نصائح لتعلم لغة جديدة والفائدة ورائها وهل هناك سن ملائم لتعلم لغة ما؟

إنه لسؤال معقد يحتاج منا الوقوف ملياً للإجابة عنه، فالمفردات تشكل قاعدة تعلم لغة ما كيفما كانت، وإتقان أو تحسين المستوى اللغوي يتطلب معرفة أكبر قدر منها… باعتبارها أداة التواصل المباشرة المستعملة في تطبيق اللغة، تحدثها، كتابتها أو الاستماع إليها… وأهميتها تتجلى في إزالتها لكل لَبْس قد يعتل الجملة ومساعدتها في الفهم الصريح لهذه الأخيرة، بحيث يتمكن المرء من استعمالها أو استقبالها، الأمر الذي يقودنا إلى طرح تساؤل آخر، وهو عن كيفية احتساب عدد المفردات، باعتباره عملاً يحتاج الكثير من الوقتِ والجهدِ، سواء أكان ذهنياً أو عمليا.

لهذا، ما ينبغي إدراكه والإيمان به جيداً، أنه يجب علينا تعلم المزيد من الكلمات، واكتشاف الكثير والكثير من المفردات…

كم عدد الكلمات في اللغة؟

اللغات باختلافها تحتوي على مجموعة كبيرة من الكلمات والمفردات تتعدى المائة ألفٍ، كالإنجليزية بحوالي 600.000 كلمة والفرنسية بـ 150.000 كلمة – استناداً لأكبر معاجم اللغتين – وقد تتعدى العشر ملايين كاللغة العربية التي بلغ عدد كلماتها 12.302.912 كلمة حسب إحصاء قد نشر في يومها العالمي… والأعداد في تزايد مستمر نظراً لما قد يستجد من مصطلحات خصوصاً التقنية والعلمية منها.

هذا الكم الهائل والعدد الكبير من المفردات يجعلنا نقف حيارى لنردد السؤال…

كم عدد الكلمات اللازم معرفتها لإتقان لغة ما؟

إجابةً على هذا السؤال، يمكن تقسيم عدد الكلمات إلى خمسِ مراحل أساسية، وهي:

المبتدئ العملي: والذي يحتاج تعلم 250 إلى 500 كلمة فقط، وهذا ما يتم غالباً في الأسبوع أو الأسبوعين الأولين من بداية تعلم لغة ما… بحيث يحاول الفرد اكتساب المفردات الأساسية، كأيام الأسبوع، الأرقام، الأشهر، أسماء الفواكه… وبعض العبارات المستعملة كصباح الخير، كيف حالك، شكرًا… إلخ. في أغلب لغات العالم، تعلم 500 كلمة كفيل بمساعدتك في حال زيارة البلد المتحدث بها أو الوقوع في حالات يومية تتطلب استعمالها للإجابة.

المتحدث: والذي يتطلب 1000 إلى 3000 كلمة، بحيث أن تعلم 1000 كلمة كأقل تقدير، كفيل بجعلك تبدأ أي حديث أو حوار مع الآخر، بما في ذلك من سؤاله عن أحواله، إخباره بتفاصيل يومك وغيرها من الأوضاع الحياتية كالقيام بالتسوق أو السفر أو دخول بنك… إلخ.

المتقدم: من 4000 إلى 10.000 كلمة تقريباً. إنّ الوصول إلى هذا المستوى يضمن لك الخوض في أي حوار والتعمق في طرحه أو نقاشه بكل أريحية، سواء ارتبط بالمستجدات، بمجالك الدراسي، أو بمناسبات وغيرها… فرصيدك المعرفي من المصطلحات يمكنك من الحديث والتعبير دونما أي تفكير أو بحث عما يناسب من كلمات.

الفصيح: وهو من زاد رصيد مصطلحاته عن 10.000 كلمة، وهو أقرب منه إلى المتحدث الأصلي، بحيث يمكنه الحديث في أي شيء تفصيلاً وإن لم يرتبط بمجال أقرب إليه… فرصيده كفيل بأن يشارك رأيه في كل المجالات وأن يفهم أيضاً اللهجة العامية المرتبطة بتلك اللغة انطلاقاً من السياق.

الأصلي: من 10.000 إلى 30.000 فأكثر… وهذا يختلف باختلاف اللغات، فانطلاقاً من الفقرة السابقة يمكن القول بأن هذا العدد مهم بالنسبة للغة الانجليزية لكنه ضئيلٌ لو أسقطناه على اللغة العربية… لهذا، فعدد الكلمات يبقى نسبياً، والمتحدث الأصلي هو الذي يفهم ويتحدث بطلاقة وبعفوية لغة ما دون أي جهد فكري، وأيضاً يفهم ويستخدم اللغة العامية المرتبطة بها بسهولة.

