هل من الصحة علمياً القول أنه ليست هنالك جاذبية في الفضاء؟

كثير من الناس يعتقدون أنه ليس هناك جاذبية في الفضاء الخارجي، فبمجرد أن نقوم بالخروج من الغلاف الجوي للأرض، فإننا لا نكون تحت تأثير جاذبية الأرض أو أية أجرام سماوية أخرى.

والدليل على هذا الأمر واضح وضوح الشمس، فرواد الفضاء المسافرون على متن الرحلات الفضائية يمكنهم الطيران داخل مركباتهم بحرية تامة، حتى أنهم إذا ما سكبوا كوبا من الماء فإن المياه لا تسقط على الأرض، بل تطير في جو المركبة.

أيضا، رواد الفضاء يمكنهم الطيران، والسباحة، بسلاسة كاملة في جميع الاتجاهات والزوايا، عندما يقومون بتنفيذ أية مهام خارج مركباتهم الفضائية، إلى حد أنهم يكونون بحاجة إلى أجهزة دفع خاصة؛ حتى يتمكنوا من توجيه أنفسهم للمكان الذي يريدونه.

تغيير المفاهيم:

قد يبدو هذا الأمر صحيحا ظاهريا، لكن الحقيقة تختلف عن هذه النظرة البسيطة كثيرا؛ فإذا كان الأمر كما يبدو لما كان القمر يدور حول الأرض، لأن جاذبية الأرض يصل مداها إلى حد أنها تسيطر على القمر، وتجبره على الدوران حولها منذ ملايين السنين.

وإذا كان الأمر صحيح أيضا لما كانت هناك مجموعة شمسية من أساسه، فجاذبية الشمس تتمكن من السيطرة على آلاف الأجرام السماوية، ومن بينها الكواكب الثمانية العملاق، على امتداد ملايين الكيلومترات، وبالتالي فإن أية كتلة توجد في نطاق المجموعة الشمسية هي تقع على الأقل في نطاق الجاذبية الشمسية كحد أدنى (أضف لهذا جاذبية الكواكب والأقمار والكويكبات).

هنا علينا أن نفرق بين ما يشعر به رواد الفضاء من “انعدام الوزن” وبين ما يذهب العامة إلى تسميته بعدم وجود الجاذبية في الفضاء، فكل كائن في الفضاء هو في الحقيقة تحت تأثير عدد لا يحصى من قوى الجاذبية، إلى درجة أنه خاضع لجاذبية الثقوب السوداء أيضا.
لماذا يمر رواد الفضاء بحالة انعدام الوزن؟ عندما يطرح هذا السؤال تكون الإجابة: “لأنهم في الفضاء”، والجاذبية الأرضية تنعدم خارج الغلاف الجوي.

لكنَّ سؤالاً آخر سيجعل أصحاب هذه الإجابة يعيدون التفكير وهو: إذا كانت الجاذبية تنعدم في الفضاء فلماذا يدور القمر حول الأرض؟مع العلم أن القمر أبعد بكثير من أي محطة فضاء تدور حول الارض.

القمر والارض:

قد يكون التفكير في إجابتين غير متناقضتين للسؤالين السابقين مصدراً للحيرة عند البعض، وحتى نضع أنفسنا على المسار الصحيح سأبدأ بالتأكيد على أنَّانعدام الوزن ليس ناتجاً عن انعدام الجاذبية، و أن شدة مجال الجاذبية الأرضية على ارتفاع 386 كيلومتر عن سطح الأرض ـ وهو ارتفاع محطة الفضاء الدولية عن سطح الأرض ـ تقل بنسبة 11% عن شدة مجال الجاذبية على سطح الارض، ما يعني أن رائد الفضاء الذي يزن 100 نيوتن على سطح الأرض سيكون وزنه “الفعلي” داخل محطة الفضاء الدولية 89 نيوتن، هذه الحقيقة قد تبدو غريبة بعض الشيء لكن اللبس سيزول بمعرفة العلاقة الصحيحة بين الوزن والجاذبية.

