ما الفرق بين الإنترنت المظلم والعميق

لا بد وأن مرَّ عليك عنواناً لمقال ما سابقاً حول “الإنترنت المظلم”، ومن ثم اصطدمت بالمصطلح الثاني المرادف “الإنترنت العميق” ويقابلهما في الجانب الآخر “الإنترنت المرئي”، لكن في هذه المرة سنبرهن أن هذه المصطلحات الثلاث تمثل 3 جوانب ومستويات وليس مستويين وبعيداً عن الحشو والتعقيد.

الإنترنت المرئي:

من الواضح من خلال اسم هذا المستوى من الإنترنت أنه كل ما هو مرئي للمستخدم، لكنه في الحقيقة ليس كذلك! بل هو فقط ما يمكن أن تصل إليه محركات البحث، وفي الواقع أيضاً هناك الكثير مما هو مرئي لأي مستخدم في الإنترنت لكنه غير مرئي لمحركات البحث ولا يمكن الوصول إليه عبر محركات البحث.

ومن أبسط الأمثلة على ذلك هي رسائلك الشخصية على تطبيقات التواصل الاجتماعي، حيث تعتبر منطقة عميقة نسبة لمحركات البحث ولا يمكن الوصول إليها بأي طريقة، إلا من خلال حسابك الشخصي في الموقع الفلاني أو من خلال إدارة الموقع (لكل موقع خصوصية مختلفة) لكن ليس عبر البحث في محركات البحث في النهاية، أي أن هذه المعلومات تعتبر عميقة نسبة لأي مصدر خارجي مثل محركات البحث.

ماذا عن مربع البحث الموجود داخل بريد الرسائل؟

حسناً، مربع البحث الموجود داخل بريد الرسائل ليس مصدراً خارجياً بل ميزة يقدمها الموقع الفلاني لمستخدميه، كما يمكنك أن ترى أن هذا المحرك لا يمكنه أن يأتيك بنتائج بحث من خارج صندوق الرسائل خاصتك.

يمكنك أن تأخذ نفس المثال على العديد من الأشياء في متناول يدك كل يوم مثل (صندوق البريد الإلكتروني، ومحتوى هذه الصفحة.. الخ) جميعنا نعلم أن أشياء كهذه لا يمكن الوصول إليها بأيّة وسيلة بحث خارجية، وسوف يتضح لك الأمر لاحقاً.

إذاً ما هو الإنترنت المرئي تحديداً؟

مجدداً هو كل ما يمكن لمحركات البحث الوصول إليه فقط، وما يمكن أن تصل إليه محركات البحث يتمثل غالباً بالعنوان ووصف قصير إضافة إلى الكلمات المفتاحية، هذه الطريقة التي تتبعها محركات البحث برصد المعلومات، عن طريق تناسب تطابق الكلمات المدخلة من قبل الباحث نسبة إلى الكلمات المفتاحية والعنوان والوصف الذي يدخلهما العضو أو المحرر في الموقع الفلاني، بغض النظر عن المؤثرات الأخرى مثل عدد الزيارات وغيرها، كما أن المواقع تختلف بآلية عملها.

يمكنك أن ترى في هذه الصورة أن هذه المقالة كانت في مقدمة نتائج البحث وذلك بسبب التوافق الكلي بالعنوان الذي تم البحث بهِ والعنوان الذي نُشرت به المقالة، كما من السهل أن تلاحظ الوصف أسفل العنوان باللون الداكن.

يمكننا القول إذاً أن الإنترنت المرئي هو الإنترنت المتاح لمحركات البحث حصراً، وهو بشكل عام كل ما يمكننا التفكير به من مواقع ساكنة “Static” مثل غوغل، فيسبوك، يوتيوب، موقع أخبار العلوم، موقع صحيفة نيويورك تايمز، وغيرها من المواقع المؤرشفة مباشرة في محركات البحث.

هكذا نستنتج أن الإنترنت المرئي يتكون من الصفحات الثابتة والساكنة التي لا تعتمد على قواعد بيانات لعرض محتواها، بل تقوم على خادم Server ينتظر أن يسحب منه الموقع البيانات أو المعلومات حسب الطلب. وبشكل أساسي تتكون هذه المواقع من صفحات HTML ولا يتغير محتواها أبدًا بمرور الوقت إلا إذا قام مديروها بتغيير كود HTML ليتم بعدها رفع النسخة الجديدة من الصفحة إلى الخادم من جديد.

الإنترنت العميق (Deep Web):

إن كان الإنترنت المرئي هو كل ما يمكن أن تصل إليه محركات البحث، فإن الإنترنت العميق هو كل ما لا يمكن لمحركات البحث الوصول إليه، أي أنه مجرد منطقة عميقة.

إن المناطق العميقة في الويب ليست سرية، بالعكس، لكن لا يمكن فهرستها، لا أسرار هنا في الواقع، بل إن الأمر يعتمد على الطريقة التي تعمل بها محركات البحث. محركات البحث تعتمد على الراوبط، أي أنها توفر لك رابط لزيارة موقع يحوي الكلمات المفتاحية التي كتبتها في المقام الأول، وبعدها تضغط أنت على الروابط التي ترى أنها ستوصلك إلى وجهتك حقًا. لكنها لن تساعدك أبعد من هذا!