نصائح مهمة لتعلم مفردات اللغة:

اختيار الكلمات:

لا تجعل الكم هدفك فقط، فالمصطلح ما استعمل وليس ما ركن في رفوف الذاكرة، لهذا… ركز على تعلم المصطلحات التي ستستعملها في حديثك وكتاباتك… فمجرد تكرار استخدامها سيساعد عقلك على تخزينها وتذكرها دون مجهود.

خطة البضع كلمات: اسع أن تحفظ يومياً بضع كلمات… وأفضل وسيلة لذلك أن تشكلها جملاً… فمثلاً: حاول تكوين جملة من 5 أو 7 مصطلحات جديدة وحاول حفظها… فهذا سيساعدك أولا، على فهم معناها جيداً، وأيضا على تذكرها أفضل من أن تحفظ كل كلمة على حدة.

لاحظ أنك إن حفظت 5 كلمات يومياً فقط فستنهي السنة برصيد 1825 كلمة، بما يجعلك في مستوى المتحدث بها…

الاشتقاق: كلما حفظت كلمة ما، حاول أن تجد لها مشتقات، وأن تشكل نفس الجملة بهذه المشتقات… فهذا أيضا سيسهل عملية تذكرها، وأيضا سيضاعف العدد!

مثالاً، نقول:

Elle encourage son amie

إنها تشجع صديقتها

Son amie est courageuse

صديقتها شجاعة

Elle doit avoir du courage

يجب أن تتحلى بالشجاعة

هنا نجد تواليا الفعل، الصفة ثم الاسم – Encourager, Courageux, Courage

قانون باريتو 20–80:

وهو قانون نستخدمه في الاقتصاد، باختصار، يعتمد مبدأه على أن 80% من النتائج ترتبط ب 20% من الأسباب… إسقاطاً لهذا القانون على ما نحن بصدد معرفته، فالقليل من الكلمات تشكل الكثير من الجمل، لهذا نوع في استخدام المصطلحات التي تحفظها، وحاول أن تشكل بها جملاً مختلفة كثيرة.

فكر وحاور نفسك: هي نصيحة عملية أستخدمها شخصياً، فإن أردت تطوير مهاراتك في لغة ما، ففكر بهذه اللغة، ووحد تفكيرك مع كتاباتك أو أقوالك، أي إن كنت تريد كتابة مقال بالانجليزية فلا تفكر بالعربية وإن كانت لغتك الأم، بل مرن نفسك على التفكير باللغة الأجنبية… فهذا سيساعدك على تطبيق اللغة بينك وبين نفسك، ومعرفة – بطريقة غير مباشرة – ما ينقصك من المصطلحات ثم اكتسابها.

مرن عقلك: هل حدث في المدرسة أن حفظت لائحة مصطلحات لغة أجنبية ونسيتها بمرور الامتحان وانتهائه؟ أظن الإجابة نعم، والأمر راجع لاستخدام الذاكرة لمدة قصيرة، وإنّ تكرار الأمر سيرهق العقل ويذهبه القدرة على الاحتفاظ بالمعلومات، لهذا مرن عقلك على الاكتساب طويل المدى، وذلك عبر المراجعة المستمرة والتركيز أثناء التلقي.

قوة الصور: إنّ الطفل ومع بداية إدراكه لما حوله، يبدأ في السؤال عن كل الأشياء المحيطة به وطلب أسمائها واستعمالاتها، فللصورة قدرة عجيبة على الذاكرة، إذ ثبت علمياً أن هذه الأخيرة تحتفظ بالصورة أكثر من الكلمة، لهذا نلاحظ استخدام تقنية التعلم البصري بالنسبة للأطفال، إذاً لما لا تستخدمها أيضا للتعلم؟ فأنت كالطفل المستكشف بالنسبة للغة الأجنبية التي تود إتقانها.

رجاءً استخدم أذنيك!: إنّ السمع حاسة أصبحت محط اهتمام متخصصي اللغات واللسانيات… فهي وسيلة لا يجب إهمالها في التعلم والتلقين، إذ تساعدك على إتقان مخارج الحروف ونطق الكلمات، كما أنها تخاطب اللاوعي والذاكرة بطريقة قد لا تدركها أنت شخصياً، جرب مثلًا أن تشاهد فيلماً باللغة الأجنبية – مع ترجمة مصاحبة – أفضل من أن تشاهد نفس الفيلم بلغتك الأم، ستلاحظ مع مرور الوقت معرفتك بمعاني جمل واستخدامات لم تكن قد درستها يوماً.