الوزن وقوة الجاذبية:

وضع نيوتن القانون العام للجاذبية والذي ينص على أن:

  • ثابت الجاذبية العام G=6.67.
  • كتلة الجسم الأول وكتلة الجسم الثاني.
  • r البعد بين مركزي ثقل الجسمين.

بالرغم من أن قوة الجاذبية هي القوة التي تعمل على جذب أي جسمين إلى بعضهما فإن قوة الجاذبية لاتذكر إلا مقترنة بالأرض، ذلك لأن مقدار قوة الجاذبية التي تؤثر بها الأرض على الأجسام الموجودة على سطحها يفوق بكثير من قوى الجاذبية التي تنشأ بين الأجسام فيما بينها، إن وجود الأرض يخلق حولها مجالاً من قوة الجاذبية لا ينعدم ولكنه يقل كلما ابتعدنا عن سطح الأرض.

فإذا أردنا أن نصل إلى نقطة تصبح فيها قوة الجاذبية الأرضية ( ) من قوة الجاذبية على سطح الأرض يجب أن نسافر في الفضاء مبتعدين عن الأرض مسافة تساوي 6.37 مليون كيلومتر.

قوة الجاذبية من قوى التأثير عن بعد أي أن وجودها لا يستلزم وجود تماس بين الجسمين (عكس قوة الاحتكاك) إلا أن الإحساس بالجاذبية الأرضية -وبالتالي الوزن- ينشأ من وجود رد الفعل الناتج عن الأرضية التي يوجد عليها الجسم.

مقدار القوة التي تؤثر بها الأرض على الجسم هي وزنه الفعلي (Actual Weight) ويساوي حاصل ضرب كتلة الجسم في عجلة الجاذبية الأرضية، أما عند قياسنا للوزن فإن الميزان يقرأ الوزن الظاهري (Apparent Weight) و هو الوزن الذي نشعر به (قوة رد فعل السطح الموضوع عليه الجسم).

هل يتغير الوزن؟

الوزن الفعلي لأي جسم موجود على ارتفاع معين لا يتغير إلا بتغير كتلته لكن وزنه الظاهري يتغير بتغير حالة الحركة التي يمر بها الجسم، فعندما يكون الجسم في حالة سكون أو حركة أفقية أو حركة رأسية بسرعة ثابتة (التسارع = صفر) فإنَّ وزنه الفعلي يساوي الوزن الظاهري “إذا تجاهلنا قوة الطفو (Force buoyant) الناتجة عن الهواء المحيط بالجسم”.

يحدث الاختلاف بين الوزن الفعلي والوزن الظاهري عندما يكون الجسم في حالة تسارع رأسي إلى أعلى أو إلى أسفل وما يؤكد ذلك هو تجربة قياس الوزن داخل المصعد في حالات مختلفة.

إذا وقف شخص له كتلة (m) على ميزان موجود داخل مصعد فإن وزنه الفعلي (m.g) يظل ثابتاً لكن الميزان سيقرأ أوزاناً مختلفة (N) حسب الحالات التالية:

الحالة الأولى: إذا كان المصعد متوقفاً أو تحرك بسرعة ثابتة (التسارع = صفر) فإن : N = m.g أي أن قراءة الميزان ستشير إلى وزن الشخص الفعلي.

الحالة الثانية: إذا بدأ المصعد بالحركة إلى أعلى بتسارع فإن: N > m.g أي أن الوزن الظاهري في هذه الحالة أكبر من الوزن الفعلي.

الحالة الثالثة: إذا بدأ المصعد بالحركة إلى أسفل بتسارع فإن: N < m.g أي أن الوزن الظاهري في هذه الحالة أقل من الوزن الفعلي.

