهم لمدة 24 ساعة تعرضوا خللها للاستجواب في كل لحظة.

اعترف بعضهم بأنهم قاموا بأسقاط قنابل ميكروبية وشاركوا في الحرب الجرثومية ضد كوريا الشمالية، وقد فعلوا ذلك بعد أن وصلوا الى نقطة التفكك في الشخصية.

في عام 1959 ظهر شخص يدعى بيتر تريب وقال انه سيبقى مستيقظ لمدى مائتي ساعة قضى أول ثلاثة ايام يقوم بتشغيل الاسطوانات والإذاعة، وبدأ يضحك من أشياء لا تثير الضحك على الاطلاق ومن ثم يغضب من إهانات وهمية، ومن ثم بدأت الهلوسة.

فتخيل لباس احد الاطباء كأنه مصنوع من ديدان وكانت تحدث مثل هذه الهلوسات بشكل دوري منتظم مرة كل 90 دقيقة وكانت في قمة ذروتها تحدث بين منتصف اليل والثامنة صباحاً وهو الوقت المعتاد للأحلام، كما حدث له ايضاً تفكك في الشخصية فتخيل نفسه أنه يذيع من مبنى اخر في الجانب الاخر من المدينة، واعتقد ان 200 ساعة المحددة للاختبار قد انتهت لكن الاطباء المشرفين يخدعوه.

يقي بيتر مستيقظاً لمدة 201 ساعة و 13 دقيقة من ثم سقط نائماً، لكن قال احد الأطباء المشرفين على التجربة أن بيتر يعاني من مرض عقلي خطير، وتبين من خلال هذه التجربة..

ان الهلوسة في حالات الحرمان من النوم التي تحدث هي في حقيقة الأمر احلام تخترق مجال اليقظة وأن هلاوس بيتر كانت احلام لم يستطع السيطرة عليها فاخترقت مجال اليقظة.

تشير الدِّراسات إلى أنَ للحرمان من النوم نفس تأثير الإفراط في شرب الكحول:

وفقًا لدراسة جديدة، الحرمان من النوم لا يجعلنا نغفو على طاولة العمل بعد الظهيرة أو يصيبنا بالتَّوتر والقلق فحسب، بل يُضعِف الاتّصالات الحيوية بين الخلايا العصبية في الدماغ أيضًا.

يخبرنا الباحثون أنَّ هذا الضعف في شبكة إشارات الدماغ يمكن أن يؤدي إلى هفوات في الذاكرة ومشاكل في التَّركيز ما قد يُشَبَّه بطريقٍة ما بكونك ثملًا.

يريد الفريق الدولي الذي أجرى هذه الدراسة أن يرى مشكلة –الحرمان من النوم- تُؤخذ على محمل الجَّد، لما تلحقه من ضرر لأجسامنا لا سيّما عندما نكون خلف عجلة القيادة أو أثناء القيام بأعمالنا اليوميَّة.

يقول الباحث الرئيسي (إسحاق فرايد-Itzhak Fried) من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس (UCLA): «لقد اكتشفنا أنَّ الحرمان من النوم يُفْقِد الخلايا العصبية القدرة على العمل بالشَّكل الصحيح. وهذا يقود إلى هفوات معرفية في الفهم والتفاعل مع العالم من حولنا.»

من أجل هذه الدراسة، درس فرايد وزملاؤه 12 مريضًا يتهيؤون لإجراء جراحة للصَّرَع، ممّا يعني أنَّ أدمغتهم مزودة بأقطاب كهربائيَّة لمحاولة الكشف عن مواقع النوبات قبل العملية.

طُلِبَ من كل متطوع أن يصنِّف سلسلة من الصور بأقصى سرعةٍ ممكنة بينما يقيس الباحثون إطلاق الدفعات العصبية للخلايا داخل الدماغ. بالمجمل، تم تسجيل نشاط ما يقارب 1500 خلية دماغية لاثني عشر متطوعًا بالتركيز بشكل خاصّ على الخلايا العصبيّة بالفصّ الصدغي المُتَحَكِّم بالإدراك البصري والذاكرة البصريَّة. وجدت الدراسة أنَّ النعاس يُبطِئ الفعالية الاطلاقية ويفقدها قوّتها.

يقول أحدٌ من فريق يوفال نير من جامعة تل أبيب في إسرائيل: «لقد كنَّا مذهولين بمراقبة تأثير الحرمان من النوم وهو يُضعِف الخلايا الدماغيَّة.»