إنّ إرادة التعلم والعزيمة القوية هي السلاح الذي يجب أن ترتكز عليه لتعلم لغة ما، وإنّ الأمر ليس بالصعب ولا بالمرهق، خصوصاً إن كنت تريد تعلمها دون أي سبب أكاديمي أو إلزامي… فالوقت أمامك وإن اقتصر على ربع ساعة من التركيز لحفظ بضع كلمات كما أوضحنا في النصائح، وكما أقول دائماً: فقط تنفس بعميقٍ وأقدم.

7 نصائح لتعلم اللغات الأجنبية يقدمها لك رجل يتحدث 9 لغات:

أغلب هذه النصائح يقدمها لك ماثيو يولدن وغيره من أشهر محبي اللغات في العالم، بعضها قمنا بجمعها لك من تجارب محبي اللغات الآخرين، لمن لا يعرف فماثيو هو أحد أشهر محبي اللغات “Polyglots” في العالم والذي يجيد التحدث بـ9 لغات إجادة تامة إضافة إلى عدة لغات أخرى يمكنه فهمها بشكل جيد، ينقلها عنه زميله جون إريك جوردن الذي يقول: “كنت أراه يتنقل في حديثه بين اللغات تمامًا كما تغير الحرباء لونها، بينما أجدني أعاني لمجرد تعلم لغة واحدة ثانية”، يومًا ما قال لي، إذا كنت لا تصدق أنه بإمكانك أن تتعلم لغة ثانية فيجدر بك الانتباه لهذه النصائح.

1- اعرف لماذا تفعلها

إذا لم يكن لديك سبب واضح لتعلم لغة ما فأنت أقل عرضة لاستكمال رحلة التعلم لأنك ببساطة تفقد دوافعك وهي وحدها ما يحركك، كلما كانت الدوافع أقوى كلما كانت فرص التعلم أقوى كذلك، أيًا كانت دوافعك: السفر، التعلم، التعرف إلى أصدقاء جدد، التعرف إلى ثقافات جديدة، فينبغي أن تكون قوية بما يكفي أنك حين تقرر أنك ستتعلم لغة ما فإنك حتمًا سوف تتعلمها.

حسنا، أنا أريد تعلم هذه اللغة، لذا فسوف أبذل قصارى جهدي في هذه اللغة ومع هذه اللغة ومن أجل هذه اللغة.

2- اجعل اللغة جزءًا من حياتك

كيف تمضي قدمًا في التعلم؟ هل هناك طريقة ما مفضلة؟ بالنسبة لماثيو لا يهم كثيرًا ما هي الأدوات التي تستخدمها في التعلم، المهم أن تكون متشددًا، اللغة تحتاج منك إلى الممارسة في كل يوم.

أنا أميل إلى استيعاب أكبر قدر ممكن من البداية، حينما أتعلم لغة جديدة فإني أميل إلى استخدامها على مدار اليوم، محاولة التفكير بها، التحدث من خلالها ولو مع النفس، كتابة رسائل البريد الإلكتروني، الاستماع إلى الموسيقى والراديو، محاولة غمس نفسك في ثقافة اللغة أمر مهم جدًا لتعلم أية لغة جديدة، هكذا يقول ماثيو.

3- ابحث عن شريك

يخبرنا ماثيو أنه تعلم العديد من اللغات بصحبة أخيه التوأم “مايكل”، يؤكد ماثيو أنهما قاما بتعلم أولى اللغات الأجنبية “اليونانية” معًا في عمر الثامنة، اكتسب كل من ماثيو ومايكل العديد من المهارات من خلال هذا الجو من التعاون والتنافس الصحي.

“كنا متحمسين جدًا ولا زلنا، ندفع بعضنا البعض نحو تحقيق الهدف، عندما كان يلاحظ أنني أتعلم بشكل أفضل منه كان يضاعف مجهوده من أجل أن يتفوق عليّ، بالنسبة لي كنت أفعل الشيء نفسه”.

