الحقيقة والخرافة حول الهياكل العظمية العملاقة

بدأت الخدعة بصورة تمّ التلاعب بها، ثم وجدت تقبّلًا من قبل الجمهور على الإنترنت، ويعود ذلك القبول غالبًا إلى ارتباطها غير المقصود بدلالات دينية معينة.

صُمّمت الصورة بالبداية في 2002 بواسطة أحد برامج تعديل الصور، لتظهر هيكلاً عظميًّا عملاقًا محاطًا بمنصّة خشبية مع شخص يبدو أنّه عالم آثار يمسك بيده مجرفة يقوم بواسطتها بإزالة القشور وإبعاد الأتربة عن الهيكل المستلقي على الأرض.

بحلول عام 2004 انتشر هذا الخبر الكاذب عبر البريد الإلكتروني في كل أنحاء العالم بعنوان «اكتشاف هيكل عظمي عملاق» ثم عاد نفس الخبر لينتشر من جديد في عام 2007.

لربما يكون التزييف و التلاعب بالصورة واضحاً لمعظم النّاس، لكن الحكاية الطويلة لهذا العملاق ترفض أن تخبو حتى بعد خمس سنوات، حيث أنّه استمر تدفق الرسائل الالكترونية على بريد “أخبار ناشيونال جيوغرافيك” (المقال من عام 2007، ولكن حتى هذه اللحظة بعد 10 سنوات من تنويه الجهات المسؤولة عن حقيقة هذه الصور لا زال هناك من يصدقها وينشرها بل ويصمّم صوراً جديدة بنفس الفكرة). تأتي الرسائل من كافة أنحاء العالم ـ من البرتغال، السلفادور، ماليزيا، أفريقيا، الدومينيكان، اليونان، مصر، جنوب أفريقيا، كينيا، وجميع هذه الرسائل تسأل نفس السؤال: هل هو حقيقي؟

والجدير بالذكر أنّ كثيراً من وسائل الإعلام الرخيصة قامت بنسب هذه الصور إلى مناطق معينة في بلادها! فإن جرّبت البحث عن جملة “هياكل عظمية عملاقة” على محرك البحث غوغل، ستجد أنّ كل جهة ناشرة تنسب هذه الصور إلى منطقتها، فقد تمّ نسبها إلى منطقة الربع الخالي في الكويت، صحراء السعودية، اليمن، ليبيا، واليونان، وباللغة الانكليزية تقول نتائج البحث أنّ الصور هي من إيران، أميركا، اليونان، الاكوادور، والهند، وغيرها!

استمرار هذه الخرافة:

العجيب هو قيام بعض وسائل الإعلام بالمساعدة في إعادة نشر هذه الخرافة مجددًا، والتكلّم عنها كأنّها حقيقة، وهو ما يعتبر أمرًا مخلًّا بمصداقيتها، كما يدلّ على الاهتمام السطحي بنقل الأخبار وعدم المعرفة.

وعند تناول موضوع الهياكل البشرية العملاقة غالبًا ما يُستَشهد بمقالة نشرت في آذار/مارس 2007 في موقع صوت هندوس الهند India’s Hindu) Voice).

إذ جاء فيها: «مؤخّرًا، أثناء قيام فريق بحث بنشاط استكشافي في شمال الهند، اكتُشفت بقايا هيكل عظمي لإنسان بحجم هائل».

وتطوّرت القصّة حتى قيل: «إنّ الاكتشاف قام به القسم الهندي في فريق الجمعية الجغرافية الوطنية بدعم من الجيش الهندي، والمنطقة لاتزال منذ ذلك الوقت تحت سيطرة الجيش».

الآن، إن كنت مهتماً حقاً بالهياكل “العملاقة” بعيداً عن الكذب، فهناك هياكل عملاقة حقيقية وموجودة فعلاً!

تمّ إيجاد هيكلٍ متحجّر لإنسان عملاق مدفون في قبر أطول من المعتاد قرب روما يعود إلى القرن الثالث، يقدّر أنّ هذا العملاق توفي في عمر 16-20 سنة، وبفحص عظامه تمّ تأكيد أنه كان مصاباً بداء “العملقة” Gigantism، حيث بلغ طوله 202 سنتيمتر!

يبدو الرقم مخيباً للآمال بالمقارنة مع الصور الزائفة التي تدّعي أن الهياكل العملاقة تصل لطول 18-24 متراً، ولكنّ داء “العملقة” هو حالة طبية نادرة وليست قصة خرافية (ولهذا فهو واقعي أكثر)، وهو ليس سوى اضطرابٍ في عمل الغدّة النخامية يؤدي إلى افراز زائدٍ من هرمون النمو قبل البلوغ، مما يسبب نمواً غير معتاد واضطراباتٍ أخرى كتأخر البلوغ، اضطراب الرؤية، تشوه في نهايات العظام، ضعف عام وصعوبة في الحركة، ضخامة في عظام الوجه والفك، وأعراض أخرى. هذه الحالة نادرة جداً حيث يقدّر أنها تصيب واحداً من كل ثلاثة ملايين انسان في العالم!

يذكر أنّه حسب موسوعة غينيس للأرقام القياسية بلغ طول الرجل الأطول في العالم 2.72 متراً وهو “روبرت وادلو” من ولاية ايلينويس، والذي توفي عام 1940 في عمر الثانية والعشرين، وصاحب لقب أطول رجلٍ على قيد الحياة هو التركي “سلطان كوسين” بطولٍ وصل إلى 2.43 متر.

تشير المستحاثات الخاصة بأسلاف الإنسان إلى أنّ الانسان يزداد معدّل طوله مع مرور الزمن وليس العكس! ويعود السبب في ذلك إلى عدّة عوامل منها تحسّن التغذية وظروف الحياة ومنها الانتخاب الجنسيّ لصالح الأفراد الأكثر طولاً إضافة إلى عوامل أخرى، أي أنّه لا يوجد في سجل الحفريات الحقيقيّ أيّ إشارةٍ لأسلاف لنا كانوا أطول قامة مما نحن عليه اليوم. وفي النهاية تبقى متاحف ومختبرات العالم – وهي السجل الحقيقي لأيّ اكتشافات أثرية- خالية من أي أثرٍ لهكذا هياكل، ولا يتعدى وجودها فضاء الانترنت والصور وعقول البعض ممن يصدق ما يعرض عليه بدون دليل.

إعداد: أنمار رؤوف

المصادر: 123