الحالة الرابعة (السقوط الحر free fall): لنتخيل أن الأسلاك التي تحرك المصعد قد انقطعت وبدأ المصعد بالسقوط نحو الأرض فما الذي سيحدث؟ في هذه الحالة يتسارع المصعد والجسم نحو الأرض بنفس المعدل تحت تأثير عجلة الجاذبية الأرضية، لذلك لا تكون هناك قوة رد فعل من الميزان على الجسم مما يجعل الشخص الموجود داخل المصعد يفقد إحساسه بوزنه وتصبح قراءة مؤشر الميزان (N) صفراً، ويبدأ الشخص بالسباحة داخل المصعد وهي حالة انعدام الوزن.

المركبات الفضائية و السقوط الحر:

من التجربة السابقة يمكن أن نخلُص إلى أنَّ انعدام الوزن يحدث عندما يكون الجسم في حالة سقوط حر نحو الأرض حيث لا تؤثر عليه أي قوة سوى قوة الجاذبية الأرضية (القفز من طائرة أو مبنىً عالٍ ليس سقوطاً حراً لوجود قوة إعاقة ناتجة عن الهواء) لكن السؤال البَدَيهي هو:

الحقيقة هي أن دوران مركبة الفضاء حول الأرض هو سقوط حر مستمر نحو الأرض.

لفهم ذلك سنعود إلى نيوتن لنتابع تجربةً ذهنية (Thought Experiment) قام بها عام 1687 لتوضيح أن الجاذبية هي سبب دوران القمر حول الأرض والكواكب حول الشمس، فكر نيوتن بمدفع موضوع على قمة جبل عالٍ جداً يمتد إلى خارج الغلاف الجوي حيث لاتوجد قوة إعاقة ناتجة عن الاحتكاك مع الهواء ثم تخيل أن قذيفة تم إطلاقها من المدفع في اتجاه موازٍ لسطح الأرض.

ما سيحدث هو أن القذيفة سوف تنطلق في خط مستقيم لكن وجود الجاذبية سيجعل مسارها يتقوس نحو الأرض وإذا تتبعنا مسارها سنجد أنه على شكل قطع مكافئ (Parabolic Path) (مسار رقم 1) أما إذا زيدت قوة إطلاق القذيفة فإنها ستتخذ مساراً أطول قبل أن تلامس الأرض (مسار رقم 2)، وإذا أطلقت القذيفة بقوة كبيرة جداً فستفلت من الجاذبية الأرضية (مسار رقم 3)، لكن عند قوة إطلاق معينة ستكتسب القذيفة سرعة ابتدائية تمكنها من الدوران حول الارض (مسار رقم 4) و(مسار رقم 5).

الفرق الجوهري بين السقوط الحر رأسياً نحو الأرض وبين دوران مكوك الفضاء حول الأرض هو أن قوة الجاذبية في الحالة الأولى تؤثر في نفس اتجاه سقوط الجسم فتزيد سرعة الجسم ويظل اتجاه حركته ثابتاً، أما في الحالة الثانية فإن قوة الجاذبية تكون متعامدة على متجه السرعة (Velocity) فينحصر تأثير عجلة الجاذبية في تغيير اتجاه حركة المركبة الفضائية بينما تظل السرعة (Speed) ثابتة عند قيمة محددة.

مكوك الفضاء وهو يدور حول الأرض تتنازعه قوتان قوة الجاذبية الأرضية وتعمل على جذبه إلى الأرض وقوة طردٍ مركزية ناتجة عن سرعته تعمل على دفعه في الاتجاه المعاكس، ولكي يحافظ مكوك الفضاء على الدوران في مدار ثابت لابد أن تتساوى هاتان القوتان وحتى يتحقق ذلك على مكوك الفضاء أن يحافظ على سرعةٍ ثابتة.