حتى لو لم يكن لك أخ توأم لتخوض معه هذه المغامرة المثيرة في تعلم اللغات، يحسن بك البحث عن رفيق يدفع كل منكما الآخر للتغلب على الصعوبات، الأمر ليس كذلك فقط، فوجود شخص يشاركك مغامرة التعلم يعني وجود شخص يمكنك التحدث إليه والسماع منه دومًا وهو الأمر الأكثر أهمية في تعلم أية لغة.

4- اقض وقتًا ممتعًا مع لغتك الجديدة

كان ماثيو يحاول كتابة وتلحين الأغاني باللغة اليونانية، يمكنك الاستماع إلى الموسيقى أو مشاهدة الأفلام أو حتى ممارسة بعض الألعاب من خلال اللغة التي تتعلمها، هذه الأمور تكسر من حدة التعلم وتساهم في إدخال اللغة إلى حياتك بشكل أكبر.

5- حاول أن تتصرف كطفل صغير

لا يعني هنا ماثيو بالضبط أن تتصرف كطفل في طريقة أكلك أو ملبسك أو حتى تعاملك، ولكن أن تستدعي نمطًا أكثر طفولية عند التعلم، وأكثر ما يميز الأطفال هو أنهم لايخشون من الخطأ بشكل كبير، فهم يمارسون الخطأ والتصويب بشكل يومي ودون حرج يذكر، عندما يكبر الناس تصبح خشيتهم من الخطأ أكبر، ويسيطر عليهم الخوف من الوقوع في الإحراج، ينبغي أن تتخلص من هذه المشاعر وتكون أكثر جرأة في التعلم ولا تخشى من الوقوع في الأخطاء وانظر إلى الأجانب الذين يتحدثون لغتك الأم بشكل ركيك وكيف لا يخشون الوقوع في الخطأ.

6- لا تحفظ الكلمات

ربما تكون هذه هي الطريقة التقليدية التي تعودنا عليها في تعلم اللغات الأجنبية لسنين طويلة، ونتيجتها واضحة، تقضي السنين في تعلم اللغة دون أن تشعر بتقدم ملحوظ، في حين يتقن آخرون لغة كاملة ربما في عدة شهور، ببساطة لأن الحديث يتكون من الجمل المفهومة “القادرة على توصيل المعنى” وليس الكلمات، فلا معنى للكلمات إذا لم تكن قادرًا على توظيفها في جمل للتعبير عن ذاتك.

عليك إذًا بالتركيز على تعلم جمل وتراكيب كاملة، فوفقًا للدكتور جيمس أوشر فإن من يدرسون الجمل يتعلمون الإنجليزية أسرع بأربع مرات، كما أن من يدرسون الجمل سيكون بإمكانهم إجادة القواعد بشكل أفضل.

7-استمع أولًا

تلك هي القاعدة الأهم في تعلم أية لغة والتي ينصح بها جميع محبي اللغات، الاستماع هو مفتاح تعلم أية لغة جديدة وأيضًا هو الخطوة الأولى، تذكر جيدًا أنك تعلمت لغتك الأم وأصبحت قادرًا على التعبير وفهم الآخرين ربما قبل أن تتعلم طريقة رسم الحروف أو الكلمات البدائية، اللغة هي نمط تعبير اجتماعي ينمو بالاستماع والممارسة، حاول أن تعي هذه الحقيقة جيدًا، وتذكر جيدًا أن أغلب متعلمي اللغات يضعون سماعات الأذن أثناء سيرهم في الشوارع والمواصلات العامة.

علمياً: هل هناك سنٌ مثالي لتعلم لغة ثانية؟

تشير أبحاثٌ جديدة إلى أن القدرة على تعلم لغة جديدة تتقلص تدريجياً مع التقدم في العمر.

فإذا كنت ترغب في تعلم لغةٍ أجنبية، هل يجب أن تبدأ قبل سنٍ معينة لإتقانها؟ يعتقد الكثيرون أن الأطفال الصغار يجدون الأمر أسهل من البالغين لأن الطفولة هي “الفترة الحاسمة” لتعلم اللغة.

وقد واجه العلماء صعوبات في تلك النظرية، إلا أن الأبحاث الجديدة التي نشرتها الباحثة مونيكا شميدت في صحيفة The Independent البريطانية، تشير في الواقع إلى أن قدرتنا على تعلم لغة جديدة تتقلص تدريجياً مع التقدم في السن.

ولا تعد المعزوفة القديمة بأن الأطفال المنغمسين في تعلم لغة “يمتصونها مثل الإسفنج”، في حين أن البالغين لا يفعلون ذلك، دليلاً على وجود فترة حاسمة لتعلم اللغة.