«بعكس رد الفعل الطبيعي المُعتاد، استجابت العصبونات ببطء وأطلقت دفعات ضعيفة واستغرق نقلها مدَّةً أطول من المُعتاد.»

أشارت الفحوص أيضًا إلى أنَّ قِلَّةُ النوم تترابط مع قدرة العصبون على ترجمة الأفكار المترابطة منطقيًا، بنفس الطريقة التي يستغرق فيها السَّائق المتعب لحظةً للاستجابة إلى خروج أحد المشاة إلى الطَّريق.

كما لُوحِظَ أنَّ الموجات المشابهة للنوم تُعطِّل أجزاءً من الدماغ، كما لو أنَّ هذه المناطق نائمة فتسبب هفوات في التركيز بينما المناطق الأخرى تعمل كالمعتاد.

من المهم الآن أن نلاحظ أنَّ حجم هذه العينة المكونة من 12 فردًا صغير جدًا. ويجب أن نتحفّظ عن استقراء هذه النتائج عبر نطاق أوسع للسكّان إلى حين الحصول على مزيد من البيانات.

بكل الأحوال، العلاقة بين الإرهاق وحوادث الطرق ليست بالحديثة. وحسب التقديرات، يوجد المئات من القتلى وآلاف الجرحى سنويًا في الولايات المتّحدة لوحدها بسبب غفوات السَّائقين خلف المقود وعدم قدرتهم على الاستجابة بالسرعة المطلوبة.

تعطينا هذه الدراسة تفاصيل أكثر عن كيفية تأثير الحرمان من النوم على الدماغ، على الأقل استطاع 12 شخصًا مصابًا بالصرع مساعدتنا في إنجاز هذه المهمّة.

أي شخص حرم نفسه -ولو لمرّة- من النوم لينجز عملًا ما، سيعرف ما قد يسببه هذا الحرمان من صعوبة في التركيز تؤدي لنوع من التشويش في الدماغ. على ما يبدو كل هذا بسبب تباطؤ الخلايا العصبية.

يقول الباحثون أنَّه في بعض الأحيان يصبح الشخص المُتعب خلف المقود كالثَّمل لأنَّ الذاكرة وصنع القرار ضعيفَان. لذلك ربما نحتاج إلى وضع القواعد نفسها للسائقين المتعبين والثَّملين.

يضيف فرايد: «للتعب الشديد نفس تأثير الإفراط في الشُّرب على الدماغ. ومع ذلك لا توجد معايير قانونيّة أو طبية لتحديد السائقين المرهقين على الطريق بنفس الطريقة التي يُستهدَف بها أولئك الثّملون.»

محاربة الاكتئاب بالحرمان من النوم:

يُعَد الأرق أحد الأعراض الشائعة لحالات الاكتئاب الشديد، غير أن الحرمان من النوم قد يمثل جزءًا من الحل بالنسبة للمرضى الذين يبحثون عن راحة سريعة.

“لا بد أنكِ تمزحين أيتها الطبيبة، فأنا بالكاد أستطيع إبقاء عينيَّ مفتوحتين، وأنتِ تريدينني أن أقضي الليل بطوله مستيقظة!”.
ارتسمت ابتسامة على وجهي وقلت لها: “نعم، بالضبط، بل وربما لليلتين أو ثلاث”.

بدأ الأمر بشكل بسيط للغاية؛ كانت جودي (وهو ليس الاسم الحقيقي للمريضة) تشعر بمزيد من التوتر والإجهاد نتيجة للمسؤوليات الملقاة على عاتقها؛ ما بين تلبية المطالب المتزايدة لوظيفتها عالية المخاطر في إدارة الأعمال ومسؤولية الاضطلاع بمزيد من الأعمال المنزلية عندما كان زوجها يضطر إلى السفر في رحلات عمل. ونظرًا لضيق الوقت، بدأت جودي تهمل بعض الطقوس المعتادة للعناية بالنفس: مثل تناول الطعام الصحي وممارسة التمرينات الرياضية والاسترخاء لبعض الوقت. لذا لم يكن من المستغرب أن تسوء حالتها المزاجية مع الوقت.

وسرعان ما تدهورت الأمور أكثر؛ فلم تعد جودي تستمتع بالأنشطة المعتادة التي كانت تمثل لها أبرز ما في أحداث حياتها اليومية، مثل الوقت الذي كانت تقضيه مع أطفالها لتقص عليهم الحكايات، والحديث في الهاتف مع والدتها، وقراءة الكتب. ورغم أن جودي كانت تشعر دائمًا بالإرهاق الشديد، فإنها لم تكن تستطيع الاستمتاع بليلة من النوم العميق، بل كانت تظل تتقلب في فراشها وهي لا تزال تشعر بالتعب، حتى في الأيام التي كان يغلبها النعاس حتى تتأخر عن ميعاد استيقاظها. وبدأ أداء جودي في العمل يتأثر، فبدأت تتغيب في بعض الأيام لأنها لم تكن تستطيع النهوض من الفراش.