انعدام الوزن داخل الطائرة:

يتبين لنا مما سبق أن انعدام الوزن في المركبات الفضائية التي تدور حول الأرض ليس ناتجاً عن انعدام الجاذبية لكنه ينتج عن مرور الجسم بحالة سقوط حر مستمر نحو الأرض مع انعدام القوى المعيقة مثل قوة مقاومة الهواء.

ولقد أُفيد من هذه الحقيقة العلمية في إنشاء بيئات على الأرض توفر سقوطاً حراً إما لاستخدامها في إجراء التجارب أو لتدريب رواد الفضاء أو لأغراض تجارية لتمكين الراغبين من الاستمتاع بخوض تجربة انعدام الوزن. ومن الوسائل المستخدمة لهذا الغرض أبراج الإسقاط (Drop towers) والطائرات التي تعرف بـ (Parabolic Aircraft) أو الطائرات ذات مسار القطع المكافئ.

لخلق بيئة انعدام الوزن داخل الطائرة تقوم الطائرة بعدد من المناورات، فبعدَ طيران أفقي ثابت وعند ارتفاع 7 كيلومترات(24 ألف قدم) تقريباً تبدأ الطائرة بالصعود بسرعة عالية و بميلان مقداره 45 درجة وتستمر هذه المرحلة لمدة 20 ثانية يمر خلالها الركاب بتسارع رأسي يساوي 1.8g يجعلهم يشعرون بأن أوزانهم قد تضاعفت، ثم يتم تخفيض الدفع (Thrust) للحد الذي يعادل مقاومة الهواء فقط، لتصبح محصلة القوى المؤثرة على الطائرة في الاتجاه الموازي لسطح الأرض صفراً.

وتقل قوة الرفع للصفر تقريباً مما يجعل الطائرة في حالة سقوط حر تحت تأثير الجاذبية فقط، وتتخذ الطائرة مسار الجسم المقذوف، وتستمر هذه المرحلة لمدة تتراوح بين 15 و 20 ثانية يختبر خلالها ركاب الطائرة انعدام الوزن، في المرحلة الثالثة والأخيرة يتم زيادة سرعة الطائرة وهي في حالة انحدار (30 درجة نحو الأرض) للخروج من حالة السقوط الحر وتصبح الطائرة تحت تأثير عجلة تساوي 1.8g لمدة 20 ثانية بعدها تعود الطائرة للطيران الأفقي أو يتم إعادة التجربة مرة أخرى.

انعدام الوزن في مدينة الملاهي:

ربما كنتَ تعتقد أن تجربةَ انعدام الوزن تجربةٌ مميزة لا يحصل إلا رواد الفضاء على فرصة معايشتها في الفضاء، وبعد قراءتك لما سبق في هذا المقال اكتشفت أنه بالإمكان معايشتها على الأرض، لكنك تعتقد أنه لا سبيل لغير رواد الفضاء على معايشة انعدام الوزن إلا داخل طائرات التدريب، حسناً لدي بعض الأخبار السارة لمحبي المغامرة!

توجد بعض الشركات التى تتيح لأي شخص فرصة الاستمتاع بانعدام الوزن، لكن بالتأكيد فإن هذه الشركات تأخذ الكثير من المال مقابل هذه الخدمة، ربما لن نستطيع أنا وأنت أن نستمتع بانعدام الوزن الذي تقدمه هذه الشركات -على الأقل حالياً- لكن ذلك لا يعني عدم وجود خيار آخر أخير وهو مدينة الملاهي.

فالأفعوانية والصاروخ مثلاً من الألعاب التي تشعرنا بانعدام الوزن لثوانٍ معدودة. أعلم أن ذلك غير مرضٍ كفايةً لكنه أسهل الطرق المتاحة، لذا في المرة القادمة التي تجرب فيها هذه الألعاب تذكر هذا المقال واستمتع بكل ثانية انعدام وزن فهي ممتعة وقيمة.

إعداد: جمال علي

المصادر: 1234