وثمة أسباب كثيرة تبرر سهولة تعلم الأطفال للغة جديدة، إذ يمكنهم أن يقضوا المزيد من الوقت ويبذلوا المزيد من الجهد في التعلم أكثر من البالغين الذين لديهم العديد من المشاغل؛ كما أن الحافز لدى الأطفال للانسجام هو أكبر بكثير، وعادات النطق والقواعد في لغتهم الأم أقل تأصلاً، وبالتالي يسهل التغلب عليها. وبطبيعة الحال، يزداد التعلم صعوبةً مع التقدم في السن.

بالإضافة إلى هذه الميزة للصغار، فإن هناك فارقاً نوعياً ملحوظاً: فحتى متعلمي اللغة الكبار الجيدين جداً يختلفون عن الأصغر سناً عندما يتعلق الأمر باستخدام قواعد اللغة بشكل صحيح ومنهجي.

ففي كل مرة كانت شميدت تصحح نصوص طلابها الكبار – ومعظمهم من خلفيات غير ناطقة بالإنكليزية -، “كنت أجد أنهم غالباً ما يرتبكون ببعض القواعد النحوية البسيطة، رغم مهارتهم المدهشة في استخدام مجموعة واسعة من المفردات والأسلوب المناسب والقواعد المعقدة”.

وبحسب شميدت، فلا يتقن العديد من المتعلمين الكبار أبداً التمييز بين “he walks” و”they walk”. كما أنهم غالباً ما يفشلون في إدراك أن القول “I have lived in Colchester for two years” يعني أنني لا أزال أعيش هناك، في حين أن القول “I lived in Colchester for two years” يعني أنني لم أعد أعيش هناك.

لماذا يبدو إتقان قواعد بسيطة ومتكررة مستحيلاً؟ في حين يتم استيعاب كلمات لا نصادفها سوى بضع مرات بسهولة؟

ويبدو أن هناك بعض “خبايا” القواعد التي يفشل الكبار باستخدامها بشكل صحيح، في حين أن الأطفال يتقنونها في وقت مبكر، وبكل سهولة.

هذه الملاحظة هي في صميم فكرة “الفترة الحاسمة”، والمتمثلة في وجود إطار زمني محدود – يستمر عادةً حتى سن البلوغ -، ويكون الدماغ البشري خلالها حساس للمدخلات اللغوية، بما في ذلك قواعد اللغة. وبعد أن ينتهي هذا الإطار الزمني، من المفترض أن تدرس القواعد النحوية على نحو واضح ويصبح من الصعب استيعابها.

طريقة الدراسة الحديثة:

تقول شميدت إن الدراسة الأخيرة، استخدمت أسلوباً جديداً نسبياً في التحليل، يطلق عليه “النمذجة المضافة المعممة”، وهو أسلوب فعال في تقييم نتيجة تعلم اللغة عبر الفئة العمرية بدقة، مع مراعاة عوامل أخرى، مثل مقدار الوقت الذي يقضيه المتعلم في استخدام اللغة.

قام الباحثون بتحليل نشاط الدماغ، مُقاساً بواسطة إشارة الرسم الكهربائي للدماغ (EEG)، لـ 29 من الناطقين الأصليين بالألمانية و66 من متعلمي اللغة الثانية عندما سمعوا جملاً ألمانية صحيحة تحتوي على خطأ توافقٍ قواعدي.

ففي تركيبات أداة الاسم (مثل “الحديقة the garden” أو “المنزل the house”) تتطلب الألمانية أداة تناسب جنس الاسم، بحيث يأخذ الاسم المذكر (Garten) أداة المذكر (der)، في حين يتطلب الاسم المحايد (Haus) أداة المحايد (das).

أظهر الناطقون الأصليون بالألمانية استجابة ًدماغيةً قويةً للأخطاء، لدى سماع تناقضات مثل das Garten أوder Haus، وهو أمر نموذجي لكشف الأخطاء القواعدية. لم يكن لدى متعلمي اللغة الثانية الـ 66 في كثير من الأحيان أي رد على الإطلاق، أو ظهر أنهم يتعاملون مع الأمر وكأنه خطأ في اختيار الكلمات، وليس في القواعد.