تدرك جودي الآن أنه كان ينبغي التعرف على تلك الإشارات التحذيرية في وقت مبكر، فقد كانت أصيبت بالاكتئاب الشديد مرتين من قبل، الأولى عندما كانت لا تزال تدرس في الجامعة، والثانية في أواخر العشرينيات من عمرها بعد انتهاء إحدى علاقاتها العاطفية بالانفصال. والآن وبعد أن وصلت جودي إلى أواخر الثلاثينيات، كانت قد توقفت عن تعاطي مضادات الاكتئاب لسنوات طويلة. ولكنها وجدت نفسها تعود من جديد إلى تلك البقعة المظلمة، فهي بالكاد تأكل وغير قادرة على التركيز بما يكفي حتى لقراءة فقرة قصيرة.

وكانت أفكارها تدور حول نفس الذكريات الأليمة والمخاوف المزعجة، ومشاعر اليأس والإحساس بالذنب تسيطر عليها.

وعندما جاءت جودي لمقابلتي، أكدتُ لها الشكوك التي كانت تراودها: أنها قد تعرضت لانتكاسة وأصيبت بنوبة اكتئاب شديدة. ولحسن الحظ أن جودي لم يكن يراودها التفكير في إيذاء نفسها، ولأنها كانت تحظى بدعم ومساندة جيدة من أفراد عائلتها وأصدقائها لم تكن هناك حاجة لدخولها المستشفى. نصحتُ جودي بأن تبدأ في تعاطي أحد مضادات الاكتئاب على الفور، فوافقت على ذلك ولكنها أصيبت بخيبة أمل عندما علمت أن مفعول ذلك الدواء ربما يتأخر لفترة تتراوح بين أربعة إلى ستة أسابيع من بدء العلاج؛ فقد كانت قد قصرت في عملها بالفعل، وكان موسم الأعياد على وشك أن يبدأ، ولم تعد جودي ترغب في أن توقف حياتها بسبب الاكتئاب. فسألتني جودي في ألم: “أما من وسيلة أسرع تأثيرًا؟”.

أجبتها: “حسنًا، هناك استراتيجية واحدة يمكننا تجربتها. ما رأيك في أن تتنازلي عن النوم لبضع ليالٍ؟”.

ارتسمت الدهشة في أوضح صورها على وجه جودي وقالت: “لا بد أنكِ تمزحين أيتها الطبيبة، فأنا بالكاد أستطيع إبقاء عينيَّ مفتوحتين، وأنتِ تريدينني أن أقضي الليل بطوله مستيقظة!”.

ارتسمت ابتسامة على وجهي وقلت لها: “نعم، بالضبط، بل وربما لليلتين أو ثلاث”.

تتميز العلاجات المعتادة باستخدام مضادات الاكتئاب في أغلب الأحيان بفاعليتها في علاج الاكتئاب، ولكنها تستغرق بعض الوقت حتى يبدأ مفعولها. وفي السنوات الأخيرة، ركزت الأبحاث على محاولة التوصل إلى علاجات يمكنها تخفيف الأعراض في غضون أيام في مقابل العلاج الذي يستغرق أسابيع. ورغم أن الأمر قد يبدو معارضًا للمنطق، فثمة نهج قديم -وغالبًا ما يطويه النسيان- لتحسين الحالة المزاجية بسرعة، يتضمن الحرمان من النوم لفترة قصيرة.

وكما يوضح تحقيق نشرته دورية “كارانت سايكايتري ريبورتس”Current Psychiatry Reports في عام 2015، فإن العلاجات التي تعتمد على التحكم في النوم يمكنها أن تُسهم إسهامًا كبيرًا في تحسين أعراض الاكتئاب. ولكن هذا النوع من العلاج ليس مناسبًا للجميع -فلا يُنصَح على سبيل المثال باستخدامه مع المرضى من كبار السن والأشخاص المصابين بحالات التدهور الإدراكي- كذلك لا ينبغي للمرضى تجربته من دون استشارة الطبيب وإشرافه. غير أن هذا العلاج بإمكانه أن يجعل المريض يشعر بالراحة قبل أن يبدأ مفعول الأدوية في الظهور.