علاوة على هذا فهناك صفحات يمكن حجبها من الفهرسة أي أنها على الرغم من امتلاكها رابطاً لكنك لن تجدها بأيّة وسيلة بحث بل عليك أن تذهب إليها بنفسك، هذا يعني أنه يتوجب عليك زيارة تلك الأماكن بعينها مباشرة بدلًا من البحث عنها، وهذا يعتمد على خصوصية الموقع مثلاً أو الميزات التي يتيحها لمستخدميه.

مثل منشوراتك على موقع فيسبوك التي تمتلك خصوصية “أنا فقط” وفي الحقيقة لا يمكن حتى لأصدقائك رؤيتها، هناك طريق واحد للوصول إلى هذه المنشورات وهو الدخول إلى حسابك الشخصي ثم صفحتك الشخصية وهكذا.. الأمر نفسه ينطبق على محركات البحث إن خصصت خصوصية معينة للمقالة أم تركته كي يؤرشف في محركات البحث.

فلنضرب مثلًا على ذلك (ما لا يمكن لمحركات البحث الوصول إليه) موقع Amazon الشهير. يمكنك البحث في محركات البحث التقليدية للوصول إلى هذا الموقع بالتحديد، أو حتى للحصول على منتج بعينه داخل هذا الموقع بتوفير اسمه قبلًا، لكن جرب مثلًا أن تبحث في جوجل عن أغطية هاتف آيفون يتراوح سعرها بين 20–50 دولار وتمت إضافتها منذ أربعة أيام مع شحن مجاني. عندها ستجد روابط لكل شيء عدا نتيجة بهذه الدقة والتحديد التي طلبتها! والسبب؟ لأن ما طلبته ليس له رابط مباشر ولا يمكن لمحرك البحث التعرف عليه. هذه منطقة “عميقة” لا يمكن لمحرك البحث الوصول إليها، والشيء الوحيد الذي يمكنه مساعدتك هنا هو الاستعانة بشريط البحث داخل الموقع نفسه لأن الموقع بالضرورة قام بفهرسة وتصنيف المنتجات والعناصر بداخله مما يمكّنه هو، وهو فقط، من البحث عن شيء لا يعلم أحد بوجوده بعد… شيء لا يوجد أصلًا إلا إذا أراد الباحث أن يوجد!

هكذا نرى أن الإنترنت العميق لا يعني بالضرورة محتوى سري، بل هو سري بقدر سرية محل البقالة في نهاية شارعكم! إنه سري لمعظم الناس لأنهم لا يسكنون الشارع نفسه أو لا يعلمون كم هو لذيذ ذلك الزيتون الأسود الذي يبيعه! هذه معلومات غير سرية على الإطلاق، هي فقط ”عميقة” وغير مرئية للمارين من بعيد، حيث كل ما يعلمونه هو أن هذا حي سكني اسمه كذا مع وصف بسيط!

هذا كله يعني أن محركات البحث لا تستخدم شريط البحث في المواقع، بل تستخدم الروابط التي يوفرها كل موقع، وما دون ذلك يبقى كجزء من محتوى الإنترنت العميق. لذا قد يكون هذا مخيباً للآمال بالتأكيد! الأمر إذاً ليس مخيفًا أو سريًا كما تروج وسائل الإعلام؛ هو فقط نوع معين من المحتوى الذي يتطلب وسيلة بحث خاصة. لكن الأمر على وشك التغير إذا ما توغلنا أعمق قليلًا…

حالك الظلام هنا؛ “الإنترنت المظلم” (Dark Web):

إذا كان الإنترنت العميق Deep Web كل ما لا تستطيع محركات البحث النفاذ إليه أو العثور عليه، فإن الإنترنت المظلم Dark Web يتم تصنيفه كجزء صغير من الإنترنت العميق تم إخفاؤه عن عمد وغلقه أمام المتصفحات العادية التي نستخدمها مثل موزيلا فايرفوكس وكروم، الإنترنت المظلم شيء لا يحب الأضواء كثيرًا ولا يجب أن تراه الأعين عادة!

لهذا، فإن الطريقة الوحيدة للنفاذ إلى هذا الجزء المخفي والمظلم من الإنترنت هي بإخفائك أنت الآخر! ولحسن الحظ، فلا حاجة لإخفائك شخصيًا، بل نحتاج لإخفاء هويتك وكيانك الذي يمثلك على الإنترنت وهو بروتوكول الإنترنت IP الخاص بجهازك الذي تستخدمه. والبرنامج الأشهر هنا لتحقيق هذا والنفاذ إلى الإنترنت المظلم هو متصفح شركة The Onion والمعروف باسم TOR؛ حتى أن هناك شبكة كاملة في الإنترنت المظلم تدعى شبكة TOR ولا يمكنك تصفح محتواها إلا من خلال المتصفح الذي يحمل نفس الاسم TOR. بالطبع هذا أمر لم يعجب هيئات الرقابة حول العالم ومن ضمنها أجهزة الاستخبارات في كل دولة، وهكذا بدأت بابتكار وسائل لاستهداف وتعقب من يستخدم متصفح TOR أصلًا!