كان هذا هو الحال بصفة خاصة بالنسبة لأولئك الذين قد تعلموا اللغة في وقت لاحق من حياتهم. بيد أن التغيير كان تدريجياً عبر الفئة العمرية بأكملها، ما يشير إلى عدم وجود “فترة حاسمة” للبدء بالتعلم.
ما مدى أهمية سن البلوغ؟

كان للدراسة بعض العوامل المقيدة، التي تُبرز مدى الحاجة إلى المزيد من الأبحاث. فأولاً، كل المتعلمين الذين تم اختبارهم يتحدثون إما البولندية أو الروسية لغةً أولى، وكلا هاتين اللغتين، مثل الألمانية، تحتويان تمييزاً جنسياً في القواعد.

وقد مكنهم تعلم قواعد لغتهم الأولى من الاستخدام الصحيح لها في اللغة الثانية.

ثانياً، كانت أعمار صغار المتعلمين الذين تم إدراجهم تبلغ 7 سنوات عندما جاؤوا إلى ألمانيا. ففي حين أن النظرة التقليدية للفترة الحاسمة هي أنها تنتهي عند سن البلوغ تقريباً، تشير بعض الدراسات الحديثة إلى أن العمر قد يكون لا يتجاوز الـ 5.

لذلك، فمن الممكن أن تكون الدراسة فشلت في كشف الفترة الحاسمة، كون أصغر المشاركين فيها كان قد تجاوزها بالفعل عندما بدأ تعلم اللغة الألمانية.

لذلك نحتاج إلى مزيد من الدلائل، وكذلك استخدام الأساليب الإحصائية الجديدة، للإجابة على سؤال ما إذا كان هناك فترة حاسمة لتعلم لغة ثانية.

حديث لطيف: كيف تشكل اللغة دماغك وشخصيتك؟

لا تؤثر اللغة التي تتكلمها على تركيبة دماغك فحسب، بل وتؤثر أيضاً على الطريقة التي ترى بها العالم. وبالنسبة لأدمغة أولئك الذين يتحدثون لغتين فأكثر، نود أن نسأل:

هل تعلم لغة جديدة يعيد تشكيل أدمغتنا؟

مع تطور الإنسان، توسعت أجزاء من الدماغ ممّا أنتج قوة معالجة أكبر للغات. إن هذه الخاصية هي ما تجعلنا نتواصل بهذه الكفاءة. ولكن ما يثير الإعجاب أكثر هو الكيفية التي تستطيع بها اللغة أن تشكل أدمغتنا من خلال حياتنا.

معظم الأدلة التي تسند هذا الكلام استُخلصت من دراسات على أشخاص يتحدثون بأكثر من لغة واحدة. حيث أظهرت دراسات مسح دماغي أن الانتقال بين لغتين (code-switching) يحفز أنماطاً مختلفة من النشاط الدماغي في قشرة الفص الجبهي مقارنة مع أولئك الذين يتكلمون لغة واحدة فقط. تلك المنطقة من الدماغ، والتي توجد في الجزء الأمامي من الجمجمة، تلعب دوراً في تنظيم المعلومات والتعامل معها، بما في ذلك استخدام الذاكرة الفاعلة، والمنطق والتخطيط. هذا وقد أظهرت دراسات أخرى أن اللذين يتكلمون لغتين لديهم القدرة على تعلّم لغة جديدة بشكل أسرع من الذين يتكلمون لغة واحدة.

يقول عالم اللغة آرتورو هيرناندِز، رئيس معمل الأسس العصبية لتعدد اللغات بجامعة هيوستن في تكساس، أن هذه الاختلافات قد تعكس اختلافات في بنية أدمغة ثنائيي اللغة. بتعبير آخر، تعلم لغة ثانية قد تغير الطريقة التي يعمل بها الدماغ، فبحسب هيرناندز “إنه من المنطقي أن ترى نوعاً من التأثير الثابت على دماغك، إذا كنت تمر بهذه التجربة اللغوية (تعلم لغة ثانية)”.

إجادة اكثر من لغة قد تجعل الدماغ اكثر مقاومة. وفي هذا الصدد، وجدت الباحثة إيلين بياليستوك من جامعة يورك في تورونتو، كندا أن اولئك الذين يجيدون لغتين منذ الصغر يتم تشخيصهم بالخرف بمتوسط 4.5 سنة بعد أقرانهم الذين يتحدثون لغة واحدة، وقد وجدت أيضاً أن لديهم مادة بيضاء أكثر في أدمغتهم، بما في ذلك بالجبهة الفصية الأمامية. المادة البيضاء مكوّنة من ألياف عصبية والتي تربط جهات العقل المختلفة، ناقلة المعلومات بينهم. ولذلك، فإن سقل المهارات اللغوية كما يبدو يبني أدمغة متصلة بشكل أفضل – ولكن، تنوّه الباحثة بياليستوك أن هذه الموضوع يحتاج مزيداً من البحث والتأكيد.