إن مشكلات النوم تعد من الأعراض الأساسية للاكتئاب؛ إذ تؤدي إلى تفاقم الشعور بالتعب وتزيد من أوجه الضعف الإدراكي، وهي أيضًا من الأعراض الرئيسية للاكتئاب، مما يجعل أداء المرء لمهام حياته اليومية أكثر صعوبة. يحاول المرضى في أغلب الأحيان التأقلم مع ذلك الوضع من خلال الحصول على بضع ساعات من النوم نهارًا، وهو الأمر الذي يزيد من صعوبة الخلود إلى النوم في الليل، ومن ثَم يغذي اختلال دورة النوم واضطرابها. وقد قادت تلك الملحوظات الكثير من الباحثين إلى التساؤل عن العلاقة بين النوم والحالة المزاجية، وكذلك عن ماهية المحددات البيولوجية التي تقف وراء تلك العلاقة.

جميع المخلوقات تحتاج إلى النوم، أو على الأقل تتبع إيقاعًا بيولوجيًّا يعتمد على دورة الضوء والظلام لكوكب الأرض. وفي الحيوانات، تقوم تجمعات من الخلايا العصبية بنشاط إيقاعي يُعتقد أنه يمثل أساس الساعة البيولوجية الداخلية، وهذه الساعة الرئيسية يمكن العثور عليها في النواة فوق التصالبية في الدماغ. فإذا تعرضت هذه المنطقة للضرر، تصبح الإيقاعات الجسدية اليومية غير منتظمة. كذلك أظهرت الأبحاث أيضًا أن التنظيم الجيني للإيقاعات البيولوجية يكون غير متوازن لدى الأشخاص الذين يعانون نوبات الاكتئاب الشديد.

تتأثر الدوائر الحساسة للإيقاعات البيولوجية اليومية بإشارات خارجية، أهمها ضوء الشمس. إذ تتلقى تلك الدوائر من العين المعلومات الخاصة بموعد ظهور ضوء الشمس ومدته؛ فتعمل مجموعة فرعية خاصة من الخلايا في شبكية العين -توجد تحديدًا في مؤخرة مقلة العين- على نقل تلك المعلومات، حتى لدى الأشخاص المصابين بفقد البصر.

وقد شعر الكثيرون منا بمدى قوة الاختلال الذي يصيب الإيقاعات البيولوجية عند السفر إلى منطقة زمنية أخرى. والاسم الشائع لعدم التوافق بين دورة الضوء والظلام البيئية ودورة المُنظِّمات العصبية البيولوجية لدينا بشكل عام هو “اضطراب الرحلات الجوية الطويلة”. (ويتعرض الإنسان لتلك التجربة ولكن بدرجة أقل مرتين في العام في أثناء الانتقال إلى التوقيت الصيفي).

قد يستغرق الأمر عدة أيام حتى تتمكن الدوائر العصبية من مواكبة الجدول الزمني الجديد لدورة الضوء والظلام، ولكن في تلك الأثناء تتعرض دورة النوم للاضطراب ولا يحدث توافق بين الشهية لتناول الطعام ومواعيد الوجبات، كما يمكن أن تتأثر الحالة الذهنية كذلك.

ويبقى السؤال: هل يمكن لضبط إيقاع هذه الدورات أن يعيد ضبط الحالة المزاجية، ومن ثَم يعالج الاضطرابات المزاجية؟ في الواقع، لقد كان معروفًا على مدار مئتي عام أن الحرمان من النوم يمكن أن يعالج الاكتئاب بشكل سريع. (في عام 1818 قدم الطبيب النفسي الألماني يوهان كريستيان أوجست هاينروث وصفًا لهذا الأسلوب العلاجي في كتابه الذي يحمل عنوان “كتاب اضطرابات الحياة النفسية” Textbook of Disturbances of Mental Life).

ومنذ ستينيات القرن العشرين، أظهرت دراسات إكلينيكية متعددة أن الحرمان من النوم ولو لليلة واحدة فقط يمكنه تخفيف الأعراض، كما سجلت ورقة بحثية نُشرت في عام 2015 حدوث تحسن سريع لدى نسبة تتراوح بين 50% و80% من الأشخاص المشاركين في التجربة.