لكن هل الأمر بهذه الخطورة حقًا؟ هل حان الوقت لبعض الإثارة بعد خيبة الأمل في الإنترنت العميق؟ أجل، إلى حد كبير! فعلى الرغم من أن الإنترنت المظلم هو مكان ممل للغاية في أغلبه حيث يلجأ إليه العلماء لتخزين وحفظ نتائج أبحاثهم الخام قبل تداولها مع العامة لاحقًا، إلا أن هناك عدداً من الأسواق الخفية والمجهولة التي وجدت في الإنترنت المظلم غايتها بيع وتجارة منتجات ممنوعة وغير قانونية كالمخدرات والأسلحة وغيرها.

أسواق الإنترنت المظلم:

كان موقع طريق الحرير Silk Road أول سوق خفي ينجح حقًا في التواجد على الإنترنت المظلم. فعقب تأسيسه عام 2011، قدّم موقع طريق الحرير منصة تجارية شبيهة بمنصة موقع أمزون الشهير، حيث كان باستطاعة الزوار شراء وبيع منتجات أو خدمات غير تقليدية وغير مرخصة لا سقف لنوعيتها باستخدام عملة رقمية لا يمكن تتبعها وتدعى بيتكوين Bitcoin.

حقق الموقع نجاحًا غير مسبوق بعدما وجد فيه الكثيرون المكان الأنسب للترويج لبضاعتهم المشبوهة وغير القانونية بعيدًا عن أعين جهات الرقابة العامة، خاصة في دول العالم الثالث الذي لا يدري معظمها بوجود مثل هذه الطبقة السرية والعميقة من الإنترنت. لذا، وحتى إغلاقه في 2013 عن طريق وكالة الاستخبارات الفدرالية الأمريكية FBI، نجح موقع طريق الحرير في اجتذاب ما يزيد عن 1400 بائع وأكثر من مليون عضو مسجل في الموقع، مع تحقيق أكثر من 1.2 مليون عملية شراء وبيع بقيمة 214 مليون دولار! كل هذا في عامين فقط لا أكثر!

والخبر المزعج هنا أن أسواقًا مظلمة أخرى قد حلت محل موقع طريق الحرير المشؤوم، مثل أسواق Agora و AlphaBay ليستمر هذا النوع الخفي من الأنشطة غير القانونية بعيدًا عن الأعين ودون رقابة.

هل لا زلت ترغب في النفاذ إلى الإنترنت المظلم؟

الأمر ليس عسيرًا في الواقع. كل ما تحتاجه هو التوجه إلى موقع TOR وتنزيل حزمة متصفح TOR والتي تحوي كافة الأدوات المطلوبة. عقب اكتمال التحميل، قم بفك الملف المضغوط وقم بتشغيل متصفح TorBrowser. سيستغرق الأمر بعض الوقت لتأمين هويتك وضبط بعض الإعدادات سريعًا دون تدخل منك على الإطلاق. وعقب الانتهاء سيفتح المتصفح صفحة البداية لك.

الجزء الأصعب هنا هو معرفة أين تبحث أو أين تبحر في هذا الجزء المظلم من الإنترنت. لكننا كذلك نحذرك ولا نشجعك على المخاطرة والولوج إلى هذا الدغل الموحش دون دراية كافية. فحالما دلفت إلى عالم الإنترنت الخفي، ستستطيع النفاذ إلى أماكن ومحتوى لا يمكن توقعه، وهذا يعني أن هناك من يستطيع عكس الأمر واصطيادك أنت الآخر! لذا فالنصيحة الذهبية هنا هي وضع شريط لاصق على كاميرا الحاسب الشخصي الخاص بك وكذلك على منفذ الميكروفون به لأن هناك من يضع نظارات رؤية ليلية في هذا العالم المخيف والمظلم من الإنترنت. وتذكر دومًا أنك قد تكون على بعد ضغطة واحدة من مواقع تبيع المخدرات والأسلحة، وأشياء أخرى أسوأ وأشد خطورة بكثير في الواقع.

ملخص:

  • الإنترنت المرئي: هو ما يمكن لمحركات البحث أن تصل إليه.
  • الإنترنت العميق: هو ما لا يمكن لمحركات البحث أن تصل إليه.
  • الإنترنت المظلم: هو ما لا يمكن للمتصفحات الإعتيادية أن تصل إليه.

في الصورة أعلاه يمكنك أن تلاحظ أن محركات البحث على الزبد أعلى البحر (1)، وشبكتها محدودة إلى المواقع الساكنة (2)، بينما قواعد البيانات والدوريات الأكاديمية مثلاً (3)(4) هي في منطقة أكثر عمقاً لذا تسمى بالإنترنت العميق، ومن ثم في النهاية شبكة تور (5) والتي لا يلتمسها حتى الضوء، وتعتبر ضمن الإنترنت العميق لأنها منطقة عميقة كذلك لكنها لا تشبهها وتسمى بالإنترنت المظلم.

إعداد: ليث حسين