وهناك أدلة أخرى تدعم وجود فوائد تعلم لغة ثانية وهي خلاصة دراسة أُجريت العام الماضي على 608 شخص كانوا قدا عانوا من سكتة دماغية. حيث وجد ثوماس باك من جامعة إدنبرا في المملكة المتحدة أنه من بين المشاركين في الدراسة من الذين يجيدون اكثر من لغة، 40% منهم استعادوا صحتهم بشكل كامل، في مقابل 20% فقط من الذين يجيدون لغة واحدة. ويرجّح باك أن الرياضة الذهنية المتضمنة في تحدث لغات عدة قد يبني روابط إضافية تُحسّن الوظائف الدماغية وتساعد على التأقلم مع الضرر. يقول باك أن “الفكرة هي أنه إذا ما قمت بالكثير من التمارين العقلية، دماغك سيكون مُدرّباً وبإمكانه التعويض بشكل أفضل.”

هل بإمكان اللغة أن تؤثر على طريقتنا في رؤية العالم؟

الزمن يتحرك من الخلف إلى الأمام بالنسبة للمتحدثين باللغة الانجليزية، فهناك تعبير ترجمته الحرفية هي “نحن نلقي بعقولنا إلى الخلف” “we cast our minds back” أي ننظر إلي الماضي تحديداً إلى حقبة التسعينيات، “ونتأمل الأوقات الطيّبة أمامنا” “hope for good times ahead” أي نحلم بالأفضل في المستقبل. هذه الطريقة في التعبير هي مثال على مفاهيم ثقافية مُضمّنة في اللغة. ولكن هل تستطيع اللغة أن تؤثر بدورها في الكيفية التي نفكر بها؟

من الطرائف أن ماريا سيرا – متحدثة أصلية باللغة الإسبانية – كبرت معتقدة أن كل السناجب إناث وذلك راجع إلى أن كلمة سنجاب بالإسبانية (ardilla) مؤنثة. وبما أنها تخصصت في علم اللغويات فقد وجدت أساساً علمياً لذلك المعتقد في صغرها. حيث أن هناك دراسات تم إجراءها على متحدثين باللغة الفرنسية والإسبانية – هذه اللغات تلحق صفتي التذكير والتأنيث على غير البشر – بيّنت أن هؤلاء المتحدثين يربطون الجماد بصفات تذكير وتأنيث.

فكرة أن اللغة التي تتحدث بها قد تؤثر على الطريقة التي تفكر فيها ترجع إلى عام 1940 حين قام عالم اللغة بنجامن لي وورف باقتراح فكرة أن الاشخاص الذين تفتقر لغتهم إلى إسناد كلمة إلى فكرة ما لا يستطيعون أن يفهموا تلك الفكرة. وقد انحدر الاهتمام العلمي بهذه الفكرة بالتحديد في العام 2000، عندما بدأ بعض الباحثين في التساؤل حول فكرة مقاربة ولكن أكثر دقة، وهي: “أن اللغة لها تأثير على الإدراك.”

فعلى سبيل المثال، اللغة اليونانية لديها كلمتان لللون الأزرق وهي (غالازيوghalazio) للون الأرق الهادئ، و(بلي ble) للأزرق الغامق. وقد وجدت دراسة أن المتحدثين باللغة اليونانية بإمكانهم التمييز بين درجات اللون الأزرق بشكل أسرع وأفضل من المتحدثين باللغة الإنجليزية.

بل وقد تؤثر اللغة أيضاً على طريقة إدراكنا للزمان والمكان. فبعض الأشخاص، كأولئك من قبيلة Guugu Yimithirr الأسترالية، لا يملكون كلمات للتعبير عن المكان بشكل نسبي كتعبيرنا عن اليمين واليسار، ولكن عوضاً عن ذلك، لديهم كلمات للتعبير عن الاتجاهات: الشمال، والجنوب، والشرق والغرب. ووجدت دراسات أن أفراد هذه القبيلة جيدون بشكل غير اعتيادي في إيجاد طريقهم في أماكن غير مألوفة لهم. وهناك بعض الأدلة التي تشير إلى أن الاتجاه الذي تكتب فيه بلغتك الأصلية يؤثر على حصك بالزمان، حيث أن المتحدثين بلغة الماندرين الصينية – والتي تُكتب من أعلى الى أسفل – يرَون أن الزمان يجري من أعلى الى أسفل على عكس المتحدثين باللغة الإنجليزية. إذاً، بإمكان اللغة التي تتحدثها أن تؤثر على طريقتك في فهم الآخرين. (هل تستطيع تصور السؤال مجدداً “هل تشكل اللغة شخصيتك؟”)