من المُعتقد بصفة عامة أن النوم يُعَد من القوى المُساهِمة في استقرار الحالة المزاجية، وهو بالطبع أحد الأعراض الأولى التي يستهدفها الأطباء المعالجون، غالبًا عن طريق الأدوية، من أجل مساعدة المريض على الشعور بتحسن. بالإضافة إلى ذلك، أظهرت الدراسات أن الحرمان من النوم يؤثر على نشاط النواقل العصبية عبر شتى أنحاء الدماغ، بالضبط مثل مفعول بعض الأدوية.

في عام 2015، اكتشف علماء من المركز الطبي بجامعة فرايبورج في ألمانيا، وجامعة بون في ألمانيا، وجامعة نابولي فيدريكو الثاني في إيطاليا، ومعاهد الصحة الوطنية الأمريكية، أن تأثيرات الحرمان من النوم ومضادات الاكتئاب ثلاثية الحلقات وعقار الكيتامين على الحالة المزاجية ربما تركز جميعها على نفس الهدف الجزيئي، وهو مُستَقبِل يقع في الفصوص الجبهية للدماغ والذي ربما يؤثر نشاطه في نهاية الأمر على الروابط الدماغية ذات الصلة بضبط الحالة المزاجية.

ولكن لسوء الحظ، فإن التقدم الذي يحققه العلاج بالحرمان من النوم بمفرده ليس طويل الأمد، فعادةً ما تعود أعراض الاكتئاب في غضون أسبوع واحد، وهو ما يترك فترة تتراوح بين 4 أسابيع إلى 6 قبل أن يبدأ مفعول مضادات الاكتئاب في العمل.

وعلى أية حال، ربما تكون هناك وسيلة للحفاظ على فوائد هذا العلاج باستخدام مقياس الإيقاع البيولوجي اليومي المطلق، ألا وهو ضوء الشمس. في واحدة من أولى الدراسات التي جمعت بين العلاج بالنوم والعلاج بالضوء كامل الطيف، طلب الأطباء النفسيون بجامعة فيينا من عشرين مريضًا -لديهم أعراض الاكتئاب، وكانوا قد تعرضوا للحرمان من النوم- تعاطي العلاجات المضادة للاكتئاب بالتزامن مع التعرض إما للضوء الخافت أو للضوء الساطع. وقد أظهرت النتائج التي نُشرت في عام 1996 أن المرضى الذين استجابوا على نحو جيد للحرمان من النوم أسهم تلقيهم لجرعة يومية من الضوء الساطع في الحفاظ على الأثر المضاد للاكتئاب لفترة النوم المحدود طوال مدة التجربة التي استمرت سبعة أيام.

في الوقت الراهن أبحث مع زملائي في مدى إمكانية الحفاظ على ذلك التقدم الذي أحرزه العلاج لمدة أطول. لذا عُرضت على جودي فرصة المشاركة في دراسة جديدة “للعلاج بقلة النوم” والتي تجمع بين الحرمان من النوم والنوم المحدد بوقت (بمعنى اتباع جدول زمني يتم فيه تغيير وقت النوم على مدار عدة أيام) والعلاج بالضوء. وقد كانت جودي مترددة في البداية ولكنها تذكرت أنها بالفعل لا تنال قسطًا كافيًا من النوم، ومن ثَم فلم يكن لديها ما تخسره.

لكي تتجنب جودي الإصابة بالإرهاق في مكان عملها، بدأت العلاج في عطلة نهاية الأسبوع، والتزمت بجدول زمني صممناه خصيصًا ليتناسب معها وخاضت فترة من الاستيقاظ الممتد “طوال الليل”. وبعد هذه المرحلة بدأت جودي تتبع روتينًا محددًا يتضمن مواعيد معينة للنوم والاستيقاظ من أجل تغيير دورة النوم الخاصة بها. كذلك كانت جودي تجلس أمام صندوق ينبعث منه ضوء كامل الطيف وقت الإفطار كل صباح.

عندما قابلت جودي في الأسبوع التالي أخبرتني أنه رغم أن قضاء الليل بطوله مستيقظة كان أمرًا شاقًّا، فقد لَحَظت تحسنًا جوهريًّا في أعراض الاكتئاب، بل إنها لم تعد تشعر بالاكتئاب وأصبحت قادرة على العودة إلى العمل، كما أنها كانت أكثر نجاحًا في التعامل مع ضغوط الحياة اليومية. استمرت الجلسات العلاجية، وفي غضون بضعة أسابيع، وبمساعدة بعض الأدوية والعلاج بقلة النوم والعلاج النفسي، عادت جودي إلى طبيعتها مجددًا، وفي الوقت المناسب للاحتفال بموسم الأعياد.

إعداد: جمال علي

المصادر: 12