بشكل عام، تساعدنا اللغة على فهم العالم من خلال تمكيننا من تصنيف الأشياء. والأطفال أفضل في تصنيف الأشياء إذا ما تعلموا كلمات المجموعة التي تنتمي إليها هذه الأشياء. وخلافاً لهذه القدرة المتميزة لدى الأطفال، فإن الذين تعرضوا لسكتة دماغية وفقدوا بعض مهاراتهم اللغوية يواجهون مشكلة في تصنيف الأشياء. وفي هذا الصدد، يخبرنا قاري لوبيان من جامعة وسكانسن-ماديسون ”ليس الأمر أن اللغة تؤثر على جزء كبير من المنطق في الدماغ، بل إنها تغير تصوراتنا الأساسية في الإدراك.”

هل تساهم اللغة في تشكيل شخصيتك؟

يُشاع إن الإمبراطور الروماني تشارليمين قال: “إن إجادة لغة أخرى بمثابة امتلاك روح ثانية.” وربما كان محقاً. ففي ستّينات القرن الماضي، طلبت عالمة اللغويات الاجتماعية ايرفين-تريب من جامعة كالفورنيا-بيركلي من مجموعة أشخاص يجيدون اللغتين الإنجليزية واليابانية بأن يقوموا بوصف ما يرونه في صور مبهمة. أحد هؤلاء الأشخاص على سبيل المثال قام بسرد قصة مختلفة حسب اللغة التي استعملها في التعبير. رسمت صورة امرأة متكئة على أريكة في مخيلته قصة باللغة اليابانية عن امرأة تفكر في الانتحار عقب فقدان خطيبها. وطُلب من الشخص ذاته الذي في اختبار آخر أن يروي القصة باللغة الإنجليزية، قال بأن المرأة المتكئة تفكر في مشروع للخياطة. فبحسب ايرفين-تريب في وصفها لهذه الدراسة: “بشكل عام، هناك عاطفة أكبر في القصص التي تُروى باللغة اليابانية. والتغيير في الكلام من لغة إلى أخرى (في هذه الحالة إلى الإنجليزية) يجلب معه الأفكار الثقافية المتعلقة بتلك اللغة.”

وفي دراسة أخرى، طلبت الباحثة نايران راميريز-اسبارزا من مكسيين يتحدثون بلغتين بأن يقيّموا شخصياتهم باللغتين الإنجليزية والإسبانية باستخدام استطلاع للرأي باللغتين. أظهرت الردود باللغة الإنجليزية إنفتاحاً وأرياحيّة، بينما كانت الردود باللغة الاسبانية أكثر تواضعاً وتحفظاً. تقول راميريز-اسبارزا أن “اللغة أداة قوية، فهي تجعلك ترى نفسك بشكل مختلف.”

التأثير ليس مقتصراً على الشخصية فقط، فحسب شاي دانزيقار من جامعة بين-قوريون الإسرائيلية وروربرت وورد من جامعة بانغور البريطانية فإن اللغة بإمكانها أن تؤثر على طريقة نظرتك للآخرين. حيث قام هؤلاء الباحثون بإجراء دراسة على أشخاص يتحدثون العربية والعبرية، وطُلب منهم أن يطابقوا أسماء عربية وعبرية مع صِفات إيجابية وسلبية عن طريق الضغط على زر ما. وأظهرت الدراسة أن المشاركين أظهروا سلوكاً إيجابياً نحو اليهود عندما اختُبروا بالعبرية بالمقارنة بالعربية. وفي سياق آخر، وجدت باولا روبيو-فيرناندز من جامعة أوسلو في دراستها أن أداء الأطفال الذين يجيدون لغتين كان أفضل من غيرهم في الاختبارات التي تطلب منهم أن يقيّموا مواقفاً من وجهات نظر أخرى.

والأدلة في تزايد حول فكرة أن الكلمات التي نتحدث بها تشكّل عقولنا، وإدراكنا، وشخصياتنا. من يدري ما الأشياء الأخرى التي تؤثر عليها اللغة؟ ربما على أذواقنا، وعاداتنا وقِيمنا. الباب مفتوح أمام كل هذه التخمينات.

إعداد: جمال علي

المصادر: 123

المزيد